شخصية معقّدة تجذب الإعجاب أو الكراهية
رحيل هنري كيسنجر... «ثعلب» الديبلوماسية الأميركية
30 نوفمبر 2023
10:00 م
- قاد «التقارب» بين موسكو وبكين... و«الديبلوماسية المكوكية» بعد «حرب الغفران»
- محطّات مظلمة: انقلاب تشيلي وغزو تيمور الشرقية وحرب فيتنام
- نال جائزة نوبل للسلام... ومنتقدوه طالبوا بمحاكمته بتهمة ارتكاب «جرائم حرب»
«باحث ورجل دولة وديبلوماسي شهير وصاحب مواقف غيرّت شكل العالم»، هكذا عرف «ثعلب السياسة» هنري كيسنجر، عملاق و«فنان» الديبلوماسية الأميركية، الذي توفي الأربعاء، عن 100 عام، بمنزله في ولاية كونيتيكت.
فقد أطلق كيسنجر عجلة التقارب بين واشنطن وكلّ من موسكو وبكين في سبعينات القرن الماضي، وحاز عام 1973، تقديراً لجهوده السلمية خلال حرب فيتنام، جائزة نوبل للسلام مناصفة مع الفيتنامي لي دوك ثو.
لكنّ صورته لطّختها محطّات مظلمة في تاريخ الولايات المتّحدة، مثل دوره في دعم انقلاب عام 1973 في تشيلي وغزو تيمور الشرقية في 1975، فضلاً عن حرب فيتنام.
وفي مؤشر إلى الهالة والنفوذ التي يتمتع بها الرجل الذي أدار السياسة الخارجية الأميركية في عهدي الرئيسين نيكسون وفورد، كان هذا الرجل القصير القامة ذو الصوت الخشن واللكنة الالمانية القوية، رغم تقدمه في السن، حتى وقت قريب يُستشار من قبل الطبقة السياسية بأكملها ويتم استقباله من رؤساء دول ويلقي محاضرات في المؤتمرات في كل أنحاء العالم.
وآخر مثال على ذلك، في يوليو الماضي، حين التقى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، والذي وصفه بأنه «ديبلوماسي أسطوري». وقد سمح كيسنجر بالتقارب في سبعينات القرن الماضي بين الصين والولايات المتحدة.
ولم يترك أحد تأثيراً كبيراً أو بصمته على السياسة الخارجية الأميركية في النصف الثاني من القرن العشرين مثل هذا المفاوض البارع الذي كان حساساً بقدر ما كان سلطوياً.
«صقر» و«براغماتي»
يعد كيسنجر صاحب نظرية «الواقعية السياسية» الأميركية و«الصقر» الحقيقي، واحداً من تلك الشخصيات المعقدة التي تجذب الإعجاب أو الكراهية.
كان للنازية تأثير عميق على الشاب اليهودي الألماني هاينز ألفرد كيسنجر، المولود في 27 مايو 1923 في فورث - مقاطعة بافاريا، فقد اضطر إلى اللجوء إلى الولايات المتحدة في سن الخامسة عشرة مع أبيه المعلم وبقية عائلته. وحصل على الجنسية الأميركية في سن العشرين، وانضم إلى وحدة مكافحة التجسس العسكرية في الجيش الأميركي الذي سافر معه إلى أوروبا كمترجم باللغة الألمانية.
وبعد الحرب العالمية الثانية، عاد لاستئناف دراسته، فالتحق بجامعة هارفرد حيث حصل على شهادة في العلاقات الدولية قبل أن يقوم بالتدريس هناك ويصبح أحد مديري الجامعة العريقة. عندما، بدأ الرئيسان الديموقراطيان جون كينيدي وليندون جونسون في استشارة هذا الأستاذ اللامع والطموح.
لكن الرجل الذي اشتهر بنظارتيه السميكتين، فرض نفسه الوجه الرئيسي للديبلوماسية العالمية عندما عيّنه الجمهوري ريتشادر نيسكون في البيت الأبيض مستشاراً للأمن القومي في 1969 ومن ثم وزيرا للخارجية وقد احتفظ بالمنصبين معا من 1973 إلى 1975. وبقي في وزارة الخارجية في عهد جيرالد فورد حتى عام 1977.
في ذلك الوقت، أطلق نظرية «الواقعية السياسية» الأميركية، فباشر مرحلة انفراج مع الاتحاد السوفياتي السابق وإذابة الجليد في العلاقات مع الصين في عهد ماو تسي تونغ، خلال رحلات سرية لتنظيم زيارة نيكسون التاريخية إلى بكين في العام 1972.
كذلك، قاد في سرية تامة أيضاً وبالتوازي مع قصف الجيش الأميركي لهانوي، المفاوضات مع لي دوك ثو لإنهاء حرب فيتنام.
«الديبلوماسية المكوكية»
في الشرق الأوسط، شكل كيسنجر ما يعرف بـ «الديبلوماسية المكوكية» للفصل بين القوات الإسرائيلية والعربية بعد تداعيات حرب «يوم الغفران» عام 1973.
واندلع هذا الصراع بعد أسبوعين من أداء كيسنجر، اليمين كوزير للخارجية مع احتفاظه بمنصبه في البيت الأبيض كمستشار للأمن القومي.
وكانت حرب الـ 16 يوماً التي بدأت في 6 أكتوبر 1973، بهجمات منسقة على إسرائيل من قبل مصر وسورية، أصعب الاختبارات في حياة كيسنجر المهنية، بحسب صحيفة «واشنطن بوست».
وهددت الحرب وجود إسرائيل، وأشعلت مواجهة مع الاتحاد السوفياتي، وألهمت السعودية وغيرها من المصدرين العرب لفرض حظر نفطي أدى إلى شل تدفق الوقود في العالم.
وساعدت «ديبلوماسيته المكوكية» الشهيرة بعد حرب عام 1973 في استقرار العلاقات بين إسرائيل وجيرانها العرب.
وجاء وقف إطلاق النار في أعقاب الجسر الجوي الأميركي إلى الدولة العبرية والذي أثبت أهميته لدرء التقدم الأولي للجيوش العربية.
وابتداءً من يناير 1974، ذهب إلى الشرق الأوسط 11 مرة للترويج لاتفاقيات فض الاشتباك العسكري التي من شأنها تسهيل حقبة جديدة من مفاوضات السلام.
وكانت أكثر مهمات «الديبلوماسية المكوكية» شهرة هي الماراثون الذي استمر 34 يوماً في ذلك الربيع، حيث زار القدس 16 مرة ودمشق 15 مرة، وسافر إلى 6 دول أيضاً.
لم تسفر هذه الماراثونات عن أي اتفاقات «سلام دائمة» خلال فترة تولي كيسنجر مهام منصبه، لكنها نجحت في تحقيق الاستقرار في منطقة مضطربة وجعلت الولايات المتحدة «وسيطاً حصرياً» بالشرق الأوسط، مع استبعاد الاتحاد السوفياتي السابق.
جائزة نوبل مثيرة للجدل
حاز كيسنجر عام 1973 جائزة نوبل للسلام مناصفة مع لي دوك ثو بعد التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار، لكن الفيتنامي رفض الجائزة التي اعتبرت الأكثر إثارة للجدل في تاريخ نوبل.
وعلى العكس من ذلك، طالب منتقدو كيسنجر لفترة طويلة بمحاكمته بتهمة ارتكاب «جرائم حرب».
ونددوا بالجانب القاتم والأكثر إثارة للجدل والأقل انفتاحاً في سياسته الخارجية، وعلى وجه الخصوص ضلوعه في القصف المكثف على كمبوديا أو دعمه للرئيس الإندونيسي سوهارتو الذي أدى غزوه لتيمور الشرقية إلى مقتل 200 ألف شخص في 1975.
وأيضاً الدور الذي لعبته وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إي) في أميركا اللاتينية، وغالباً ما كان ذلك تحت قيادته المباشرة، ما شوّه صورته، بدءاً بالانقلاب الذي وقع في تشيلي عام 1973 وأوصل أوغستو بينوشيه إلى السلطة بعد وفاة سلفادور أليندي.
وعلى مر السنين، كشفت الوثائق الأرشيفية معالم ومدى اتساع «خطة كوندور» للقضاء على معارضي الديكتاتوريات في أميركا الجنوبية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
لكن رغم هذه الحلقات القاتمة، حافظ مؤلف كتاب «النظام العالمي» عام 2014، على قدرته على التأثير.
وفي يناير 2023، دعا إلى مواصلة الدعم لأوكرانيا، التي يجب، على ما كان يقول ان تنضم إلى حلف شمال الأطلسي.