خيرالله خيرالله / المفاوض لا يفاوض... والمقاوم لا يقاوم!
1 يناير 1970
05:06 م
تبدو السلطة الوطنية الفلسطينية في وضع لا تُحسد عليه في ضوء الجمود الذي يتحكم بالعملية السلمية. فالقضية الفلسطينية في وضع القضية المعلقة أكثر من أي وقت بعد انسداد قنوات التفاوض كلها، اللهم إلا إذا استثنينا الاتصالات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وهي اتصالات لا تقتصر على أجهزة السلطة الوطنية، نظراً إلى أن «حماس» طرف فيها أيضاً. لو لم يكن الأمر على هذا النحو، كيف يستطيع أي مسؤول أو قيادي في الحركة التي تسيطر على غزة الخروج منها عن طريق معبر رفح الذي يراقبه الإسرائيليون عن كثب؟
مهما قيل ويُقال عن أن القضية الفلسطينية تعتبر القضية المركزية للعرب، فما لا مفر من الاعتراف به أن العالم مشغول بقضايا أخرى أكثر إلحاحاً بالنسبة إليه. في مقدم هذه القضايا الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة نفسها وحال العملة (اليورو) في أوروبا في ظلّ الهزات الاقتصادية في اليونان وإيطاليا وإسبانيا. كذلك هناك مشكلة اسمها العلاقات الأميركية - الصينية التي قفزت إلى الواجهة فجأة. برزت هذه المشكلة في وقت لا وجود في الأفق لأي رؤية واضحة لدى الأميركيين في شأن كل ما له علاقة بباكستان وأفغانستان والملف النووي الإيراني والوضع المعقد في اليمن، كذلك الوضع في العراق الذي يمكن أن يسوء في الأشهر القليلة المقبلة.
ربما كان أفضل من وصف حال الجمود والانسداد ذلك الذي قال قبل أيام أن المشكلة، على الصعيد الفلسطيني، تكمن حالياً في أن المفاوضين لا يفاوضون والمقاومين لا يقاومون. ما العمل في مثل هذه الحال؟ هل هناك بديل من إعادة ترتيب البيت الداخلي بعيداً عن أي نوع من الحساسيات التي لا معنى لها؟ الجواب بكل بساطة أن لا بديل من ذلك. وهذا يعني في طبيعة الحال البدء بتحويل المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية إلى واقع ملموس وليس إلى مجرد تمنيات.
يفترض في الفلسطينيين أن يكونوا صادقين مع أنفسهم أوّلاً. وذلك يكون بأن يقولوا صراحة ماذا يريدون. متى اتفقوا على ما يريدون، يصبح هناك معنى للمصالحة ويصبح هناك أفق للمصالحة ولوثيقة التفاهم التي صيغت في القاهرة والتي قبلتها «فتح» من دون نقاش رغم أن الأميركيين طلبوا منها الامتناع عن توقيعها، كما يؤكد رئيس السلطة الوطنية السيد محمود عبّاس (أبو مازن). البداية تكون بإعطاء معنى للمصالحة الفلسطينية، نظراً إلى أن لا وجود لشيء اسمه مصالحة من أجل المصالحة من دون اتفاق على مشروع سياسي واضح. يستطيع الدكتور نبيل شعث، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، وهو في المناسبة من أكثر الساعين إلى تفهم موقف «حماس»، نقل مقر إقامته إلى غزة وعقد محادثات يومية مع رئيس الحكومة المقالة السيد إسماعيل هنية. ولكن ماذا بعد ذلك؟ هل سيؤدي ذلك إلى فك الحصار عن غزة أو تشكيل حكومة وحدة وطنية أو توقيع اتفاق المصالحة أو حتى تحديد موعد للانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية؟ لقد كان الدكتور شعث مصيباً عندما صرح بعد عودته إلى رام الله من غزة بأن «المشكلة في النفوس وليست في النصوص».
ثمة واقع لا يمكن تجاهله. يتمثل الواقع في أن حكومة بنيامين نتانياهو لا تريد تسوية. ما تريده كله هو قيام دولة فلسطينية تابعة لإسرائيل، تقرر حدودها المستوطنات الإسرائيلية. بكلام أوضح لا همّ لحكومة نتانياهو سوى تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية. ليس من يستطيع زحزحة الإسرائيليين عن موقفهم سوى الإدارة الأميركية. وفي ضوء المشاكل التي تواجه الإدارة، ارتأى الرئيس أوباما بناء على نصائح مستشاريه تفادي المواجهة المباشرة مع نتانياهو. كل ما يستطيع أن يقوله مسؤولون أميركيون كوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أو مستشار الأمن القومي الجنرال جيمس جونز الذي يعرف الضفة الغربية عن ظهر قلب أن مرجعية أي مفاوضات هي «حدود العام 1967 مع تبادل للأراضي بين الجانبين». ولكن، بين الكلام الجميل الذي يقال بحياء وخفر، وإجبار نتانياهو على التفاوض، استناداً إلى مرجعية واضحة ، هناك فارق كبير...
عاجلاً أم آجلاً، سيجد الجانب الفلسطيني أن عليه اتخاذ قرار في شأن العودة إلى طاولة المفاوضات بطريقة أو بأخرى. ويبدو أنه اختار طريق المفاوضات غير المباشرة عن طريق المبعوث الرئاسي الأميركي جورج ميتشيل. سيقول الأميركيون إن ليس في استطاعتهم طرح رؤيتهم، التي تتطابق إلى حد كبير مع رؤية الجانب الفلسطيني، خارج قاعة المفاوضات، نظراً إلى أنه ليس ما يسمح للرئيس أوباما بخوض معركة مكشوفة مع رئيس الحكومة الإسرائيلية. من هذا المنطلق، سيترتب على الفلسطينيين المجازفة بالعودة إلى المفاوضات، وإن غير مباشرة، لقاء وعد أميركي بطرح أفكار تتفق، إلى حدّ ما، مع وجهة نظرهم. في النهاية، إن إدارة أوباما تدعو إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وتعتبر الضفة الغربية والقدس الشرقية «أرضاً محتلة». وقد أكد غير مسؤول أميركي، بما في ذلك الجنرال جونز، ذلك في الأشهر القليلة الماضية.
كان أبو مازن واضحاً في رفضه العودة إلى المفاوضات في غياب توافر شروط معينة، لكنه سيترتب عليه في مرحلة ما كسر الجمود. المعركة التي يخوضها حالياً معركة حدود الدولة الفلسطينية. تحقيق المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية خطوة في الاتجاه الصحيح تساعده في مواجهة الاحتلال. ولكن يبدو أنه سيكون عليه دخول المواجهة من دون «حماس» التي لا تريد من المصالحة، في حال حصولها، سوى وضع العراقيل في طريق المفاوضات، أي مفاوضات. هل يفعل؟ الثابت أن الوضع الداخلي في الضفة، حيث الأمن مضبوط، يمكن أن يساعده في ذلك، حتى لو كان قرار العودة إلى مفاوضات، أي نوع من المفاوضات، مباشرة أو غير مباشرة، من القرارات غير الشعبية...
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن