«الرواية تتجاوز السيرة الشخصية إلى الذاكرة الوطنية»

علي الحسن: طالب الرفاعي يؤرّخ لعوض دوخي... نوخذة الطرب

9 سبتمبر 2025 11:00 م

- أعاد إحياء شخصية فريدة... بوصفها نموذجاً إنسانياً رفيعاً وجديراً بالاقتداء

أشاد مؤسس المقهى الثقافي «كافيين» الكاتب علي الحسن، بالإصدار الأخير للأديب طالب الرفاعي «دوخي.. تقاسيم الصَبا».

واستهلّ الحسن، في وصف الرواية، قائلاً: «يبدو فعل الأدب ساحراً في قدرته على قولبة التجارب الكتابية لتمسّ مشاعرنا الخاصة، فتستيقظ ذكرياتنا حاضرة وقد ارتدت ثوب اللحظة.

رواية طالب الرفاعي الجديدة (دوخي.. تقاسيم الصَبا) أخذت بعداً خاصاً بالنسبة إليّ، حيث إن والدي،رحمه الله، كان قد حدّثني مراراً عن المطرب عوض دوخي، فقد تزامنت فترة عملهما في وزارة الإعلام. لكنني لم أكن أعرف الكثير عن دوخي، وعن منعطفات حياته قبل قراءتي لرواية الرفاعي سوى بعض أغانيه مثل: (يا من هواه أعزه) و(صوت السهارى). كما كنتُ أتذكّره في كل عيد وهو يشدو عبر شاشة التلفزيون بصوته العذب: «باركوا يا حباب الفرح لذ وطاب... اليوم يوم العيد».

وأضاف «حياة عوض دوخي، وإن كانت قصيرة (1932-1979)، إلا أنها كانت ثرية بالقيم والفعل الإنساني والفني الباقي. فهي رحلة بدأت باليتم والفقر والفقد، واستمرت بكثير من التحديات والتضحيات، قبل أن تتوج بالنجاح والاعتراف». وتابع الحسن «والأهم أن عوض ظل متمسكاً بمبادئه وإنسانيته، وبذلك أصبحت سيرته مرآة تعكس قصة وطنه الكويت: من المعاناة إلى الازدهار».

«تاريخي بامتياز»

وأشار إلى أن «دوخي.. تقاسيم الصَبا» ليست مجرد رواية سيرة حياة فنان، بل عمل أدبي وتاريخي بامتياز لنوخذة الطرب، يضيف إلى المكتبة الكويتية والعربية وثيقة فنية تعيد إحياء شخصية فريدة بوصفها نموذجاً إنسانياً رفيعاً وجديراً بالاقتداء.

ومضى «نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذه النماذج المحلية التي تجمع بين الفن والإبداع. فقد نجح الرفاعي في أن يعيد إلى الأذهان صوت الفنان الراحل عوض دوخي بسيرته، ليبقى حاضراً للأجيال القادمة كدليل ونبراس يضيء الطريق لمن يأتي بعده.

ودوخي، كما صوّره الرفاعي، ليس مجرد مطرب وملحّن مُجدد بل رمز ودرس في المثابرة والاجتهاد. إنها رواية عن الإنسان كما هي عن الوطن، وعن الفن كما هي عن التاريخ».

وأوضح الحسن، أن الرواية تتناول الأحداث التي جرت خلال الساعات الثلاث والنصف الأخيرة من حياة الفنان عوض دوخي، «حيث تبدأ الساعة 10:30 مساءً وعوض مُمدّد على فراش موته بين أهله وأقربائه في بيته، قبل أن يفارق الحياة في تمام الساعة 2:00 فجراً. في لحظاته الأخيرة يتأرجح دوخي بين الغيبوبة والصحوة، مُستذكراً محطات حياته الأهم في ومضات قصيرة، تفيض بالذكريات الدافئة والمواقف التي صاغت مسيرته الفنية والإنسانية».

«محطات الطفولة»

واسترسل الحسن «بأسلوب فني سلس وشيّق، يأخذنا الرفاعي في ساعات عوض الأخيرة إلى ثلاثينات القرن الماضي، كاشفاً محطات الطفولة، والصعوبات الأولى التي عاشها، مروراً بمعاناته الإنسانية والفنية، وصولاً إلى مراحل النضج والنجاح. حيث تتحول لحظة الفقد إلى ولادة جديدة، بميلاد الفنان من جديد في ذاكرة القارئ، وتولد معه الكويت الحديثة، من مجتمع بحري بسيط وفقير يعتمد على اللؤلؤ والصيد وشيء من التجارة عبر البادية، إلى دولة النفط والمعاصرة والرفاه».

ولفت إلى أن الرفاعي كتب الرواية بلغة دقيقة وآسرة، تمكّن القارئ من عيش التجربة بكل تفاصيلها الحسية والنفسية، «فقد أبهرني وصفه لحالة الكويت قبل النفط والكيفية التي نقل بها مشاعر الناس والقلق الذي يعيشونه كل يوم، وعلاقتهم بالفن بمختلف طبقات المجتمع، وأثره في التخفيف عن همومهم، كما عبّر واصفاً حالة البحارة قائلاً: (بحارة يحاصرهم الجوع والتعب! يعيشون على الخوف والأمل، معلقين بين الماء والسماء. ينهش المجهول فكرهم...)».

وأكمل «بهذه اللغة، يجمع الكاتب بين السرد الأدبي والتوثيق الاجتماعي، مانحاً الرواية بعداً يتجاوز السيرة الشخصية إلى الذاكرة الوطنية. وما تميّز به الرفاعي في روايته الجديدة، وكما جسّد حياة النوخذة علي ناصر النجدي في رواية (النجدي) التي تختصر حياته من خلال آخر اثنتي عشرة ساعة في عمره، فإنه استطاع من خلال لحظات مختزلة في ثلاث ساعات فقط أن يولّد مجموعة كبيرة من الأحداث والصفحات المتشعبة بأسلوب يشدّ القارئ حتى الصفحة الأخيرة، مدوّناً سيرة حياة الفنان عوض دوخي».

وأضاء الحسن، على أن مسيرة الروائي الكويتي طالب الرفاعي تزخر بإصدارات أدبية غنية ومتنوعة، حيث قدّم روايات عديدة ومتميزة، ويُحسب له حرصه المتجدد على تأكيد الهوية الكويتية الوطنية عبر إصدارات روائية تستند إلى الواقع، وتقدّم هذا الواقع بشكل روائي مشوّق وبصيغة روائية حديثة، خصوصاً أن أعماله تُرجمت إلى العديد من لغات العالم، من بينها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية والصينية والتركية والهندية.

«طريق إلى العالمية»

قال الحسن، «أكاد أكون متأكّداً بأن رواية (دوخي.. تقاسيم الصَبا) الصادرة عن دار ذات السلاسل، ستأخذ طريقها قريباً جداً إلى العالمية. كونها، أول عمل روائي يوثّق لحياة مطرب كويتي مثلما يوثّق لتراث دولة الكويت الموسيقي».