دعوتهم العلنية بدأت العام 1017 وهدفت إلى توحيد السنة والشيعة
الدروز أقلية في بلاد الشام وفية لجذورها ... ولم تسع يوماً إلى دولة مستقلة
1 يناير 1970
06:27 م
|بيروت - من محمد بركات|
ينشغل الوسط السياسي في لبنان، وربما خارجه أيضاً بـ «حدث دائم» اسمه وليد جنبلاط الزعيم اللبناني الذي يحتل مكانة «مميزة» في التركيبة السياسية، والزعيم الدرزي الاقوى على الإطلاق في طائفته.
يقال الكثير عن جنبلاط، «البراغماتي» العائد الى سورية بعدما ناصبها العداء إثر اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، تماماً كما قصدها بعد اغتيال والده كمال جنبلاط قبل 33 عاماً من الآن.
جنبلاط، الذي ارتدى عباءة الحزب «التقدمي الاشتراكي» والطائفة بعد اغتيال «المعلم» كمال جنبلاط، كان ارتدى عباءة «انتفاضة الاستقلال» وقادها لحظة اغتيال حليفه رفيق الحريري في 14 فبراير 2005.
قبل مدة خرج جنبلاط من تحالف «14 مارس» وبدأ يشق طريقه إلى سورية، ولسان حاله الحاجة إلى الحفاظ على خصوصية الدروز وحمايتهم والعودة بهم الى جذورهم في نصرة العروبة والقضية الفلسطينية.
والذين يعرفون جنبلاط، الزعيم الذي يتمتع بـ «كاريزما» مميزة، يقولون انه عانى قلقاً عميقاً من أجواء الاحتقان الشيعي الدرزي في الأعوام الأربعة الماضية، خصوصاً بعدما حاول «حزب الله» في السابع من مايو 2008 اقتحام «الجبل الدرزي» إثر صراع سياسي حاد مع جنبلاط.
وغالباً ما صار يخشى جنبلاط، حليف زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري من دفع الدروز ثمن أي فتنة مذهبية شيعية - سنية تتطاير شظاياها من صراع الكبار في المنطقة وتجد لها في لبنان أرضاً خصبة.
لهذه الأسباب وسواها خرج جنبلاط من الاصطفافات الحادة أخيراً وقرر التمايز وبدا كأن شعاره «الدروز أولاً»، في موقف أعاد معه ترتيب أولوياته وإعادة النظر في تحالفاته وفي مساره السياسي.
ورغم أن «التحولات الجنبلاطية» أثارت الكثير من الغبار السياسي، فإن المسألة الأكثر إثارة كانت تسليط الضوء على «الدوافع الدرزية» لحركته فماذا تعني خصوصية «الطائفة الدرزية»، وما جذورها، ولماذا يقتصر وجودها على مثلث لبنان سورية وفلسطين؟ اسئلة خرجت إلى دائرة الضوء مع حركة جنبلاط الجديدة، وكلامه تارة عن خصوصية الطائفة وتارة أخرى عن كرامتها، وللإجابة عن هذه الاسئلة لابد من العودة إلى... التاريخ.
في العام 1017 للميلاد دعا «الحاكم بأمر الله» المنصور، ابن الخليفة الفاطمي الإمام العزيز بالله، أحد أحفاد الإمام علي بن أبي طالب، إلى قيام مذهب جديد في مصر، كان أحد أهدافه العلنية، بحسب كتابات المؤرخين، التخفيف من الاحتقان والخلاف السني - الشيعي الذي كان مستعراً انذاك.
من هنا، جاءت تسمية «الموحدين» التي ترمي إلى التوحيد بين السنّة والشيعة عبر اقتراح شكل جديد للعلاقة بين الإنسان والخالق.
لكنّ هذه الدعوة لم تنتشر وأدت إلى قيام مذهب ثالث، أقل فاعلية من المذهبين الأوّلين، وتعرّض المؤمنون به للاضطهاد والتعذيب والقتل أعواماً طويلة، قبل أن يندمجوا في نسيج المجتمعات التي توزعوا عليها. إلا أن هؤلاء ظلّوا متمسكين باستقلالهم الديني، إذ لا يمكن لأحد أن ينضمّ إليهم لأنّ الدعوة أغلقت مع اختفاء «الحاكم»، الذي قيل إنّه قتل أو مات، وأشاع مريدوه أنّه اختفى ليمتحن إيمان المؤمنين به، وسيعود إلى الظهور في الوقت المناسب.
ويعزو البعض حرص الدروز على عدم التزاوج مع أبناء المذاهب الأخرى الى حرصهم على «صفائهم» الديني وعددهم القليل، مع محاولة إخفاء عقيدتهم وإبقائها سرية. لكن الدكتور عباس صالح، الخبير في تاريخ الدروز، ومؤلف كتاب «تاريخ الموحدين الدروز في المشرق العربي»، يؤكد أنّ هذا القرار تم بناء على قاعدة «المعاملة بالمثل» مع الطوائف الأخرى التي كانت ترفض التزاوج مع الدروز.
والمنصور، الذي سمّي «الحاكم بأمر الله» بعد إطلاق دعوته في بدء الألفية الثانية، رمّم المساجد وشيّد أخرى وكان يستمع إلى شكاوى الناس، وقريباً من أهل الحساب والمنطق، ومهتماً بالمسائل الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية. وكان من أبرز قراراته عتق الرقيق. في اختصار كان مثقفاً من طراز رفيع، لا فلاحاً ولا تاجراً ولا مقاتلاً.
بدء الدعوة... وصولاً إلى لبنان
بدأت الدعوة العلنية في العام 1017 على يد ثلاثة من دعاة الإسماعيلية هم حمزة بن علي الزوزني، وهو فارسي ولد في مدينة زوزن في خراسان مساء يوم خميس، ولذلك يقيم الدروز صلاتهم الأسبوعية مساء كل خميس، والثاني هو محمد بن إسماعيل الدَّرَزي المعروف بـ «نشتكين الدرزي»، والثالث الحسن بن حيدرة الفرغاني المعروف بـ «الأخرم».
ويقول مصطفى غالب، الكاتب الإسماعيلي المعاصر، إنّ الزوزني هو المؤسس الرئيسي لمذهب الدروز، بعدما استطاع إبعاد منافسه اللدود الدرزي. وكان الزوزني وفد إلى مصر عام 1015 وانتظم في سلك رعاة الفرس، الذين كانوا يترددون إلى دار الحكمة لحضور مجالس الحكمة التأويلية، وما لبث أن أصبح ممثلاً لدعاة الفرس، وهمزة الوصل بينهم وبين الحاكم.
وكان حمزة وصل إلى مصر في العشرين من عمره، وتبع الحاكم وصار يلقب بـ «الفاطمي» بعد أن كان «الزوزني»، وبظهوره بدأت الدعوة التوحيدية علنا وبها بدأ تاريخ الدروز، عام 1017. وبدأ الصراع بين دعاة الدروز وأتباع المذهب السني في مصر.
وبعد تسلّم الخليفة علي الظاهر الخلافة، ادّعى الإمامة، فيما كان الإمام الحاكم قد سمّى أكبر الدعاة حمزة بن علي إماماً للموحّدين، واضعاً حدّاً نهائياً للسلسلة من الأئمّة المتحدّرين من نسل النبي (صلى الله عليه وسلم) من خلال ابنته فاطمة والإمام علي بن أبي طالب، ومعلناً للموحدين المسلمين بأن «العقل هو الإمام»، ملتزماً الشريعة ومنطلقاً بها إلى رحاب التوحيد الأوسع.
وبحسب الشيخ سامي أبي المنى، الأمين العام لمدارس العرفان التوحيدية، رئيس اللجنة الثقافية في «المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز»، فإنّ «الخليفة الظاهر أقام المحنة على الموحدين واضطهدهم لمدة قاربت سبعة أعوام، فيما صبر الموحدون واحتسبوا أجرهم على الله تعالى وثبت العديد منهم على عقيدتهم الإسلامية التوحيدية، خصوصاً في بلاد الشام، حيث عُرفوا «بالدروز» ربّما نسبةً الى أحد الدعاة الأوائل «نشتكين الدّرزي» الذي طُرد وقُتل في ما بعد على يد الإمام حمزة وأعوانه».
وسبب قتل «الدرزي» هو أنه «حاول استبدال حقيقة الدخول إلى عمق الإسلام وحقيقته بمقولة خروج الموحدين من الإسلام ونقضهم للدعائم الاسلامية وادّعاء الإمامة لنفسه، أما اسمهم الحقيقي الذي يفاخرون به فهو «الموحدون»، ويسمّون كذلك «بني معروف» نسبة إلى التصاقهم بالمعروف والخير والفضائل».
وذكرت مراجع أخرى أن «نشتكين الدرزي» جهر بالدعوة وكشف أسرارها عام 1016 فغضب عليه حمزة، وكاد يقتله في مصر فهرّبه الحاكم إلى الشام، وإلى وادي التيم في لبنان تحديداً، وهناك دعا إلى المذهب الجديد. وهكذا وصل الدروز إلى لبنان. لكن عباس صالح يقول إنّه لم يقتل بسبب «كشف أسرار الدعوة» بل لأنّه «شوّه الدعوة وتم التأكّد من أنه يزني وادّعى الإمامة».
وكان «نشتكين» قد أثار نقمة «الموحدين» لأنه أدخل التحريف والتشويه على رسائل حمزة بقصد التنفير والاستعداء، فتخلص منه حمزة ومن أصحابه معاً، وأعلن حمزة نبأ مقتلهم عام 1019.
وقد سمّي الموحدون «دروزاً» نسبة إلى «نشتكين»، الذي يكرهونه ويكرهون تسميتهم باسمه. لكنّ صيتهم ذاع على هذا النحو منذ مئات الأعوام، ولم يستطيعوا تغييره حتى الآن، في ظلّ دعوة عدد من المشايخ إلى تغييره رسمياً في دوائر الأحوال الشخصية.
من هذه الرواية التاريخية، يتبين أنّ من أسّس الدعوة التوحيدية فارسي، أي إيراني بلغة اليوم. وقد طرد «نشتكين الدرزي» إلى وادي التيم في لبنان، حيث ضمّ من صاروا أسلاف دروز لبنان اليوم.
الديانة... والعلاقة بالله
بحسب أبي المنى، فقد «كتب الكثير المُثير والمشوّه عن الموحدين الدروز، ومنها عبادتهم للحاكم بأمر الله، في حين انهم يعتبرونه آخر الأئمّة من سلالة آل البيت، ويقولون بعصمته ودوره المستمدّ من رسالة جدّه النبي (ص). لكنّ عبادتهم لا شرك فيها، وهي لله سبحانه وتعالى دون سواه، الذي يتجلّى لاهوته للبشر من خلال ناسوته المُعبّر عنه برسُله وأنبيائه ووحيه وأوليائه المعصومين الذين هم معلمو الناس ومرشدوهم إلى الصراط المستقيم».
ويضيف أن «الدين عند الله الإسلام، والقرآن هو كتاب الله المنزَل، ولا كتاب سواه، وإن كان الموحدين الدروز يقدّرون ويُجلّون الصحابي سلمان الفارسي ويعتقدون بدوره الأساسي إلى جانب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إلاّ أنهم لا يمكن أن يستبدلوا القرآن الكريم الذي هو وحيٌّ من الله، بأي كتاب مهما عظم تفسيره ومهما تضمّن من الشروح والحكم والأمثال والقصص. أما الإمام حمزة والتعاليم التي أوصى بها فهي مُتناقلة شفوياً بين الموحدين كدروسٍ في المسلك والتعليم، ويقتضي مبدأ التقيّة الذي اعتمده الموحّدون عدم الاستفاضة في شرح هذه الدروس والتعاليم لمن هم ليسوا أهلاً لها، ولا سيما أنهم قد اضطهدوا عبر التاريخ وأُسيءَ إليهم وهدّمت جوامعهم منذ مئات الأعوام بسبب التشويه الحاصل بحقّهم ومحاولة النيل منهم من أصحاب السلطة والدول الحاكمة في مراحل تاريخية عدة».
في العالم
الدروز موجودون حالياً في ثلاث مناطق أساسية ضمن بلاد الشام، هي سورية، لبنان، فلسطين، إضافة إلى عدد قليل في الأردن. العدد الإجمالي للدروز يقارب مليون نسمة، بحسب أبي المنى، «عدا عن المغتربين منهم من هذه البلدان والذين يُعَدُّون بمئات الألوف. أما «الموحدون» غير المعروفين باسم الدروز، فربّما يكونون في معظم الدول الإسلامية وغيرها، ويجمعهم مع الموحدين «الدروز» المسلك والفكر التوحيدي والعادات الاجتماعية القريبة في ما يتعلق بالزواج والعائلة والزهد والشرف والقيم الأخلاقية والاجتماعية. لكن التواصل غير موجود سوى مع المعروفين باسم الدروز في البلدان المذكورة والمغتربات».
و«المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز» تأسس في إطار تنظيم الطوائف في لبنان منذ أوائل الستينات من القرن الماضي، وانتخاب شيخ عقلٍ للطائفة كان تقليداً قديماً، علماً أنه كان يدعى شيخ العقال، أي شيخ مشايخ الموحدين المعروفين بالتقوى والفضل، والذين يُعتبرون المرجع الصالح للموحدين في الأمر والنهي والتفسير والقدوة الحسنة في المسلك.
أمّا دور المجلس المذهبي اليوم فينحصر في رعاية المؤسسات الدرزية، والاهتمام بشؤون الطائفة الثقافية والاجتماعية والوطنية والاغترابية والدينية، وبالأوقاف والممتلكات التابعة لها، وبتمثيل الطائفة والتواصل مع الطوائف الأخرى والمرجعيات الرسمية والدولية وسواها، ويترأسه شيخ العقل المنتخب قانوناً من قبل المجلس الذي انتُخب أعضاؤه بدورهم من فئات المجتمع الدرزي كافةً.
والموحّدون الدروز، بحسب أبي المنى، «متمسكون بروابطهم الاجتماعية وسلامة نسبهم وعائلاتهم، وأهميتهم تكمن في الحفاظ على هذه الأصالة وعلى تماسك المجتمع، ويأتي الزواج كعنصر أساسي في هذا التماسك، لذا لا يسمحون في محاكمهم الشرعية بالزواج من خارج الطائفة، أسوةً بطوائف أخرى، ويوجّهون أبناءهم للمحافظة على هذا التقليد، معتبرين أن العادات الاجتماعية والمسلك الديني من الضروري أخذهما في الاعتبار عند تكوين العائلة، التي يجب أن تقوم على الانسجام والمحبة والتفاهم، ولا يعني ذلك كرهاً للآخرين أو احتقاراً لهم، بقدر ما يعني حفاظاً على البيئة الاجتماعية والنفسية وتقوية لعناصر التماسك والترابط الاجتماعي والانسجام العائلي».
ونسأل أبي المنى عن زواج تيمور وليد جنبلاط من ديانا زعيتر الشيعية، فيقول: «لم يكن الأول ولن يكون الأخير في الزواج من خارج الطائفة، ونحن لا نعارض التقارب مع الطوائف الأخرى، خصوصاً إذا رأى بعض الزعماء أو أبنائهم أن الزواج أمرٌ شخصي، إلاّ أننا لا نتخلّى عن دعوتنا الجميع الى عدم التساهل في هذا الأمر وعدم أخذ بعض الحالات الخاصة، كحالة تيمور، كمبدأ وقدوة، فهو يبقى له اعتباراته الخاصة، كما لسواه من أبناء الطائفة، ولكن لا يمكن تعميم المبدأ».
في سورية
العدد الأكبر من الدروز موجود في سورية، حيث يقارب الـ 400 ألف، ويقول عباس صالح إن عددهم يفوق الـ 500 ألف، يتوزعون على جبل حوران المعروف حالياً بجبل العرب، وجبل السماق، والجبل الأعلى في حلب، وقرى قنسرين وغوطة دمشق والسويداء والجولان. لكنّهم لا يتمتعون بأيّ دور سياسي. ورغم وجود نواب دروز في مجلس الشعب السوري، فأنهم يعتبرون نواباً عاديين لأنّ الدولة السورية دولة علمانية. وبحسب أبي المنى «يقتصر دور شيخ العقل في سورية على رعاية العلاقة بين الناس وتوجيههم، ولا علاقة رسمية بين شيخ العقل في لبنان ومشايخ العقل الثلاثة في سورية، الذين يمثّلون العائلات الدرزية الأساسية في جبل العرب (جبل الدروز)، سوى علاقة تواصل وتبادل الخبرة والنُّصح».
لكن صالح يعتبر أنّ دورهم موجود مثل بقية فئات المجتمع السوري، الممثلة في مجلس الشعب، «إلا أن القدرة على التأثير معدومة كما قدرات بقية مكونات الشعب السوري».
في لبنان
أما في لبنان فيتوزّع الدروز على جبال الشوف وعاليه والمتن، ولهم وجود محدود في بيروت، كما لهم بلدات ذات تاريخ عريق في سيرتهم التاريخية، مثل عبيه والشويفات وبعقلين.
وهناك قرى كانت درزية في الماضي مثل دار القمر المعروفة بدير القمر، والتي كانت بلدتهم الرئيسية في القرن التاسع عشر وكانت ايضاً عاصمة الأمراء المعنيين.
لكنّ الثقل السياسي للدروز ينحصر في الشوف وعاليه، حيث الصوت الدرزي هو الذي يرجّح كفة النواب السنة والدروز والمسيحيين.
أما في بيروت فللدروز نائب واحد يصل إلى البرلمان ضمن لائحة سعد الحريري، وكذلك في البقاع الغربي وراشيا. وبذلك يصبح عدد النواب الدروز في برلمان لبنان 8. لكنّ عدد نواب جنبلاط كان 16 في المجلس السابق، وانحصر إلى 11 في هذا المجلس.
كذلك فإن الدروز موجودون في فلسطين، وتحديداً في الجليل وجبل الكرمل وطبرية. وهناك أقلية درزية في الأردن، في منطقة الأزرق وعمان والزرقاء. لكنّهم في البلدين لا يتمتعون بوجود سياسي حقيقي.
وفي فلسطين يفرض الاحتلال الاسرائيلي حال من عدم تواصل وتلاقٍ مع مشايخ لبنان، إلاّ عبر بعضُ رسائل الاطمئنان والمودّة وترسيخ الإيمان الصحيح في النفوس.
الإمارة الدرزية مجدداً؟
والسؤال: هل يحلم الدروز بإمارة مستقلة كما يتهمهم البعض أحيانا أم أن في عقيدتهم ما يدفع إلى الانخراط في المجتمعات التي يعيشون فيها؟ يجيب أبي المنى: «لا يحلم الموحدون الدروز سوى بالاستقرار وبسلامة المجتمع الذي يعيشون فيه، ولم تتمكن قوّة في التاريخ من جعلهم يفكّرون بدولة درزية مستقلّة، كما حاولت إسرائيل عند قيامها الإيحاء بذلك، ضمن دويلات طائفية خطّطت لإقامتها في المنطقة. فالقادة الدروز عبر التاريخ كان همهم الأكبر استقلال أوطانهم والدفاع عن الثغور الإسلامية والعربية منذ القرن الثامن وما قبله، وما يعزّز هذا المنطق ما قام به الأمير فخر الدين المعني في نهاية القرن السادس عشر وبداية السابع عشر، من محاولة لاستقلال لبنان بجميع طوائفه عن السلطنة العثمانية وليس استقلال الدروز أنفسهم، وما قام به سلطان باشا الأطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي عام 1925 وما قام به الزعيم كمال جنبلاط من دعم للقضية الفلسطينية ومحاربة للأحلاف الأجنبية المُعادية للقضية العربية، وسوى ذلك من مواقف ومحطات، ليس آخرها موقف الموحدين الدروز وقائدهم وليد جنبلاط في تأكيده هذه الثوابت ودعوته الى إعادة بناء لبنان على هذه الأسس، أسس العروبة والانفتاح والعلاقات السليمة مع كل الطوائف والمكوّنات والالتصاق في الوقت نفسه بقضايا الأمّة».
أدوار تاريخية
ويذكّر أبي المنى بأنّ الدروز شاركوا في المعارك التي خاضها المسلمون والعرب ضد الغزاة، لا سيما في المشرق العربي. فقد حاربوا الصليبيين مع صلاح الدين الأيوبي، وحاربوا التتار مع الظاهر بيبرس وكانوا من المرابطين على الثغور البحرية الشامية.
وفي عهد الدولة العثمانية تولى أمراء الدروز الحكم الذاتي في جبل لبنان عبر الأمراء المعنيين من العام 1516 حتى العام 1697 ومن بعدهم عبر الأمراء الشهابيين من العام 1697 حتى العام 1841 وكان أبرز قادتهم الأمير فخر الدين المعني الثاني (1635 1572). لكن حكمهم الذاتي انتهى عام 1840 بعد الثورة المسيحية في الجبل ضد الإقطاع الدرزي.
ومع الوقت تحول مركز الثقل السياسي للدروز إلى جبل الدروز في سورية. وبرز الدروز السوريون، واللبنانيون استطراداً، في بداية القرن العشرين، خلال الانتداب الفرنسي على سورية، بعد اندلاع الثورة العربية ضد الفرنسيين، التي قادها الأطرش.
وهنا يؤكد صالح أنّ «الدروز كانوا أكثر من قدّم الشهداء في هذه الثورة، ووصل عددهم إلى أكثر من ستة آلاف، تماما كما قاوم كثيرون إسرائيل». ويضيف: «الدروز كانوا وقود هذه الثورة ولذلك كان الأطرش قائدها، وهذا باعتراف المؤرّخين السوريين السنة، ومنهم ظافر القاسمي في كتابه «وثائق جديدة عن الثورة السورية الكبرى».
أما الدور الأكبر في التاريخ الحديث للدروز فكان في لبنان، وتحديداً عبر الوقوف إلى جانب الثورة الفلسطينية بقيادة كمال جنبلاط في الستينات والسبعينات، ثم عبر الحركة الوطنية ضد المشروع المتحالف مع الغرب وإسرائيل في الثمانينات، ومع السوريين في التسعينات، قبل أن يكونوا في مقدم «انتفاضة الاستقلال» العام 2005 التي أدت إلى خروج الجيش السوري من لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وها الدروز يعودون إلى واجهة الأحداث مع اعلان جنبلاط قبل مدة تمايزه عن حلفائه في قوى «14 مارس» وعودته إلى سورية انطلاقاً من قراءة جديدة للمتغيرات الاقليمية والدولية. وسيعودون إلى الواجهة أكثر مع تركيز الضوء على ملف المفاوضات السورية - الإسرائيلية والمساعي السورية لاستعادة الجولان الدرزي.
التقمّص والتناسخ
يؤمن الدروز بتقمص الأرواح ويعتبرونه مبدأ أساسياً في عقيدتهم، أي أن الشخص عندما يموت تتقمص روحه في مولود جديد. فروح الرجل تتقمص طفلاً ذكرا وروح المرأة تتقمص طفلاً أنثى، ويعتبرون هذه الحالة وسيلة لوصول كل روح إلى درزي، ويتحقق بذلك المجتمع التوحيدي، إذ يعتقدون بمحدودية عدد الأرواح.
ويعتبرون أن الثواب والعقاب يكون بانتقال الروح من جسد صاحبها إلى جسد أسعد أو أشقى. من هنا يستند الدروز في الإيمان إلى أن الجسد هو الذي يموت بينما النفس تبقى خالدة.
منع الملوخية وأكل العنب
يؤخذ على «الحاكم بأمر الله» قراراته الغريبة مثل منع أكل الملوخية، ومنع غرس العنب، وتخريب الكروم، وحجر النساء في البيوت سبعة أعوام، ولبس الأسود سبعة أعوام أيضاً. ويقال إن لكل من تلك التصرفات مغزى وحكمة. فقد تسلم الخلافة والفساد يعم البلاد والأمراض والأوبئة منتشرة. وقد علم من الأطباء أن سبب الأوبئة هو طعام المصريين المعتمد على الملوخية فحرمها فترة من الزمن ثم أبطل ذلك بعد ذهاب الوباء. أما قلع العنب فسببه أن مصر كانت شهيرة بالخمور فأمر بقلع كل غرسة عنب فيها وأيد ذلك بسجل يمنع شرب الخمر. وكان يقصد من حجر النساء منع الفسق الذي كان مستشرياً. أما ارتداؤه الأسود فيعني أنه كان في حداد دائم على مصير الموحدين في المحنة التي ستقع بعد غيابه.
نشأة المذهب تاريخياً
الموحدون «الدروز» أتباع مذهبٍ إسلاميٍّ نشأ في ظلِّ الدولة الفاطمية في مصر، حيث نما في الدوحة الإسلامية الواسعة وترعرع في ظل الإمامة الشيعية ثم الاسماعيلية إلى أن تبلور وظهر في مصر الفاطمية أيام الإمام الحاكم بأمر الله، بعد أن كان قد مُهِّد له في عهود الخلفاء الأيمّة من القائم بأمر الله إلى المعز إلى العزيز ثم الحاكم، وفي هذا الوقت كانت قد توسّعت الدولة وعزّزت دور العلم والحكمة في الأزهر الشريف وفي دار الحكمة التي كان لها الفضلُ الكبير في تطور الفكر الديني والعلوم الدينية والشروحات والتفسيرات، فتأثر المذهب بالعلوم الإسلامية والفلسفات اليونانية وغيرها وبالمنطق كما تأثر بالمسالك العرفانية وأفكار المتصوّفة وتجاربهم الراقية، فجاء مزيجاً من كل ذلك أو نتيجة طبيعية لهذا التلاقح الفكري والاختيار الإنساني.
وهدفت دعوتهم إلى الارتقاء بالمسلك الديني إلى مستوى المعرفة والتحقُّق، بحيث لا تكون الفرائض الإسلامية الدينية ولا تكون العبادة مجرَّد طقوسٍ وتكاليف بعيدة عن حقيقتها وعن الغاية من ممارستها، والغاية بحسب مسلك التوحيد هذا، تتعلق بمعرفة النفس ومعرفة الخالق تعالى، معرفة النفس بالذلّ والعبودية ومعرفة الخالق بالعظمة والربوبية، وتتعلق بالغاية من الوجود وباعتبار الإنسان أشرف ما في هذا الوجود، وعليه تقع مسؤولية تحقيق إنسانيته التي لا يمكن أن تتحقق إلاّ بالمعرفة الحقّة والمسلك الشريف والسعي الدائم للارتقاء والمسافرة في سلَّم المعرفة والتعاليم، وهذا لا يعني لدى الموحدين الدروز خروجاً عن الاسلام وفرائضه، بل دخولاً إلى عمق الاسلام والفرائض، التزاماً بظاهرها ومعرفةً لمعناها وإدراكاً لحقيقتها.< p>< p>