سيكولوجية المتقاضين والطرق البديلة لتسوية النزاعات

4 نوفمبر 2024 10:00 م

في معترك الحياة اليومية، وصراع البقاء الذي يعيشه الناس بحثاً عن حياة أفضل تتلاقى فيها المصالح تارة، وتطحن تروسها العلاقات الإنسانية تارة أخرى، يجد الإنسان نفسه مضطراً للجوء إلى المحاكم، بعيداً عن الأصل الذي يعيشه في هدوء وسلام، أو في تفاوض ينهي النزاع. عند نقطة اللاعودة المتمثلة في اختيار التقاضي على التفاوض والصلح وغيرها، فإن المتقاضي، سواء بادر من نفسه لاقتضاء حقه عبر المحاكم، أو كان طرفاً مدافعاً عن مركزه، فإن الأمر لا يتعلق بدعوى أو اتهام وجلسات تداول وانتظار صدور الأحكام وحسب، بل هناك حالة نفسية يعيشها المتقاضون في كل ساعة من ساعات رحلة المحاكم الطويلة، ويمكنك استشعار ذلك من حالة التوتر والقلق التي تصاحب حضورهم للمحاكم، وحديثهم العابر مع الغرباء في ردهات الانتظار، وفي تشنجهم أثناء التعامل مع الخصم أو الوكيل، وفي تقبلهم للأحكام أو رفضهم لمنطقها في غالب الأحيان.

لفهم هذه الحالة المتشعبة، يجب أولاً فهم الحالات التي توجب اللجوء إلى المحاكم، ذلك أن اللجوء لطلب معونة الدولة في اقتضاء الحقوق هو آخر الخيارات المطروحة. نقول ذلك، لأن الأصل هو أن يقتضي الإنسان من نفسه للناس حقوقها، وأن المعيار القانوني الذي اتخذه القانون معياراً عادلاً، هو معيار حسن النية أو ما يعرف بـ«معيار الرجل العادي»، وهي معايير رومانية ويونانية قديمة، تشير فلسفتها إلى أن سلب الحقوق والتعدي عليها هي أفعال مخالفة للنظام الاجتماعي الذي يسترشد دائماً بصحة المعاملات وسلامتها وحسنها.

كما أن مؤشر أعداد القضايا المنظورة أمام المحاكم، بازدياد دلالته في إحصائيات وزارة العدل، يشير إلى أن السواد الأعظم من الخلافات يتجه نحو المحاكم مباشرة، دون المرور بأي محطة للتسوية الاجتماعية، وفقاً للأساليب الشعبية الدارجة.

التفاوض وحل النزاعات

حل النزاعات الناجح، يعتمد على التركيز على المصالح المشتركة، عِوضاً عن المواقف المتضاربة، ويتطلب ذلك النظر إلى ما يحتاجه كل طرف عِوضَ الوقوف على المواقف الصارمة. على سبيل المثال، يمكن للطرفين التفاوض على أساس الفوائد المتبادلة وتقديم تنازلات معقولة، من خلال التواصل الصريح والاحترام المتبادل.

تطبيق هذا النوع من التفاوض، ممكن في السياقات المجتمعية والعائلية والتجارية، فهو يسهم في تجنب التصعيد ويتيح لكل طرف الشعور بأن احتياجاته مسموعة ومفهومة، وبالتالي يعزّز الرضا ويقلّل الحاجة إلى الإجراءات القانونية المعقدة.

الوساطة... حل بديل

تلعب الوساطة دوراً فعالاً في حل النزاعات بطريقة ودية وسريعة، ويلعب طرف ثالث محايد دور الوسيط الذي يساعد الأطراف على التواصل بشكل أفضل ويشجعهم على استكشاف حلول توافقية.

ويمكن للوسيط أن يساعد في توضيح النقاط المشتركة بين الأطراف، وتقديم اقتراحات عملية قد تحقق توازناً في احتياجات الجميع.

في السياقات الاجتماعية، يمكن للوساطة أن تكون وسيلة قيمة لحل النزاعات الأسرية أو المجتمعية، حيث تتيح للأفراد فرصة الاستماع لبعضهم بعضا ضمن بيئة آمنة ومنظمة، كما تسهم في بناء جسور من الثقة والتفاهم، وهو ما يعزز السلم المجتمعي ويقلل التوترات.

نزاعات بيئة العمل

تُقدَّم إستراتيجيات لحل النزاعات في مكان العمل، باستخدام التفاهم والتعاون، يمكن أن تحوّل الصراعات الشائكة، مكان العمل إلى بيئة سلبية، لذا يتم تشجيع الموظفين على التواصل المفتوح وبناء علاقات إيجابية لحل النزاعات بسرعة.

يمكن تطبيق هذه الأساليب أيضاً في المحيط الاجتماعي، ذلك أن تعزيز ثقافة الحوار الفعّال بين الأفراد، يقلل النزاعات ويمنع تصعيدها، كما أن الحلول التفاوضية تخلق بيئة إيجابية تعزز التفاهم والوئام الوظيفي، وتجعل بيئة العمل جاذبة ومريحة.

ثقافة الصلح الشعبي

كيف يمكن للمجتمعات استخدام الأساليب الشعبية والتقليدية لحل النزاعات؟

لكل مجتمع محلي كباره، الذين يمتلكون، في كثير من الأحيان، قدرةً على تسوية النزاعات بطرق تسهم في الحفاظ على التوازن الاجتماعي وتعزز الثقة، ومن أمثلتها الجاهية والفصل العشائري وثقافة كفيل الوفاء، وكفيل الدفا، الذي يضمن الالتزام بالتسوية وعدم التعرض.

عند تعزيز هذه الثقافة الشعبية، يمكن للمجتمعات تجنب النزاعات القانونية وتحقيق الصلح من خلال المشاركة الجماعية، ويقوّي هذا النهج الروابط الاجتماعية ويحافظ على القيم المحلية التي تعزز التفاهم والوحدة.

ومن حيث الأثر الاجتماعي لتبني الحلول البديلة، فإنها تسهم في بناء علاقات مستدامة بين الأطراف، وتحقق نتائج مرضية للطرفين، حيث يمكن أن يؤدي التفاهم والتحكيم والوساطة، إلى بناء مجتمع أكثر تعاطفاً واستقراراً، تُحلّ فيه النزاعات بشكل فعّال وبتكلفة أقل.

إن تبني هذه الأساليب البديلة، قبل اللجوء الفوري إلى المحاكم، له تأثير كبير على تحسين البيئة الاجتماعية، فعندما يتمكن الأفراد من حل خلافاتهم بشكل ودي وعادل، يتعزز لديهم الشعور بالثقة في أنفسهم وفي بعضهم بعضا، ما يؤدي إلى تقليل الصراعات وتسهيل سبل العيش المشترك.

يمكن القول إن التسوية خارج المحاكم ليست مجرد وسيلة لتجنب الإجراءات القانونية، بل خطوة نحو بناء مجتمع أكثر تسامحاً وتفهماً، حيث يتم التركيز على المصالح المشتركة وحل النزاعات بطرق تتسم بالعقلانية والاحترام المتبادل.

هامش

الدعوة لمخالفة القانون أو عدم الانصياع له حالة مختلفة عن بث الأخبار الكاذبة، ذلك لأن الخبر صحيحاً كان أم خطأً يبقى إطاراً لتداول المعلومات، أما الدعوة لمخالفة القانون أو عدم الانصياع لأوامره ونواهيه فهي حالة من اللاسلطوية، أو «الأناركية»، التي أفردت لها بعض القوانين المقارنة نصوصاً خاصة.