بوز أند كومباني
الأمن الغذائي: ما الخطوات المطلوبة؟
1 يناير 1970
07:25 م
أفاد نبيه مارون شريك في بوز أند كومباني بأن الاحتياج العالمي الى الأغذية بأسعار مقبولة يشكّل مشكلة أساسية في كل دول العالم. فتزايد القلق بشأن توفير الامدادات الغذائية ناتج عن الأسعار الباهظة للسلع والانخفاض في مستويات المخزون الاستراتيجي العالمي والتكلفة المتزايدة للمدخلات الزراعية، بالاضافة الى التنافس من جانب مصنعي الطاقة البديلة. وتتأثر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل خاص بهذه العناصر، نظراً لعدم وجود مساحات كافية من الأراضي الزراعية وندرة مياه الريّ.
وأوضح مارون «في بعض دول المنطقة، أدّى النقص في الأغذية الى اضطرابات في المجتمع، فيما أجبر ارتفاع أسعار المواد الغذائية بعض الحكومات على زيادة الدعم الغذائي، ما يساهم في تشكيل ضغط اضافي على ميزانيات الدول»، ونتيجة هذه العناصر، بدأت حكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتخاذ خطوات لاعداد سياسة شاملة للأمن الغذائي.
الأمن الغذائي: لماذا الآن، وما الخطوات المطلوبة؟
في العام 2008، مع ارتفاع أسعار النفط، ازداد طلب مصنّعي الطاقة البديلة على بعض المحاصيل، ما ساهم بدوره في زيادة أسعار الأغذية. وقد أطلق هذا الارتفاع المفاجئ والحادّ في الأسعار حملة من التظاهرات المدنية في بعض الدول، وباجهاد لمالية الحكومات نتيجة الارتفاع الهائل في أسعار المواد الاستراتيجية الغذائية في دول أخرى. بالاضافة الى ذلك، انّ المساحات الزراعية ووفرة الماء محدودة جداً في المنطقة حيث يسجّل عدد كبير من الدول مؤشرات منخفضة جداً مقارنة بمعايير الأمم المتحدة للفقر المائي. ويوضح جورج عطا الله، شريك في بوز أند كومباني: «بما أنّ زراعة بعض المحاصيل كالأرزّ تتطلب كميات كبيرة من الماء، قد يستعين عدد من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالواردات، ما يؤدي الى تعزيز تأثّرهم بأي خلل في السوق العالمي للمواد الغذائية الاستراتيجية».
وتنظر دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حالياً في استراتيجيات توريد بديلة كجزء من سياسة شاملة للأمن الغذائي. وعلى هذه السياسة أن تحدّد الأغذية الاستراتيجية أولاً قبل التركيز على العناصر الأربعة الأساسية: توفير الكميات المطلوبة، التأكد من كونها في متناول الجميع مادياً، البعد الغذائي، وصحة وسلامة المنتج الغذائي.
توفّر الأغذية: تقاطع بين الكمية والتوقيت والوصول الى الأغذية
انّ الكمية والتوقيت والنفاد عناصر رئيسية لضمان الأمن الغذائي. وتقوم دراسة بوز أند كومباني على تعزيز فعالية هذه العناصر الثلاثة: على السلع الاستراتيجية أن تكون متوافرة بالكميات المطلوبة، وفي الوقت المطلوب، وتكون بمتناول كل فئات المجتمع في جميع المناطق.
الكمية: توفير الأغذية المطلوبة
وقال مارون: «على صانعي السياسات أن يؤمنوا كميات كبيرة من الأغذية في البلد المعني من خلال مزيج من الانتاج المحلي والواردات. أمّا الخيار الثالث الجديد فهو التعاقد الزراعي الخارجي، حيث تتمتع الدول بالاستفادة من الأراضي الزراعية والموارد المائية واليد العاملة المتوافرة في بلد آخر بهدف زراعة محاصيلها الاستراتيجية واستيرادها».
الانتاج المحلي للأغذية: لتعزيز الانتاج المحلي للأغذية، يمكن لصانعي السياسات أن يزيدوا مساحة الأراضي المزروعة أو أن يستبدلوا مزيج المحاصيل بالمحاصيل الاستراتيجية، ويعزّزوا انتاجية الأراضي ومردودها من خلال الأبحاث، و/أو يدخلوا تحسينات تكنولوجية بيولوجية مثل الكائنات المحوّرة وراثياً GMOs.
الواردات الغذائية: تساهم الواردات في تلبية الحاجات الاستهلاكية عندما تتّسع الفجوة بين الطلب على الأغذية والتوريد المحلي. وتعتمد الأنظمة الاقتصادية المتحرّرة على القطاع الخاص لتأمين الواردات، فيما لا تزال منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعتمد على القطاعين العام والخاص في هذا المجال. كما أنّ الاعتماد على الواردات قد يفرض على الحكومات تأمين بنية تحتية فعالة لسلسلة الامدادات، كقدرات التفريغ في الموانئ، ومساحات التخزين الكافية.
التعاقد الزراعي الخارجي: عندما يكون خيار الانتاج المحلي غير ممكن وتكون الواردات متقلّبة وغير مستقرة، يبرز التعاقد الزراعي الخارجي كخيار جديد. وفي هذا الاطار، تعقد دولتان اتّفاقاً يخوّل احداهما الاستفادة من الأراضي الزراعية والموارد المائية والخبرة واليد العاملة المتوافرة في الدولة الأخرى. وأخيراً، بدأت حكومات مجلس التعاون الخليجي، الساعية الى ضمان الأمن الغذائي، تنظر في امكانية اعتماد التعاقد الزراعي الخارجي.
ولكن ليس من الواضح بعد ما اذا كان التعاقد الزراعي سيثبت فعاليته، نظراً الى أنّ بعض الدول قد تلغي صادراتها عندما تكون الامدادات محدودة. وفي هذا الاطار، قال عطا الله: «بهدف تأمين توفّر المحاصيل، على صانعي السياسات اعداد اتفاقات تجارية وتطوير علاقات متينة مع دول تتميّز بوفرة الموارد والاستقرار السياسي».
التوقيت: تأمين توفّر الأغذية
انّ تأمين الكميات الكافية من الأغذية عند الحاجة أمر حيوي. ولبلوغ هذا الهدف، يلجأ صانعو السياسات الى التخزين وتخفيض مدة التوريد لتسريع وتيرة التسليم.
التخزين: يشمل ذلك انشاء احتياطات استراتيجية كافية لمدة محددة من الاستهلاك المحلي. ويتطلّب التخزين تخطيطاً كافياً لتحديد حجم المخزون الضروري وطريقة الشراء وطرق الادارة الفعلية والتخزين وتوقيت اطلاق المخزون في السوق المحلي. ويتم تحديد كميات الاحتياطات الاستراتيجية بحسب المدة التي يتطلبها تسليم الشحنات وامكانية بروز اختلال في الامدادات.
تخفيض مدة التسليم: يمكن تخفيض مدة التسليم عند تنويع مصادر الامدادات، وعندما يكون هناك تفضيل واضح لتوريد المنتجات الغذائية من دول مجاورة.
الوصول هو القدرة على تسليم الأغذية في كل أرجاء البلد. ويتطلّب ذلك تقييماً لسلسلة الامدادات الخاصة بكلّ سلعة، بما في ذلك قدرة تحويل المنتج الى الحالة النهائية مثل تحويل القمح الى خبز، وقدرات وشبكات النقل ونقاط البيع، مع الأخذ بالاعتبار التركيز الديموغرافي في البلد.
انّ توفّر الأغذية بأسعار مقبولة هو العنصر الثاني في سياسة شاملة للأمن الغذائي. ويمكن للدول استخدام مجموعة واسعة من الأدوات للتأكد من أنّ السلع الاستراتيجية والمنتجات الغذائية متوافرة بأسعار مقبولة للسكان. ويعتمد تبنّي هذه الأدوات والتكاليف المرتبطة بها على سياسات الاقتصاد الكلي الخاصة بالدولة المعنية.
وبحسب عطا الله: «تدعم بعض الحكومات القطاع الزراعي لتوفير الحوافز من أجل انتاج سلع غذائية استراتيجية، فيما تدعم حكومات أخرى المنتج النهائي، ما يؤدي الى تخفيض العبء المالي على الفئات الفقيرة والضعيفة مادياً كالأطفال والأرامل وكبار السنّ».
وفي مصر، تهتم وزارة التضامن الاجتماعي بتأمين توافر السلع الاستراتيجية الأساسية بأسعار مقبولة، من خلال برنامجَين رئيسيَّين: دعم الخبز لكل المواطنين، بالاضافة الى دعم الأرزّ والسكر والزيوت والشاي من خلال بطاقات تموينيّة تُوزَّع على الفئات الأكثر فقراً.
وفي استطلاع حديث أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) مع المسؤولين الحكوميين الدوليين، أعرب معظم المشاركين عن تفضيلهم للتحكّم بالأسعار والدعم بهدف ضمان الأمن الغذائي. مع ذلك، وخلال تصميم أي سياسة دعم غذائي، هناك ثلاثة عناصر يجب أخذها بالاعتبار:
- الاستهداف: تحديد المجموعات الخاصة الواجب استهدافها من خلال الدعم مع الأخذ بالاعتبار مستويات الفقر والمجموعات الضعيفة على المستوى الاجتماعي.
- الشكل: تصميم الدعم بطريقة تساهم في تحقيق الأهداف المرغوبة، كدعم المنتج النهائي فقط بدل دعم كل سلسلة الامدادات.
- الفعالية: التأكّد من أنّ المنتج المدعوم يصل الى المستخدمين المستهدفين ويحقق الأهداف المنشودة.
وقال مارون: «في الوضع المثالي، على ديناميات السوق أن تحدّد الأسعار، فيما تعيد الحكومات تحضير القوانين الحالية التي لطالما سبّبت اختلالاً في الأسعار». وعلى الدول أن تلجأ الى مراقبة الأسعار في الحالات القصوى فقط، وبطريقة محدودة.
في أي دولة نامية، يعاني المواطنون من النقص في التغذية عندما لا يستهلكون الكمية الكافية من السعرات الحرارية، أو من سوء التغذية، عندما لا يستهلكون المزيج المناسب من النشويات والبروتينات والدهون، بحسب ما توصي به منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO). ويمكن للدول أن تصمّم برنامجاً لتثقيف المجتمع حول مخاطر النظام الغذائي غير المتوازن أو عدم استهلاك الكمية المطلوبة من السعرات الحرارية بحسب العمر والجنس. يمكن لوزارات الصحة والتربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا العمل معاً من أجل اعداد برامج تشجّع المواطنين على تحسين عاداتهم الغذائية. وبالاضافة الى ذلك، يمكن للحكومات النظر في امكانية اعداد برامج دعم تشجّع على استهلاك منتجات صحيّة.
الأمن الغذائي: الامتثال للمعايير الدولية
يشمل الأمن الغذائي معالجة الأغذية وتحضيرها وتخزينها للتأكد من أنها صحية وآمنة للاستهلاك. في العام 1963، أعدّت لجنة أسستها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) ومنظمة الصحة الدولية (WHO) هيئة الدستور الغذائي (Codex Alimentarius) - وهو عبارة عن مجموعة معايير ومبادئ توجيهية وممارسات ذات صلة بالأمن الغذائي. وتدير الوكالات المحلية المملوكة من الدولة الأغذية على أساس هذه المبادئ التوجيهية، بما في ذلك الهيئة العامة للغذاء والدواء في المملكة العربية السعودية وجهاز أبو ظبي للرقابة الغذائية.
وسيضطلع القطاع الخاص بدور مهم في الحفاظ على الأمن الغذائي نتيجة اشتراكه في سلسلة الامدادات الغذائية. وعلى صانعي السياسات اعداد مبادئ توجيهية للسلامة كي يتبعها القطاع الخاص. وأضاف عطا الله: «في الأزمات أو الحالات الطارئة الغذائية- كانتشار تلوث غذائي- يمكن للحكومة أن تتدخل لتأمين الامداد بالأغذية الآمنة».
مهام القطاعين العام والخاص
خلال تنفيذ سياسات الأمن الغذائي، يمكن لحكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اختيار التوازن المثالي بين مشاركة القطاعين العام والخاص. وتبرز فعالية استراتيجيات الأمن الغذائي حين يقتصر الدور الحكومي على المهام السياسية والرقابية. وتعتمد غالبية الدول على جهود القطاعين العام والخاص للحفاظ على توفّر السلع الغذائية الاستراتيجية.
مع ذلك، تقع على عاتق الحكومات مسؤولية القرارات الاستراتيجية في ما يتعلّق بكمية المخزون، واعداد حوافز أو سياسات لتمكين القطاع الخاص من تنمية امدادات السلع الغذائية أو استيرادها.
وقالت «بوز اند كومباني» «انّ تأمين الوصول الى السلع الغذائية الاستراتيجية الجاهزة للتسويق هو مصدر قلق كبير بالنسبة للحكومات». وقال عطا الله: «يمكن لحكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنفيذ سياسات للأمن الغذائي قادرة على تأمين توفّر السلع الاستراتيجية المغذية والآمنة للاستهلاك بأسعار مقبولة. ويمكن تحقيق هذه الأهداف من خلال عدد من التدابير التي تشمل حوافز واضحة للقطاع الخاص وبنية تحتية مرنة لسلسة الامدادات».
3 عناصر يجب أخذها بالاعتبار عند تصميم أي سياسة دعم غذائي
1 الاستهداف: تحديد المجموعات الخاصة الواجب استهدافها
2 الشكل: تصميم الدعم بطريقة تساهم في تحقيق الأهداف المرغوبة
3 الفعالية: التأكّد من أنّ المنتج المدعوم يصل إلى المستخدمين المستهدفين