تجارب خليجية مُتقدّمة في الإمارات وقطر يُمكن البناء عليها لخلق بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي

تنظيم قضائي فعّال... للنهوض بالمنطقة الاقتصادية الشمالية

3 أكتوبر 2024 10:00 م

- الإمارات وقطر أدركتا مدى الحاجة لأنظمة قضائية فعّالة لجذب الاستثمار الأجنبي وتنويع الاقتصاد
- 60 في المئة من قضايا مركز دبي المالي العالمي كانت لمتقاضين دوليين
- 42 في المئة من عيّنة استبيان متخصص وضعت محاكم «مركز دبي» الأفضل قضائياً في حل النزاعات
- 57 في المئة من العيّنة وضعت قانون المركز ثاني قانون مفضل بعد «الإنكليزي»
- محكمة قطر الدولية مستقلة عن المحاكم الوطنية التقليدية... وموازية لها
- المعرفة بالنظام القانوني من بين أسباب اختيار المركز محكمة مختصة لتسوية المنازعات

بصدور المرسوم 240 / 2012 الخاص بإنشاء جهاز تطوير مدينة الحرير (الصبية) وجزيرة بوبيان، دخلت الكويت مرحلة جديدة من مراحل سعيها لتنويع مصادر دخلها، بعيداً عن الاعتماد على النفط كمصدر وحيد.

ووفقاً لمشروع قانون إنشاء المنطقة الاقتصادية الشمالية، المنشور في 2019، فقد قُضي بأن تنشأ منطقة اقتصادية تسمى «المنطقة الاقتصادية الشمالية»، وتهدف إلى تحقيق تنمية شاملة مستدامة على المساحة المخصصة لها، وتعظيم الاستفادة من موقعها الجغرافي، وجذب الاستثمارات الصناعية والتجارية والخدمية والسياحية والأنشطة المالية، وغيرها من الأنشطة القادرة على المنافسة مع مثيلاتها في العالم، وزيادة حصة الدولة في التجارة العالمية، ودعم الاستقرار الاقتصادي من خلال التنوع الاقتصادي والربط الإقليمي، والمساهمة في تنوع الصادرات غير النفطية باعتبارها إحدى ركائز الإصلاح الاقتصادي، واستقطاب الاستثمارات الإقليمية والدولية.

وبطبيعة الحال، فإن تطبيق فكرة إنشاء المنطقة الاقتصادية الشمالية، يستلزم الاهتمام بتفاصيل كثيرة، يأتي على رأسها التنظيم القضائي للمنطقة، ولذلك نص المشروع على أن يستمر العمل بقوانين الدولة المنظمة للتقاضي، إلى أن يصدر قانون خاص ينظم التقاضي في المنطقة الاقتصادية، بما يتوافق مع أنظمة التقاضي المعمول بها في المناطق الاقتصادية المماثلة.

وعلى هذا الأساس، يُثار السؤال حول ماهية أنظمة التقاضي المعمول بها في المناطق الاقتصادية المماثلة؟

ولوضع الفكرة في سياقات إمكانية التطبيق، نستعرض هنا أهم المزايا التي تتمتع بها مثل هذه الأنظمة الموجودة بالجوار في دول مجلس التعاون الخليجي، وتحديداً في الإمارات العربية المتحدة (دبي، أبوظبي) وقطر، آملين أن تكون هذه التجارب وما تحتويه من مزايا مستحدثة، سنأتي على تفصيلها، نقطة انطلاق للتنظيم القضائي في المنطقة الاقتصادية الشمالية، من أجل خلق بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي.

مزايا بالجوار

أدركت الإمارات وقطر، حين وضعتا خططهما للتنمية الاقتصادية، العقبات القائمة والحاجة إلى أنظمة قضائية فعّالة وحديثة، لتسوية المنازعات وجذب الاستثمار الأجنبي، وتنويع اقتصاداتها.

واستجابة لهذه التحديات، أدخلت الإمارات وقطر ولايات قضائية مستقلة جديدة، كجزء من رؤيتها الاقتصادية، لتسهيل التقاضي عبر الحدود وجذب المتقاضين، وهي: محكمة مركز دبي المالي العالمي (DIFC Court)، وهي هيئة قضائية ضمن مركز دبي المالي العالمي (DIFC)، ومحكمة سوق أبوظبي العالمي (ADGM Court)، وهي هيئة قضائية داخل سوق أبوظبي العالمي (ADGM)، والمحكمة المدنية والتجارية لمركز قطر للمال -محكمة قطر الدولية- (QICDRC).

كفاءة وجاذبية

تشترك المحاكم الثلاث في عدد من المزايا الرئيسية التي تعكس كفاءتها وجاذبيتها للمستثمر الأجنبي، مع الاحتفاظ ببعض التفاصيل المختلفة، أهم هذه المزايا: استقلال المحاكم، النظام القانوني الانجلوسكسوني، استخدام اللغة الإنكليزية، والقضاة الدوليين، والتقاضي السريع بتكاليف أقل، وحق الاستعانة بالمحامين الأجانب.

إن محاكم مركز دبي المالي العالمي، ومحكمة قطر الدولية، ومحاكم سوق أبوظبي العالمي جميعها مستقلة عن المحاكم الوطنية التقليدية ولكنها موازية لها. تعتمد جميع هذه المحاكم على قواعد النظام القانوني الانجلوسكسوني، حيث تعتبر هذه القواعد مألوفة أكثر للمستثمرين والمحامي من قواعد نظام القانون اللاتيني التي تعتمدها المحاكم التقليدية في دول الخليج، وتستجيب للاحتياجات التجارية الحديثة.

ومن السمات المهمة للمتقاضين؛ نظام السوابق القضائية الذي يجعل نتيجة النزاع أكثر قابلية للتنبؤ بها.

القانون الإنكليزي

يعتمد الإطار القانوني لمحاكم مركز دبي المالي العالمي بشكل أساسي، على نظام القانون الانجلوسكسوني، خصوصاً قواعد المحكمة التجارية الإنكليزية، نتيجة للدور الذي لعبه المحامون الإنكليز في وضع قواعد محاكم مركز دبي المالي العالمي.

وبخصوص النظام القضائي في محاكم سوق أبوظبي العالمي، فقد تم تشكيله على غرار النظام القضائي الإنكليزي أيضا، ذلك أن لوائح وقواعد محاكم هذا السوق مستوحاة من القوانين الانكليزية سواء لجهة السوابق القضائية أو القوانين الأساسية الصادرة من البرلمان، إضافة إلى بعض القوانين الأسكتلندية والفيدرالية الأسترالية.

وأكثر مايميز محاكم سوق أبوظبي العالمي، التطبيق المباشر للقانون الإنكليزي، وميزت قواعد محاكم هذا السوق، بين تطبيق السوابق القضائية في القانون الانكليزي والقانون الأساسي الإنكليزي الصادر من البرلمان.

وتنطبق السوابق القضائية مباشرة في سوق أبوظبي العالمي، كما لو كانت جزءاً من قانون هذا السوق، «كما هو الحال من وقت لآخر»، ما يعني أن التطبيق سيتضمن تلقائياً أي تحديث يطرأ على السوابق القضائية للقانون الإنكليزي.

في المقابل، فإن أي تعديل أو إلغاء مستقبلي يطرأ على القانون الصادر من البرلمان لا يكون قابلاً للتنفيذ في سوق أبوظبي العالمي، ما لم ينص عليه صراحةً بتشريع صادر من السوق.

أما في قطر، فقد تم استخدام المحكمة التجارية الانكليزية في لندن، كنموذج لإنشاء محكمة قطر الدولية.

واستكمالاً للمحاكم التقليدية الناطقة باللغة العربية، تتم جميع مراحل إجراءات محاكم مركز دبي المالي العالمي ومحاكم سوق أبوظبي العالمي باللغة الإنكليزية، مما يجعلها أكثر ملاءمة للمستثمرين والمحامين الأجانب، حيث يتم تجنب عبء الترجمة إلى اللغة العربية.

وفي محكمة قطر الدولية، تتم إجراءات التقاضي بالإنكليزية، وهي اللغة المشتركة للقضاة، ومع ذلك، وعلى عكس محاكم مركز دبي المالي العالمي ومحاكم سوق أبوظبي العالمي، يمكن للأطراف أن يختاروا التقاضي بالعربية لأنها اللغة الرسمية للدولة.

مفاضلة قضائية

من ناحية نظرية، تضع المزايا العديدة التي تتمتع بها هذه المحاكم، في وضع أفضل من المحاكم الوطنية العادية، ومن ناحية عملية، هناك بعض الأدلة على أن هذه الميزات جذابة بالفعل للمتقاضين الدوليين والمستثمرين الأجانب. وعلى سبيل المثال، نجح مركز دبي المالي العالمي في جذب المتقاضين الدوليين إلى نطاق اختصاصه في أكثر من 60 في المئة من قضايا محكمة المركز الابتدائية، اختصاص المحكمة بنظر النزاع كان بناءً على اتفاقية اختيار الأطراف للمحكمة.

علاوة على ذلك، وفق استبيان أجرته أكاديمية مركز دبي المالي العالمي للقانون، حول أكثر القوانين والولايات القضائية تفضيلا في المعاملات العابرة للحدود في الشرق الأوسط عام 2016، تبيّن أن محاكم مركز دبي المالي العالمي تعتبر الولاية القضائية الأكثر تفضيلاً لحل النزاعات في الشرق الأوسط من قبل 42 في المئة من المشاركين (122 محامياً في مجال القانون التجاري في الشرق الأوسط).

وكشف الاستبيان عن أن قانون مركز دبي المالي العالمي كان ثاني قانون مفضل بعد القانون الإنكليزي وأن 57 في المئة من المشاركين استخدموا شرط الاختصاص القضائي للمركز.

كما أوضح الاستبيان أن المعرفة بالنظام القانوني واليقين بالقانون، من بين الأسباب الأكثر أهمية لاختيار مركز دبي المالي العالمي محكمة مختصة لتسوية المنازعات وقانون المركز كقانون واجب التطبيق، وهذا دليل على أن المتقاضين الدوليين يفضلون نظام القانون الانجلوسكسوني على نظام القانون اللاتيني.

قضاة بخبرة دولية

الكادر القضائي في محاكم مركز دبي المالي العالمي، ومحاكم سوق أبوظبي العالمي، ومحكمة قطر الدولية، يتكون من قضاة ذوي خبرة دولية، يأتون من مجموعة متنوعة من الأنظمة القضائية للقانون الانجلوسكسوني والقانون اللاتيني، مثل الإمارات والكويت والمملكة المتحدة وألمانيا والهند وجنوب أفريقيا وماليزيا وسنغافورة وأستراليا وهونغ كونغ ونيوزيلندا.

حق التقاضي عن بُعد

تعمل جميع هذه المحاكم على الترويج لخدماتها، باعتبارها صديقة لبيئة الأعمال، من خلال كفاءتها وسرعتها وتوفير التكاليف، وجميعها تستخدم التقنيات الحديثة والتكنولوجيا التي تعمل على تسريع التقاضي وتتيح للأطراف مباشرة الدعاوى عن بُعد، دون الحاجة للحضور شخصياً للمحكمة في أي مرحلة من مراحل التقاضي، وبالتالي يتم تسهيل الوصول إلى العدالة من أي مكان في العالم وتوفير المال والوقت والجهد.

حق الترافع... للمحامين الأجانب أيضاً

بينما يمكن للمحامين الوطنيين فقط المثول أمام المحاكم التقليدية في الإمارات وقطر، فإن محاكم مركز دبي المالي العالمي، ومحاكم سوق أبوظبي العالمي، ومحكمة قطر الدولية تتيح حق الترافع للمحامين الأجانب لتمثيل موكليهم.

إجراءات أقصر وتكلفة تقاضٍ أقل

على النقيض من المحاكم التقليدية، التي لديها مرحلتان من الاستئناف، هناك مرحلة واحدة فقط من الاستئناف لكل حكم صادر عن محاكم مركز دبي المالي العالمي، ومحاكم سوق أبوظبي العالمي، ومحكمة قطر الدولية. فأحكام الاستئناف نهائية ولا يُمكن الطعن فيها، مما يؤدي إلى إجراءات أقصر وتقليل تكلفة التقاضي.

ويمكن الاستئناف في محكمة قطر الدولية، وفقًا لتقدير المحكمة، وقد استحدثت هذه المحاكم إجراءات خاصة بالمطالبات الصغيرة تختصر من إجراءات التقاضي وتقلل من التكلفة ومدة إصدار الحكم بالدعوى.

دول تستلهم تجربة دبي

أصبحت محكمة مركز دبي المالي العالمي مصدر إلهام، ليس فقط في منطقة الخليج بل وخارجها أيضاً، حيث تلعب المحكمة دوراً عالمياً مهماً، من خلال تبادل خبراتها وتقديم الخدمات الاستشارية للدول الأخرى لإنشاء محاكم مماثلة.

فقد ساعد مركز دبي المالي العالمي كازاخستان في إنشاء مركز أستانا المالي الدولي، ومازالت هناك بعض المشاريع والمناقشات الجارية في بلدان مختلفة، منها بلدان في شبه القارة الهندية، وأوروبا، وجنوب شرق آسيا، وأميركا الوسطى والجنوبية.

جودة القضاء تُحسّن الاقتصاد

وفقاً لتقرير ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2019 الصادر عن البنك الدولي، تساهم المحاكم التجارية الدولية في خلق بيئة أعمال جيدة.

ويُعد وجود محاكم تجارية متخصصة من بين السمات المشتركة بين الاقتصادات العشرة الأولى في تصنيف سهولة ممارسة الأعمال.

وأكد تقرير البنك لعام 2020، أن الإصلاحات القضائية، بما فيها جودة القضاء وسرعته وإمكانية الوصول إلى العدالة بشكل أسرع وأرخص، تعمل على تحسين الاقتصاد وتقليل العقبات التي يواجهها رواد الأعمال.

* أستاذ مساعد في القانون الدولي الخاص – كلية الحقوق