خيرالله خيرالله / لبنان بين المشروعين الإيراني والعربي ... والتخبط الأميركي!

1 يناير 1970 02:41 م

من أجل محاولة فهم ما ألت أليه الأزمة اللبنانية، يبدو مفيداً وضعها في إطارها الإقليمي الواسع. كلما مرّ يوم، يتأكد أن لبنان يتعرض منذ ما يزيد على أربع سنوات لمحاولة انقلابية تستهدف تغيير النظام فيه وربطه بشكل نهائي بالمحور الإيراني - السوري. لم يكن التمديد القسري لولاية إميل لحود في سبتمبر من العام 2004 سوى جزء لا يتجزأ من المحاولة الانقلابية. الآن وبعد مرور ثلاث سنوات تقريباً على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يتبين أن اللبنانيين يدافعون في وجه المحاولة الانقلابية التي تستهدفهم عن وجودهم كمواطنين في بلد مستقل منفتح على العالم غير تابع لأي طرف إقليمي أو دولي.

لم يكن اغتيال رفيق الحريري حدثاً عابراً بمقدار ما أنه يدخل في سياق سلسلة من الأحداث تصب كلها في هدف واضح كل الوضوح. يتمثل هذا الهدف في توسيع الهجوم على لبنان بعدما شعر المحور الإيراني - السوري أنه زاد قوة وبات يمتلك زمام المبادرة في ضوء ما حصل في العراق. كانت نتيجة الحرب الأميركية على العراق خروج إيران منتصرة، نظراً إلى أنه للمرة الأولى منذ قرون عدة، ينهار الخط الفاصل بين العراق وإيران. هذا الخط لم يكن حسب ما عبر عن ذلك الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران مجرد حدود دولية بين دولتين. بالنسبة إلى أحد أعظم الرؤساء الذين عرفتهم فرنسا، وأكثرهم ثقافة وعمقاً، كانت تلك الحدود خطا يفصل بين «حضارتين عظيمتين» هما الحضارة العربية والحضارة الفارسية.

حطم الأميركيون هذا الخط في العام 2003. كانوا على حق في التخلص من صدّام حسين ونظامه العائلي - البعثي الذي لعب دوراً أساسياً في القضاء على النسيج الاجتماعي للعراق تدريجياً. لكن الخطأ الأساسي الذي ارتكبه الأميركيون يكمن في أنهم لم يدركوا النتائج التي ستترتب على إسقاط نظام صدّام ثم تسليم العراق إلى أحزاب مذهبية موالية لإيران تمتلك ميليشيات خاصة بها. لم يستوعب الأميركيون معنى الإقدام على خطوة من نوع حل الجيش العراقي، مثلما لم يستوعبوا الأسباب التي جعلت من إيران الدولة الوحيدة في المنطقة التي تدعم حربهم على العراق وتقدم لهم التسهيلات المطلوبة كلها لنجاح حملتهم العسكرية. أكثر من ذلك، لم يطرحوا على نفسهم مجرد سؤال عن الأسباب التي جعلت إيران تنفرد بين دول المنطقة في تأييد كل خطوة ذات طابع مذهبي اتخذتها الإدارة الأميركية في العراق، بما في ذلك تشكيل مجلس للحكم الانتقالي بعيد سقوط نظام صدّام همّش السنة العرب تهميشاً شبه كامل.

بعد الذي شهده العراق، لم يعد مستغرباً أن تكون للمشروع الإيراني انطلاقة جديدة في المنطقة أكان ذلك في اتجاه العراق نفسه أو فلسطين أو لبنان أو الخليج وحتى في اتجاه سورية. ازدادت دمشق قرباً من مركز القرار في طهران واعتماداً عليه أكثر من أي وقت بعد اضطرارها إلى سحب جيشها من لبنان إثر اغتيال رفيق الحريري وتصويب أصابع الاتهام في اتجاهها. صار النظام السوري تحت رحمة الأدوات الإيرانية في لبنان والبنية العسكرية والأمنية لـ «حزب الله» تحديداً، بعدما كان شريكاً في استخدام هذه الأدوات. صار في الإمكان الحديث عن محور إيراني - سوري في لبنان تحت عنوان تكريس الوطن الصغير «ساحة» لطرفي المحور.

يستمر الجانب الأميركي في ارتكاب النوع ذاته من الأخطاء من دون تقدير للعواقب. إيران ومعها النظام السوري هما المستفيد الأول من الاتهامات التي يوجهها الرئيس بوش الابن إلى «حزب الله». الاتهامات الأميركية تظهر الحزب في مظهر من يواجه المشروع الأميركي في لبنان والمنطقة وتظهر الاستقلاليين اللبنانيين الذين ينتمون إلى العروبة بمفهومها الحضاري، وكأنهم يؤيدون المشروع الأميركي، علماً بأنه لا وجود لمثل هذا المشروع. لا وجود سوى للمشروع الإيراني المستفيد من التخبط السياسي والعسكري لإدارة بوش الابن.

ثمة ما هو مضحك ومبك في الوقت ذاته. هناك مثلاً، شيعة بحرينيون يحتجون عن طريق التظاهر على زيارة بوش الابن للمملكة. يرفع هؤلاء المتظاهرون صور السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ «حزب الله» قبالة السفارة الأميركية في المنامة. لم يأتِ للأسف من يقول لهم لماذا لا ترفعون أيضاً صور السيد عبدالعزيز الحكيم رئيس «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق»، وهو جالس إلى جانب الرئيس الأميركي في البيت الأبيض؟ ما الفارق بين نصرالله والحكيم من ناحية ارتباط كل منهما بمركز القرار في طهران؟ أم يحق لإيران أن تكون مع الأميركيين حيث تشاء، في العراق مثلاً، وضدهم حيث يحلو لها ذلك...أي في لبنان وفلسطين والبحرين وأي مكان آخر تجد أن لديها مصلحة في ذلك؟

في كل الأحوال، من المهم التركيز على ما يتعرض إليه لبنان في هذه الأيام، نظراً إلى أن مصير البلد على المحك. هناك للمرة الأولى مشروع عربي للبنان. حمل الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى المشروع ـ الحل إلى بيروت مؤكداً أنه لا يحتاج إلى تفسير. اصطدم المشروع العربي المتوازن بالمشروع الإيراني. تبين بما لا يقبل الشك أن ما تريده طهران ومعها دمشق يتجاوز بكثير مسألة انتخاب رئيس جديد للجمهورية. تريد العاصمتان تثبيت قواعد جديدة تعتمد في لبنان بالنسبة إلى انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة وتعيين قادة الأجهزة الأمنية وكبار المسؤولين. تريدان نسف الطائف لا أكثر ولا أقل وتكريس أعراف جديدة تمهيداً لجعلها جزءاً لا يتجزأ من الدستور بعد تعديله بما يتفق والمثالثة، أي تقسيم البلد بين السنة والشيعة والمسيحيين.

ما الذي في استطاعة اللبنانيين عمله في هذه الحال؟ الأكيد أن صمودهم في وجه المحاولة الانقلابية التي يتعرض إليها بلدهم عنصر أساسي في افشال المحاولة. الأمر الآخر المهم أن عليهم التشبث بالثوابت. تلك نصيحة لوجه الله صدرت حديثاً عن شخصية سياسية لبنانية غير منحازة لهذا الطرف أو ذاك. إنها شخصية تقف على مسافة واحدة من الرابع عشر من آذار ومن الثامن من آذار. أثبتت ذلك بالأفعال وليس بمجرد الكلام عندما كانت في موقع المسؤولية. هذه الشخصية هي الرئيس السابق لمجلس الوزراء السيد نجيب ميقاتي. في كلمة له قبل أيام في مناسبة رعايته أعمال المؤتمر الدولي الأول للجمعية العالمية لخريجي الجامعة الأميركية في بيروت، عدد ميقاتي الثوابت. في مقدمها «ضرورة اقتناع الأطراف المعنيين، في الموالاة كما في المعارضة، أن لبنان لا يمكن أن يكون دولة تابعة أو دولة منعزلة»...أما آخر الثوابت وحملت الرقم ستة فهي «وثيقة الوفاق الوطني» أي «اتفاق الطائف». قال الرئيس السابق لمجلس الوزراء في هذا الصدد: «رغم كل ما يقال في شأن هذه الوثيقة التي أقرّت في الطائف ان وضعها استوجب عملاً دؤوباً ودقيقاً وجدياً أخذ في الاعتبار حساسيات مكونات المجتمع اللبناني. لذلك، فإن التبسيط في الحديث عن اتفاق الطائف لا يهدف إلى الاستقرار. لنطبق الاتفاق بشكل سليم أولاً، ثم نبحث في نواقصه، إذا كان هناك من نواقص».

المشروع العربي، حتى لو جاء متأخراً، حماية للبنان واللبنانيين في ظل الظروف المعقدة التي تمر فيها المنطقة في ظل الهجمة الإيرانية في غير اتجاه... والتخبط الأميركي. الطائف خط من خطوط الدفاع عن لبنان، كذلك المشروع  الذي اتفق عليه المجلس الوزاري العربي. انه مشروع يندرج في السياق الطبيعي لتنفيذ الطائف وليس في سياق الانقلاب عليه. مثل هذا الانقلاب يصير عندئذ انقلاباً على لبنان في مرحلة أولى، وعلى العرب في مرحلة أخرى.


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن