المحامي بالنقض فنّد في مذكرة قانونية حيثيات قرار مجلس الوزراء بمنح علاوة لأعضاء النيابة دون نظرائهم في هيئة «التشريع»

أبوالمجد: مخالف للدستور... تمييز القضاة عن أعضاء «الفتوى» مالياً

1 يناير 1970 12:01 ص
في مذكرة فند فيها قرار الحكومة الصادر في 9 مارس 2009، والمرسوم رقم (41) للعام نفسه بمنح علاوة قضائية خاصة للقضاة واعضاء النيابة دون اعضاء الفتوى والتشريع، اعتبر المحامي بالنقض الدكتور أحمد كمال ابوالمجد ان هذا القرار مخالف لنص الدستور لانطوائه على «تمييز مالي» يجافي ما تقره المادة 170 الواردة ضمن نصوص الفصل الخامس من الباب الرابع الذي ينظم سلطات الدولة، مؤكدا ان النصوص القانونية الصادرة قبل وبعد وضع الدستور تؤكد التماثل الوظيفي للنيابة العامة وهيئة قضاء الدولة.

واوضح الدكتور ابو المجد في مذكرته التي حصلت «الراي» على نسخة منها انه من الخطأ التعويل على الالحاق الاداري لهيئة الفتوى والتشريع لمجلس الوزراء بغية الخروج باستنتاجات فنية غير صحيحة، لاسيما ان العمل المنوط بهيئة قضايا الدولة يعد جزءا اصيلا من العمل القضائي بمعناه الاوسع ومفهومه الاشمل، ومن ثم فلابد ان يعامل المعنيون بالافتاء وصياغة القوانين والفصل في المنازعات معاملة مالية واحدة، خالصا إلى القول ان مساواة الجهتين ماديا لا يحتاج تفسيرا من المحكمة الدستورية العليا بل إلى تعديل تشريعي يرتب اجزاء النظام القانوني الذي تخضع له هيئة الفتوى والتشريع، ويحقق الانسجام بين نصوص المواد الدستورية المنظمة لمبدأ المساواة.

وفي ما يلي نص مذكرة الدكتور أحمد كمال ابوالمجد:



لابداء الرأي في شأن التكييف القانوني للوظيفة التي تقوم بها ادارة الفتوى والتشريع، واثر ذلك على الحقوق الوظيفية والمالية لاعضائها، وفي ضوء التظلم الذي قدمه اعضاء تلك الادارة من قرار (الحكومة) رقم (216) لسنة 2009، ومن المرسوم رقم 41/2009، بمنح علاوة قضائية خاصة للقضاة واعضاء النيابة، مع اغفال حق اعضاء الفتوى والتشريع في تلك العلاوة.

نرى ان نبدأ بتوضيح المنهج الذي اتبعناه والضوابط التي التزمناها في ابدائنا للرأي:

-1 واول هذه الضوابط الرجوع إلى نصوص الدستور الكويتي الصادر عام 1962، من حيث ترتيبها (اي ترتيب هذه النصوص في ابواب وفصول)، ومن حيث ما يؤدي اليه التفسير الصحيح للاحكام الواردة فيها.

-2 التوقف عند مدلول مبدأ المساواة الوارد في المادتين (7) و(29) من الدستور، وتفسير هذا المبدأ في ضوء ما استقر عليه الفقه والقضاء.

-3 مناقشة مدى اتفاق احكام قرار الحكومة المتظلم منه واحكام المرسوم رقم (41) لسنة 2009 الصادر في 9/3/2009، مع نصوص الدستور، ومع التفسير الفقهي والقضائي لمبدأ المساواة، والرأي النهائي الذي نخلص اليه في ذلك كله.

أولا - الرجوع إلى نصوص الدستور الكويتي:

قرر الدستور مبدأ المساواة في نصين من نصوص الباب الثاني الذي يعالج موضوع «المقومات الاساسية للمجتمع الكويتي»، وهي نص المادة (7) ونص المادة (29).

اما المادة (7) فتقرر في عبارة عامة ان «العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع، والتعاون والتراحم صلة وثقى بين المواطنين».

واما نص المادة (29) الواردة في الباب الثالث الذي يتحدث عن «الحقوق والواجبات العامة»، فيفصل المقصود بالمساواة بقوله: «الناس سواسية في الكرامة الانسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس او الاصل او الدين».

وهذا التفصيل - في تقديري - ليس جامعا لكل صور التمييز التي يمنعها الدستور اعمالا لمبدأ المساواة، وهو ما استقر عليه القضاء في الكويت وفي مصر على ما سنعود اليه.

اما النص الذي له دلالة خاصة في الموضوع كله، فمكانه في الدستور الكويتي واضح الدلالة، اذ هو وارد في الباب الرابع الذي يحدد وينظم «السلطات» فبعد فصله الاول الذي يقرر احكاما عامة نجد فصله الثاني مخصصا «لرئيس الدولة»، كما نجد فصله الثالث مخصصا «للسلطة التشريعية»، بينما نجد في فصله الرابع مخصصا «للسلطة التنفيذية» وصولا إلى فصله الخامس والاخير الذي يقرر احكام «السلطة القضائية».

وبينما تتحدث المواد من (162) إلى (168) عن المحاكم باختلاف درجاتها وانواعها، تتحدث المادة (167) عن النيابة العامة ووظيفتها في اقامة الدعوى العمومية باسم المجتمع، واشرافها على شؤون الضبط القضائي، وسهرها على تطبيق القوانين الجزائية، وملاحقة المذنبين وتنفيذ الاحكام، لتصل في المادة (170) إلى قولها:

«يرتب القانون الهيئة التي تتولى ابداء الرأي القانوني للوزارات والمصالح العامة، وتقوم بصياغة مشروعات القوانين واللوائح، كما يرتب تمثيل الدولة وسائر الهيئات امام جهات القضاء».

واخيرا تتحدث المادة (171) عن جواز صدور قانون ينشئ مجلس دولة يختص بوظائف القضاء الاداري والافتاء والصياغة المنصوص عليها في المادتين، السابقتين عليها.

والذي نخلص اليه في تفسير هذه النصوص ان ايراد المادة (170) التي تتحدث عن ترتيب الهيئة التي تتولى ابداء الرأي القانوني للوزارات والمصالح، كما تقوم بصياغة مشروعات القوانين واللوائح بين نصوص الفصل الخامس الذي يتحدث عن «السلطة القضائية» يحمل دلالة لا يتصور الانصراف عنها، على اعتبار العمل المنوط بهيئة قضايا الدولة جزءا من «العمل القضائي» بمعناه الاوسع، حين يتصل الامر بنشاط الادارة، وهو التفسير الوحيد المقبول لما قررته المادة (171) التالية مباشرة للمادة (170) من جواز انشاء مجلس دولة يجمع - في وظيفته واختصاصه - بين «القضاء الاداري» و«الافتاء والصياغة» المنصوص عليهما في المادتين السابقتين.

ومن المؤكد - الذي لا يتصور القول بخلافه - ان القائمين على هاتين الوظيفتين داخل كيان واحد، ونعني الوظيفتين المنصوص عليهما في «المادتين السابقتين» وهما القضاء الذي يفصل في المنازعات الادارية، والافتاء والصياغة المنصوص عليها في المادة (170) لابد ان يعاملا معاملة مالية واحدة، والقول بغير ذلك لا يعد رأيا جديرا بالاعتبار والمناقشة، وقديما قيل:

وليس كلُ كلامٍ جاء معتبراً

الا كلام له حظٌ من النظر

واذا صح واستقام ما تقدم تعذر القول بخلافه إذا كان التأخير - لسبب او آخر - في انشاء مجلس دولة يؤدي الوظيفتين مجتمعتين قد ادى إلى قيام هيئتين مستقلتين تظل «العدالة القضائية الادارية» بمعناها الشامل مكتملة بتعاونها وتداخل وظائفها، وهو الوضع القائم عند صدور قرار مجلس الوزراء رقم (216)، والمرسوم بقانون رقم (41) لسنة 2009، لذلك لم يكن ثمة مهرب من اعمال مبدأ المساواة اعمالا صحيحا يؤكد اخضاع النيابة العامة وهيئة قضاء الدولة (الفتوى والتشريع) لنظام قانوني واحد قائم على تماثل الوظيفة التي تؤديها كل منهما، وعلى تكامل الدورين اللذين تؤديها كل واحدة منهما.

ثانيا - مبدأ المساواة ... تفسيره وحدوده:

فسرت احكام قضائية عديدة معنى «مبدأ المساواة» الذي تقرره نصوص الدستور، من انه يتكون من شقين متكاملين، اولهما التسوية في المعاملة القانونية بين المتماثلين، والمخالفة في المعاملة بين المختلفين، واذا كان الفقه يكثر من الاشارة إلى ان المساواة انما تكون في «المركز القانوني» فاننا لا نرى هذا المعيار دقيقا ولا كافيا، إذا ما هي «المراكز القانونية» واين اذا دور السياق الواقعي بعناصره المختلفة، وهو السياق الذي يصل بالباحث، ومن بعده القاضي والمشرع إلى انزال حكم قانوني واحد على المراكز المتشابهة في عناصرها الاساسية، وان بقى بينها فارق او تنوع لا تربطه بالحكم القانوني المترتب على الاوضاع الواقعية رابطة منطقية، ان العدالة لا تقوم ولا يمكن ان تتحقق الا إذا كان تطبيقها مستندا إلى معايير منضبطة، ومن هذه المعايير «ان ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب» فاذا كان الفصل في المنازعات لا يصل إلى اقامة العدل الا بانشاء قضاء مستقل صار استقلال القاضي ضمانا اساسيا لوصول الحق والعدل إلى المتقاضي.

وفي خصوص المنازعات الادارية التي تحقق معنى ان «الادارة خصم شريف وانه خصم لا يجوز ولا يحيف ولا يقهر ولا يستبد، وجب ان تساند القاضي والادارة معا جهود هيئة مستقلة تتولى الدفاع عن قرارات تلك الادارة، كما تتولى تقديم المشورة القانونية لها بتوصية آمرة او توصية ناهية، كما تعاونها في صياغة مشروعات القوانين واللوائح، فضلا عن قيامها بتمثيلها امام جهات القضاء».

فاذا كان ما تقدم صحيحا ومنطقيا، وهو ما نراه كذلك، تعذر القول بحرمان الهيئة التي تتولى هذه الوظائف الثلاث التي ذكرناها من المزايا والحقوق المالية التي تكفل الاستقلال وتؤمنه، كما تؤمنه للقاضي الذي يفصل في المنازعة، ولممثل النيابة العامة الذي «لا يفصل هو الآخر في منازعة» وانما يحرك الدعوى الجنائية او الادارية، ممثلا وجهة نظر الاتهام والمساءلة، ومن المؤكد ان «العدل الكلي» للعمل القضائي والتوازن بين حق المجتمع في توجيه الاتهام، وحق المتهم في دفع هذا التهام، ما يقتضي ان يكفل لطرفي المعادلة ذات القدر من الاستقلال، ومن المؤكد ان الاستقلال والتأمين المالي يقتضيان احاطة «قضاء الدولة» بذات الضمان الذي قررته احكام الدستور والقانون وذلك في احد عناصره الاساسية، وهو حماية القائمين به والعاملين فيه بتوفير الوضع المالي الكريم الذي حرص القانون على توفيره للقضاة واعضاء النيابة... ومن ثم تغدو المفارقة المتمثلة في حرمان اعضاء هيئة قضاء الدولة من المزايا والضمانات المقررة لاعضاء النيابة وللقضاة تمييزا غير جائز مخالفا لمبدأ المساواة الذي قررته نصوص الدستور.

ولا يقبل في ضوء ما تقدم جميعه التعلل بان المادة (29) من الدستور لا تمنع كل صور التمييز، وانها حصرت المساواة التي يمتنع التمييز استنادا اليها في حالات الاخلال بالمساواة استنادا إلى اختلاف الجنس او الاصل او اللغة او الدين، فتلك الاسباب على ما استقر عليه القضاء الاداري والقضاء الدستوري في مصر لا تستغرق سائر صور التمييز ما دام التمييز في جوهره هو «مخالفة في الحكم بين المتماثلين، افرادا كانوا او فئات وجماعات»، وان العبرة في نهاية المطاف ان التمييز - اي تمييز (DISCRIMINATION) - لا يعد مجرد تقسيم او تصنيف جائز ما دام اختلاف المعاملة لا تربطه بالنتيجة التي رتبها عليها التشريع او القرار رابطة منطقية LOGICAL NEXUS إذ ان قيام هذه الرابطة هو الذي يفرق بين التمييز المحظور وبين التصنيف او التقسيم الجائز CLSSIFICATION، والا فان كل «تنظيم» جماعي ينطوي على اختلاف المعاملة القانونية باختلاف الوقائع التي تحيط بهذا التنظيم، وهذه الرابطة المنطقية هي ما عبر عنه علماء اصول الفقه الاسلامي بـ«المناسب المؤثر» الذي يقوم عليه الحكم التكليفي، وان هذا المناسب المؤثر هو جوهر العلة المشتركة بين المقيس والمقيس عليه.

والامر في هذا كله واضح ولا يحتاج إلى مزيد اطالة... ومن صور التقسيم الجائز الذي لا يعد تمييزا محظورا على سبيل المثال اشتراط بلوغ سن معينة لشغل وظيفة معينة يحتاج اداؤها إلى قدر من النضوج وتراكم التجربة واتساع الخبرة، او حساب أقدمية العاملين المدنيين حسابا مضاعفا في بعض المحافظات او المناطق النائية، مراعاة لما يتحمله العاملون في تلك المناطق البعيدة من اعباء اضافية يتفردون بها.

ان مراجعة النصوص القانونية العديدة التي كانت قائمة قبل وضع الدستور، وتلك التي صدرت بعده تؤكد التماثل والمشابهة التامة بين وضع النيابة العامة ووضع هيئة قضاء الدولة، وقد لا يكفي مثال واحد لاقامة الدليل المطلق على نية المشرع في اعتبار جهة الفتوى والتشريع من بين هيئات القضاء (الإداري)، ولكن مجموع هذه الامثلة والنتائج التي تترتب على اجتماعها وتفسير القضاء الكويتي لها، كل ذلك يتظاهر على تثبيت النتيجة التي قررناها، والتي دافعت عنها صحيفة التظلم المقدمة من اعضاء الفتوى والتشريع، وهو ما نذهب اليه من جانبنا بغير تردد.

أ- ولبيان التماثل بين عمل «النيابة العامة» وعمل «إدارة الفتوى والتشريع» وهو التماثل الذي يقتضي - وجوبا ومنطقا وعدلا- خضوعهما معا لتنظيم تشريعي واحد، ومساواة القائمين بكل منهما بالآخر من حيث المعاملة المالية، نوضح ان «النيابة العامة» التي لم يقم خلاف في الكويت ولا في غيرها حول اعتبارها جزءا من الهيئة القضائية، مع ان اعضاءها لا يفصلون في منازعات ولا يعدون - لذلك- قضاة بالمعنى الضيق لهذا التعبير، ومع ملاحظة انهم يخضعون لاشراف ومراقبة وزارة العدل فان ذلك لا يجعل من النيابة العامة جزءا من السلطة التنفيذية، والامر كذلك تماما في شأن «ادارة الفتوي والتشريع»، اذ العبرة في تحديد طبيعة العمل الذي تقوم به لا يمكن ان تتقرر بمجرد تبعيتها لمجلس الوزراء، وانما تتقرر بتحديد الطبيعة القانونية للاعمال المنوطة بها... فضلا عن ان وصف «الإدارة» الذي عرفت به هيئة قضاء الدولة في الكويت كان مستمدا من القانون الذي كان يرتبها وينظمها قبل صدور الدستور، حيث كانت مسميات الاجهزة الحكومية قبل صدور الدستور يطلق عليها دوائر او ادارات، وعند صدور الدستور تحولت الدوائر إلى وزارات، وتحولت الادارات إلى هيئات، وبقيت ادارة الفتوى والتشريع- نسيانا وسهوا- على مسماها القديم، وتأخر تصحيح مسماها الذي يتطابق مع ما تؤديه من وظائف تقتضي المحافظة على استقلالها، وهي تؤدي اجزاء مهمة من الاجزاء المتكاملة للعمل القضائي، ومعلوم في هذا الشأن وغيره ان «العبرة بالمقاصد والمعاني وليست ابدا بالاشكال والمباني»، والصحيح في هذا ما رددته صحيفة التظلم (ص14) من ان «من الخطأ التعويل على الالحاق الاداري للفتوى والتشريع لمجلس الوزراء للخروج باستنتاجات فنية غير صحيحة».

ب- وتأكيدا لحقيقة التماثل بين عمل النيابة العامة وعمل هيئة الفتوى والتشريع في معاونتهما للمحاكم التي لا شبهة في صفتها القضائية ان المشرع قد خص الوظائف القضائية بضمان اضافي حين التزم بان يكون التعيين في درجاتها او في الترقية إلى درجاتها الاعلى بمرسوم اميري، وهو ما لم يشترطه للوظائف العامة، فاذا ذكرنا ان امير البلاد هو الرئيس الاعلى للسلطة القضائية، ومن ثم عهد اليه- تأكيداً لاستقلال العاملين في تلك السلطة، بان يكون الراعي المؤتمن على امر تعيينهم وترقيتهم، وهو عين الاعتبار الذي اقتضى ان يكون امر التعيين في القوات المسلحة في يد الامير باعتبار سموه قائدا اعلى للقوات المسلحة.

ج- وأقوى من هذا كله، واضافة اليه، فان القانون رقم (14) لسنة 1977 قد صدر (بعد صدور الدستور) مراعيا احكامه، فساوى بين رجال القضاء واعضاء النيابة العامة واعضاء هيئة الفتوى والتشريع في الوظائف والمرتبات والبدلات وكافة المزايا الاخرى، فهل يجوز بعد ذلك كله الرجوع والارتداد عما استقر عليه الامر اعمالا لنصوص الدستور ولاحكام صريحة لا تحتمل التأويل في قانون لا حق له، ولعرف قد استقر وسانده - نظرا وتطبيقا- رأي اساتذة القانون العام بكلية الحقوق والشريعة، وهو الرأي الذي رفعوه إلى مجلس الوزراء، والذي اوردت نصه صحيفة التظلم من قرار (الحكومة) رقم (216) بتاريخ 9/3/2009، فقد جاء في هذا الرأي انه «... يبين من هذا ان الدستور الكويتي يعتبر الهيئة التي تتولى ابداء الرأي القانوني للوزارات والمصالح العامة، وتقوم بصياغة مشروعات القوانين واللوائح احدى الهيئات المكونة للسلطة القضائية في النظام الدستوري الكويتي، ويؤيد ذلك ان الماد (171) من الدستور تشير إلى جواز انشاء مجلس دولة يختص بوظائف القضاء الاداري والافتاء والصياغة المنصوص عليها في المادتين 169، 170، ما يفيد ان المشرع الدستوري يجعل مهمة الفتوى والتشريع احدى مهام هيئة لا خلاف في القانون المقارن على انها هيئة قضائية هي مجلس الدولة»... وللسابقة المقررة في مصر دلالة اضافية قوية خاصة لا ينبغي ان تغيب - عند المقارنة - يكون الجميع أمام القانون سواء، لا تفرقة بينهم او تمييز، فالحقوق والمزايا التي يمنحها القانون وينعم بها المخاطبون بأحكامه يستظلون بها وفقا لقاعدة موحدة، وتحظى من القانون بحماية واحدة وبدرجة متساوية... الى ان انتهى إلى القول بأن القانون رقم 14 لسنة 1977 المعدل بالقانون 124 لسنة 1992 قد اخضع المخاطبين به ومن بينهم اعضاء ادارة الفتوى والتشريع - سواء كانوا ذكورا او اناثا - إلى احكامه، وساوى بينهم في مختلف اوضاعهم الوظيفية وما يصاحبها من مزايا مادية او عينية متضمنا النص في المادة 8 منه على اعطاء كل من القضاء واعضاء النيابة العامة وادارة الفتوى والتشريع سكنا خاصا يتناسب مع وظيفته، واذ اصدر مجلس الوزراء قراره رقم 142 لسنة 1992 بشأن اسكان القضاة واعضاء النيابة العامة وادارة الفتوى والتشريع، مقررا في المادة الثانية منه احقيتهم في الخيار بين تخصيص سكن حكومي او تقاضي بدل سكن، محددا فئته بالنسبة للأعزب وفئته بالنسبة للمتزوج، بغير ان يخل ذلك بحقهم في تقاضي العلاوة الاجتماعية المقررة لوظيفتهم ونص في البند 5 من المادة الثالثة على حرمان الاناث من تلك الميزة الا اذا كن متزوجات على الرغم من تقريرها للأعزب من الذكور ودون تقرير ذلك الحق للإناث، فإنه يكون قد غاير في المعاملة بين الخاضعين لنظام قانوني واحد واخل بمبدأ التكافؤ في الحقوق بين اصحاب المراكز القانونية المتماثلة، واقام بذلك تفرقة دون مقتضى بين الذكور والاناث، تنطوي على تمييز تحكمي منهي عنه على اساس من الجنس، مخالفا مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة 29 من الدستور، الامر الذي يتعين معه القضاء بعدم دستوريته فيما تضمنه متعلقا بهذا الشأن.

وخلاصة الرأي

ان نصوص الدستور الكويتي، بترتيب ابوابه وفصول تلك الابواب، وبصريح نص المادة 170 الواردة ضمن نصوص الفصل الخامس من الباب الرابع الذي ينظم سلطات الدولة، وهو الفصل الذي عنوانه «السلطة القضائية» يدل دلالة تعلو على كل محاولة للتأويل، على انه اعتبر الهيئات الواردة في هذا الفصل من ذلك الباب هيئات قضائية... ومن هذه الهيئات بصريح المادة 170 الهيئة التي تتولى ابداء الرأي القانوني للوزارات والمصالح، كما تقوم بصياغة مشروعات القوانين واللوائح.

-1 ان دلالة المادة 170 على هذه الحقيقة تؤيدها وتؤكدها صياغة المادة 171 على النحو الذي قدمناه، والتي تتحدث عن انشاء مجلس دولة يؤدي وظيفة الفصل في المنازعات، كما يؤدي الوظائف التي تؤديها حاليا ادارة الفتوى والتشريع، وذلك على النحو المبين من قبل.

-2 ان هذه الدلالات يؤكدها ويساندها الوضع القائم في مصر، حيث تتولى هيئة قضاء الدولة مهمة واحدة من المهمات وثيقة الصلة بالقضاء المتمثل في «الفصل في المنازعات» وهي مهمة تمثيل الدولة امام القضاء، ومع ذلك لم يثر الشك في طبيعتها القضائية، وفي امتداد المعاملة المالية الخاصة لرجال القضاء والنيابة إلى اعضاء هيئة الدولة في مصر، فأولى واجدر ان يكون الحكم كذلك في خصوص ادارة الفتوى والتشريع التي تمارس وظيفتين لا تمارسها هيئة قضايا الدولة في مصر، وهي وظيفة الافتاء ومراجعة التشريعات.

-3 ان احكام القضاء الكويتي قد تواترت على تطبيق مبدأ المساواة تطبيقا سليما على ادارة الفتوى والتشريع، غير ملتفتة - بحق - إلى اي دلالة يمكن ان تتحقق نتيجة تبعية تلك الادارة لمجلس الوزراء، وملاحظة ان النيابة العامة تخضع بدورها لإشراف وزير العدل دون ان يحول ذلك دون اعتبارها هيئة قضائية.

ان التمييز الذي انطوى عليه قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 9/3/2009، والمرسوم رقم 41 لسنة 2009 بين القضاة ورجال النيابة العامة من جهة وبين اعضاء ادارة الفتوى والتشريع مخالف للدستور والقانون، وهي مخالفة صريحة لا يمكن الدفاع عنها لصريح نص المادة 29 من الدستور، ومخالف كذلك للقانون لصدوره بأداة ادنى من القانون.

-4 ان الغموض في بعض النصوص القانونية الحاكمة للموضوع محل النزاع يحتاج - كما قالت محكمة التمييز في حكمها - إلى اعادة النظر لتحقيق الانسجام بين هذه النصوص القانونية والادوات التشريعية الاخرى الصادرة في ظلها وبين نصوص الدستور الصريحة.

لذلك فإن الامر - في تقديرنا - لم يعد محتاجا إلى حكم تفسيري من المحكمة الدستورية العليا، فالامر اوضح من ذلك واظهر، وانما يحتاج الامر إلى تعديل تشريعي يرتب اجزاء النظام القانوني الذي تخضع له هيئة الفتوى والتشريع، ويحقق الانسجام بين هذا الترتيب وبين نص المواد 7، 8، 29 من الدستور، وهي النصوص المنظمة لمبدأ المساواة.