خيرالله خيرالله / أوباما بلع الإهانة... ماذا عن العسكر؟

1 يناير 1970 05:06 م
مرة أخرى، الحرب الأميركية- الإسرائيلية لن تقع بسبب الاستيطان وإصرار حكومة بيبي نتنياهو على ما يسميه مسؤول كبير في البيت الأبيض «إهانة» الولايات المتحدة. يؤكد ذلك، كلام الرئيس اوباما إلى شبكة «فوكس» قبل أيام وفيه إشارة إلى استعداده لبلع الإهانة الإسرائيلية، أقله في الوقت الراهن. لكن ذلك لا يعني أنه لن تحصل مواجهة، وإن غير مباشرة، بين الجانبين. ما يجعل المواجهة محتملة دخول عنصر جديد على خط العلاقة الأميركية- الإسرائيلية. هذا العنصر هو رأي القيادة العسكرية بما يدور بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتأثير ذلك على وضع القوات الأميركية وأمنها في الشرق الأوسط والمناطق المحيطة به والقريبة منه وصولاً إلى أفغانستان وباكستان. ليس من عادة القيادة العسكرية الأميركية التدخل في الشؤون السياسية أو اعطاء رأيها، خصوصاً إذا لم يطلب منها ذلك. لكن الجنرال ديفيد بتريوس قائد القيادة المركزية الأميركية، التي تشرف على حرب افغانستان والوضع في العراق، قال في شهادة له قبل أيام أمام إحدى لجان الكونغرس أن التوترات بين الإسرائيليين والفلسطينيين لها تأثير «بالغ» على القوات الأميركية العاملة في العالم الإسلامي، وأن الجيش يراقب كل التطورات عن كثب.

ما قد يكون أهمّ من الشهادة الأخيرة لبتريوس الاجتماع الذي عقده ضباط كبار يمثلون القيادة المركزية مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأدميرال مايكل مولن في البنتاغون. عقد الاجتماع في السادس عشر من يناير الماضي وقدم فيه الضباط عرضاً مدعوماً بخرائط وصور استمر خمساً وأربعين دقيقة ترك أثراً كبيراً لدى الأدميرال مولن. أبرز ما تضمنه العرض أن الجنرال بتريوس، الذي تحارب القوات التي في امرته على غير جبهة، بات «قلقاً» من غياب التقدم بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأن الزعماء العرب بدأوا يفقدون ثقتهم بالإدارة الأميركية، وأن الموقف المتصلب الذي تتخذه إسرائيل يشكل تهديداً لموقع أميركا في الشرق الأوسط. وذكرت مجلة «فورين بوليسي» التي أشارت إلى هذا الاجتماع المهم أن أحد كبار المسؤولين في البنتاغون لم يتردد في وصف إرسال المبعوث الرئاسي جورج ميتشل إلى الشرق الأوسط، بأن هذا التحرك مرتبط بشخص «عجوز وبطيء أكثر من اللزوم» وأنه جاء «متأخرا». لم يسبق لقائد للقيادة المركزية أن اتخذ مواقف سياسية من هذا النوع. ولذلك حرص الضباط الذين التقوا رئيس هيئة الأركان المشتركة على توضيح أن العرض المقدم هو نتيجة جولة لهم في عدد من بلدان الشرق الأوسط التقوا فيها مسؤولين كباراً بناء على توجيهات من بتريوس. وكانت حصيلة الجولة أن الرسالة التي تلقيناها، «أينما ذهبنا»، هي نفسها. تتلخص الرسالة بأن «أميركا لم تعد ضعيفة فحسب، بل ان هيبتها العسكرية تتآكل أيضاً».

سبق لعدد كبير من المسؤولين العرب أن حذروا الإدارة الأميركية السابقة والإدارة الحالية من مخاطر التصلب الإسرائيلي وترك السلام تحت رحمة المتطرفين، خصوصاً اليمين الأسرائيلي. كان الملك عبدالله الثاني في غاية الجرأة عندما ألقى خطاباً في مارس من العام 2007 أمام مجلسي الكونغرس تطرق فيه إلى العذابات التي مرّ فيها الشعب الفلسطيني، وإلى النتائج المأسوية التي ستترتب على غياب التسوية العادلة القائمة على خيار الدولتين. لم يرد أحد في واشنطن سماع صرخة العاهل الأردني الذي بدا وكأنه صوت في البرية. ذهب عدد من زعماء الكونغرس إلى حد انتقاد عبدالله الثاني بسسب وضعه كل اللوم على إسرائيل متفادياً أي إشارة إلى «حماس». الآن، بعد ثلاثة أعوام على الخطاب، لا يزال كل شيء يراوح مكانه. تبين بكل بساطة أن الحكومة الإسرائيلية لا تريد التفاوض في شأن مستقبل الضفة الغربية وانهاء الاحتلال رغم أن الشريك الفلسطيني موجود، وأن «حماس» عزلت نفسها بنفسها بعدما حصرت طموحها بالسيطرة على امارتها الطالبانية في غزة. والأهم من ذلك، يتبين أن الأميركيين في حال من الضياع لأسباب لا علاقة لها بالأيديولوجية كما كانت الحال مع إدارة بوش الابن، بمقدار ما إنها مرتبطة حالياً بنظرية تقول ان النيات الطيبة كافية لصنع سياسة. ربما يمتلك الرئيس اوباما كل النيات الطيبة في شأن كل ما له علاقة بالشرق الأوسط. ولكن يبدو أن عليه التعرف إلى المنطقة أوّلاً كي يكتشف أن آخر ما تحتاج إليه هو النيات الطيبة، وأن لا شيء ينفع مع تطرف إسرائيل والمتطرفين، من عرب وغير عرب، في الجانب الآخر، الذي يؤازرونها من حيث يدرون، سوى العصا الغليظة.

هل يحمل اوباما أخيراً العصا الغليظة ويرفعها في وجه التطرف أم يستمر عاجزاً عن القيام بأي مبادرة من أي نوع كان تجاه الشعب الفلسطيني، أقله لجهة تحديد مرجعية أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة؟ في كل الأحوال، ان ما حصل في الأسابع القليلة الماضية في واشنطن لا يمكن الاستخفاف به. للمرة الأولى، ترفع المؤسسة العسكرية صوتها. يترافق ذلك مع نشر المجلات والصحف الأميركية كلاماً من نوع أن هناك «لوبيات» كثيرة قوية في العاصمة الأميركية وهناك «لوبيات» لديها انتشار في كل أنحاء الولايات المتحدة، مثل ذلك اللوبي الذي يؤيد حق المواطن في امتلاك سلاح فردي، أو لوبي المحامين، ولوبي الأطباء، أو اللوبي الإسرائيلي الذي يمتلك تأثيراً كبيراً داخل الكونغرس. لكن اللوبي الأقوى يظل المؤسسة العسكرية التي خرجت أخيراً عن صمتها. لم يسبق للمؤسسة العسكرية، ممثلة بالقيادة المركزية، أن أرسلت فريقاً إلى البنتاغون ليشرح لرئيس هيئة الأركان المشتركة تفاصيل العلاقة بين التسوية في الشرق الأوسط، خصوصاً بين الفلسطينيين والإسرائيليين من جهة، وبين المخاطر التي يتعرض لها الجنود الأميركيون في العراق وأفغانستان وباكستان من جهة أخرى. كل ما أرادت المؤسسة العسكرية قوله ان العلاقة الأميركية بإسرائيل مهمة، لكنها ليست بأهمية حماية الجنود الأميركيين والمحافظة على أرواحهم.

انه عامل جديد لا يمكن تجاهله في سياق التطورات التي تشهدها العلاقات بين واشنطن وحكومة بيبي نتانياهو. لعلّ أفضل ما يفعله الفلسطينيون المحافظة على ضبط النفس، رغم من أن الهجمة التي تتعرض لها القدس كفيلة بجعل أي عربي يفقد أعصابه!



خيرالله خيرالله

كاتب لبناني مقيم في لندن