أكدت القمة العربية العادية الـ32، في جدة، الجمعة، على مركزية القضية الفلسطينية، ورحبت بعودة سورية إلى محيطها العربي، وحضت الأطراف اللبنانية كافة، على انتخاب رئيس للجمهورية.
كما دعت القمة إلى تغليب لغة الحوار وتوحيد الصف لحل الأزمة السودانية، ودعم كل ما يضمن أمن واستقرار اليمن، وشددت على وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية.
وأعلن ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، اعتماد «إعلان جدة» بعد موافقة القادة العرب.
كما تضمن البيان الختامي لـ «قمة التغيير والتجديد»، أكثر من 32 بنداً، لمختلف القضايا الملحة في العالم العربي، بدءاً من القضية الفلسطينية والأزمة السورية والوضع اللبناني، مروراً بالملف الإيراني، وصولاً إلى قضايا البيئة والأمن السيبراني، والأمن المائي، والملفات الاقتصادية والاجتماعية.
وقال محمد بن سلمان، خلال ترؤسه الجمعة، نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، اجتماع القمة، والتي حضرها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، «نؤكد لدول الجوار والأصدقاء في الغرب والشرق أننا ماضون للسلام والخير والتعاون والبناء بما يحقق مصالح شعوبنا ويصون حقوق أمتنا، وأننا لن نسمح بأن تتحول منطقتنا ميداناً للصراعات، ويكفينا مع طي صفحة الماضي تذكر سنوات مؤلمة من الصراعات عاشتها المنطقة، وعانت منها شعوبها وتعثرت بسببها مسيرة التنمية».
وشدد على أن «وطننا العربي يملك من المقومات الحضارية والثقافية ومن موارد بشرية وطبيعية ما يؤهله لتبوؤ مكانة متقدمة وقيادية وتحقيق نهضة شاملة لدولنا في المجالات كافة»، مؤكداً أن «القضية الفلسطينية كانت ومازالت قضية العرب المحورية»، وأهمية حل الأزمة في أوكرانيا «سلمياً».
محمد بن سلمان والأسد
كما رحب محمد بن سلمان، بحضور الرئيس بشار الأسد، وقال «نأمل أن تشكل عودة سورية إلى الجامعة العربية إنهاء لأزمتها». وأعرب عن أمله أن تكون لغة الحوار هي الأساس في السودان، وأن تتوصل مباحثات جدة إلى وقف فعال لإطلاق النار.
وفي السياق، بحث محمد بن سلمان والأسد على هامش القمة، العلاقات الثنائية، والتطورات على الساحة العربية «في ظل الأجواء الإيجابية في العلاقات العربية من أجواء إيجابية تعكس توجهاً جماعياً نحو رؤى مشتركة توجت بقمة جدّة».وثمّن الأسد، الجهود التي بذلتها السعودية على مستوى تحقيق التقارب العربي وبناء الأجواء السياسية التي تساعد على العمل المشترك بين الدول العربية لتحقيق المنفعة لشعوبها.
وهنأ ولي العهد بنجاح قمة جدة، معتبراً أنها ستساهم في المزيد من التماسك العربي.
وكان الأسد، أكد أمام القمة، أن الانتقال «من حضن لآخر» لا يعني تغيير «انتماء» الإنسان.
وقال «يمكن أن ينتقل الإنسان من حضن لآخر لكنه لا يغير انتماءه، ومن يغيره فهو من دون انتماء من الأساس ومن يقع في القلب لا يقبع في حضن وسورية قلب العروبة وفي قلبها».
وتوجه الأسد بالشكر «للملك السعودي (سلمان بن عبدالعزيز) على الدور الكبير الذي قام به وعلى جهوده المكثفة التي بذلها لتعزيز المصالحة في منطقتنا ولإنجاح هذه القمة».
وعبّر عن امتنانه لرؤساء الوفود «الذين عبروا عن المودة المتأصلة» تجاه سورية، مضيفاً «أبادلهم بالمثل».
فيصل بن فرحان
من جانبه، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، إن «إعلان قمة جدة أكد على تعزيز العمل العربي المشترك» وعلى «مركزية القضية الفلسطينية».
وأعرب وزير الخارجية، خلال المؤتمر الصحافي الختامي للقمة عن أمله في أن تسهم عودة سورية للجامعة العربية بإنهاء أزمتها.
وقال إن «وجهة نظر المملكة أن الوضع القائم في سورية غير قابل للاستدامة، وأن الحوار مع سورية كان ضرورياً، وأن السعودية تتفهم وجهة نظر حلفائها الغربيين».
وأكد أن «المملكة ستتحاور مع شركائها الغربيين في شأن العلاقات مع سورية، وأنها تعمل على إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم»، مشدداً على دعم السعودية لمشروعات التعافي الاقتصادي، كما نوه بأن المواقف المتشددة لا تصب في مصلحة الشعب السوري.
كما أعلن فيصل بن فرحان، أن المملكة «تعمل مع واشنطن للوصول إلى هدنة إنسانية»، مشيراً إلى أن محادثات جدة «متواصلة لكن من المبكر الحديث عن انفراجة».
ورحب برسالتي الرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين للقمة.
وأكد أن لا حل للأزمة الأوكرانية - الروسية «إلا بالحوار»، مشيراً إلى أن الدول العربية اتخذت موقف الحياد الإيجابي من الأزمة.
وأوضح أنه تم الترحيب بحضور زيلينسكي لسماع وجهة نظر أوكرانيا، وأن القمة ترحب باستماع وجهة نظر طرفي النزاع.
أبوالغيط
من جهته، قال الأمين العام للجامعة أحمد أبوالغيط، إن «قمة جدة حققت الهدف المطلوب منها»، لافتاً إلى أن سورية «تحتاج لمساعدة العرب، وينبغي عليها التفاعل مع عودتها للجامعة».
وأكد أنه «تم رصد تهدئة ملحوظة من دول الجوار، وتم إعطاؤها فرصة لبدء صفحة جديدة».
وذكر بأن قمة جدة اهتمت بالملفات الاقتصادية، واتخذت قرارات لدعم التنمية، معرباً عن أمله في أن تكون القمة «بداية ليكون مصير الدول العربية بأيديها».
«إعلان جدة»
وشدد «إعلان جدة» على «أهمية تعزيز العمل العربي المشترك المبني على الأسس والقيم والمصالح المشتركة والمصير الواحد، وضرورة توحيد الكلمة، والتكاتف والتعاون في صون الأمن والاستقرار، وحماية سيادة الدول العربية وتماسك مؤسساتها، والمحافظة على منجزاتها، وتحقيق المزيد من الارتقاء بالعمل العربي والاستفادة من المقومات البشرية والطبيعية التي تحظى بها المنطقة للتعاطي مع تحديات العصر الجديد بما يخدم الأهداف والتطلعات نحو مستقبل واعد».
وأشار إلى «ضرورة تهيئة الظروف واستثمار الفرص وتعزيز وتكريس الشراكات وترسيخ التفاهمات بين الدول العربية على أساس المصالح المشتركة، والتعاون لتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة، وتنفيذ الرؤى التنموية الطموحة من خلال نهضة شاملة في جميع المجالات لمواكبة التطورات العالمية، وصناعة مستقبل يلبي آمال وتطلعات الشعوب العربية».
القضية الفلسطينية
وجدد الإعلان التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، باعتبارها أحد العوامل الرئيسة للاستقرار في المنطقة، ودان بأشد العبارات، «الممارسات والانتهاكات التي تستهدف الفلسطينيين في أرواحهم وممتلكاتهم ووجودهم كافة»، مؤكداً «أهمية تكثيف الجهود للتوصل إلى تسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية، وإيجاد أفق حقيقي لتحقيق السلام على أساس حل الدولتين وفقاً للمرجعيات الدولية، وعلى رأسها مبادرة السلام العربية والقرارات الدولية ذات الصلة ومبادئ القانون الدولي».
كما أعرب القادة عن بالغ قلقهم من تداعيات الأزمة في السودان على أمن وسلامة واستقرار الدول العربية وشعوبها.
ورحب «إعلان جدة» بقرار مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، الذي تضمن استئناف مشاركة الوفود السورية في اجتماعات مجلس الجامعة والمنظمات والأجهزة التابعة لها، آملاً في أن يسهم ذلك «في دعم استقرار سورية، ويحافظ على وحدة أراضيها، واستئناف دورها الطبيعي في الوطن العربي».
وجدد الإعلان، التأكيد على دعم كل ما يضمن أمن واستقرار اليمن ويحقق تطلعات شعبه، ودعم الجهود الأممية والإقليمية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة.
وحض «كل الأطراف اللبنانية على التحاور لانتخاب رئيس للجمهورية يرضي طموحات اللبنانيين وانتظام عمل المؤسسات الدستورية وإقرار الإصلاحات المطلوبة لإخراج لبنان من أزمته».
وقف التدخلات الخارجية
وشدد «إعلان جدة» على وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية، والرفض التام لدعم تشكيل الجماعات والميليشيات المسلحة الخارجة عن نطاق مؤسسات الدولة، مؤكداً أن «الصراعات العسكرية الداخلية لن تؤدي إلى انتصار طرف على آخر، وإنما تفاقم معاناة الشعوب وتثخن في تدمير منجزاتها، وتحول دون تحقيق تطلعات مواطني دولنا».
وأكد «أهمية التنمية المستدامة، والأمن، والاستقرار، والعيش بسلام، ومكافحة الجريمة والفساد بحزم وعلى المستويات كافة، وحشد الطاقات والقدرات لصناعة مستقبل قائم على الإبداع والابتكار ومواكبة التطورات المختلفة».
وأعرب الإعلان عن «التزام الدول العربية بقيمها وثقافتها القائمة على الحوار والتسامح والانفتاح، وعدم التدخل في شؤون الآخرين تحت أي ذريعة، مع التأكيد على احترام قيم وثقافات الآخرين، واحترام سيادة واستقلال الدول وسلامة أراضيها، واعتبار التنوع الثقافي إثراء لقيم التفاهم والعيش المشترك».
وثمّن «إعلان جدة» حرص واهتمام السعودية بكل ما من شأنه توفير الظروف الملائمة لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي في المنطقة، خصوصاً في ما يتعلق بالتنمية المستدامة بأبعادها الثقافية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية.
وبحسب الإعلان، ستعمل المملكة خلال رئاستها للقمة الـ 32 على عدد من المبادرات، من أهمها تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ومبادرة الثقافة و«المستقبل الأخضر»، ومبادرة البحث والتميز في صناعة تحلية المياه وحلولها، إلى جانب مبادرة إنشاء حاوية فكرية للبحوث والدراسات في الاستدامة والتنمية الاقتصادية.
الأمن المائي
كما أكد مجلس الجامعة أن «الأمن المائي لكل من مصر والسودان جزء لا يتجزأ من الأمن المائي العربي»، رافضاً أي عمل يمس بحقوقهما في مياه النيل.
وشدد البيان على التأكيد المطلق على سيادة دولة الإمارات على جزرها الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى).
ورحب بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين السعودية وإيران في بكين، الذي يتضمن استئناف العلاقات الديبلوماسية، وإعادة فتح بعثاتهما، وتفعيل اتفاقية التعاون الأمني والاقتصادي.
ودان البيان توغل القوات التركية في الأراضي العراقية، مطالباً أنقرة بسحب قواتها من دون شروط.
كما دان البيان كل أشكال العمليات الإجرامية التي شنتها المنظمات الإرهابية في الدول العربية والعالم، ودعا الدول العربية التي لم تصادق على الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب إلى التصديق عليها.