لا شك أن للتنقل وللهجرة ضرورات وللسفر فوائد تحدث فيها الحكماء وأهل التجربة، ولكن سواء أكان البعد عن الوطن موقتاً بداعي العمل في الخارج، أو كان البعد عن الوطن شبه دائمٍ بقصد الهجرة؛ فالبعد هو محصلة في الحالين، ويترتب على هذا البعد ما يترتب من نتائج.
ثمة قداسة في نفس الإنسان تدفعه للعمل من أجل وطنه، وتنشئ في قلب صاحبها إخلاصاً متناهياً في الصدق نحو تراب هذا الوطن، ناهيك عن جملة من المشاعر المشبعة بالوفاء والحب يعبر عنها الإنسان تجاه وطنه، وتجاه قومه وبني جلدته، فماذا لو بعد المرء عن وطنه بقصد العمل؟ بالطبع الأمر أبسط مما نتصور فيلزم صاحبنا الذي ترك وطنه بقصد العمل أن يرسم لنفسه أفقاً ينتهي بعودته إلى وطنه، أما أن يفتح المغترب لنفسه ولأبنائه باباً لا يغلق من بعده خارج الوطن فإن ذلك أقرب إلى التوهم وملامسة الضياع، وصورة من صور اللامبالاة تجاه نفسه وتجاه أبنائه. إن الوطن أشبه بخلية نحل يخرج النحل منها للعمل وتعود إليها ولا تبطئ عليها! فهل سمعنا عن نحل ترك خليته؟ وصدق المتنبي في قوله: «لكل امرءٍ من دهره ما تعودا...»؛ فإن اضطر الإنسان للبعد عن الوطن للعمل، فليس من حقه أن يحكم على أبنائه بالمصير نفسه! وعلى النقيض من ذلك يجدر بمن كان بعيداً عن وطنه أن يسعف ذويه وينقذهم من مستنقع الغربة! فإن غرقت الأقدام في المستنقع ولم يعمل الإنسان على الوصول إلى النجاة فإنما هي مسألة وقت، وسيكون المصير هو الضياع!
كثير منا يعتقد أن الوطن بحاجة أهله! ولا أريد أن أغالط أحداً، لأنني أعتقد مثل الجميع أن الوطن لا يقوم ولا يتقدم إلا بعقول وسواعد أبنائه، ولكن في الوقت نفسه إن لم يقم الإنسان بدوره في هذا الجانب فسوف يتصدر لهذه المهمة من هو أهل لذلك، ولن يبخل عموم أبناء الوطن بطاقاتهم وبدمائهم لخدمة الوطن، ولكن إن تأخر من تأخر لأسباب يبرر بها بعده عن وطنه فهو وحده الخاسر، أما الوطن فعزيز ومتألق بمن فيه من المخلصين، لا أدري كيف يعاكس الإنسان في بعض الأحوال فطرته وطبيعة تكوينه ويرضى بالبعد، ولو راقت نفسه وصفت أحاسيسه لاكتشف عميق خطئه في البعد عن وطنه؛ أثق كل الثقة أن هناك نماذج وطنية وأناساً تغربوا وحافظوا على هويتهم ولكنهم ذاقوا المرارة في سبيل الحفاظ على تلك الهوية، أما الغالبية فقد ذابوا في تيارات الغربة لأنهم واجهوا بلا شك حزمة من الآثار السلبية انعكست مع الوقت عليهم وعلى من معهم! فكم رأينا أطفالاً تربوا في المهجر أو في الغربة وما أخذوا منها سوى لهجات دخيلة ليس على العربية فحسب، بل دخيلة حتى على اللهجة المحلية! فضلاً عن عادات اكتسبت من بيئات الغربة في العالم تتنافى مع التقاليد العربية، ناهيك عن أنهم حين تربوا بعيداً عن بلادهم حملوا جملة من الأشواق والذكريات والتجارب التي لا تمت إلى الوطن الأم بصلة! فماذا نحن صانعون؟ أهل الغربة بعيدون ليس بأجسادهم، بل بعيدون عن الوطن في سلوكهم اليومي وبهمومهم وأحلامهم وبحياتهم الاجتماعية وهم بعيدون بأشواقهم؛ والبعيد عن العين هو بعيد أيضاً عن القلب، وليس في القلب سوى الوطن.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]