خيرالله خيرالله / ... غياب قطعة من فلسطين!

1 يناير 1970 05:06 م
مع غياب «أبو سهيل»، يغيب جزء من فلسطين. تغيب قطعة منها. كان حسيب الصباغ وجهاً من الوجوه المشرقة التي ترمز إلى فلسطين الحقيقية، فلسطين التنوع والتسامح، فلسطين التعليم والتطور والارتباط بالعالم الحضاري. كان باختصار رمزاً للفلسطيني الشجاع والناجح الذي يناضل سياسياً من أجل تحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة. كان «أبو سهيل» الجناح المدني في حركة النضال الوطني الفلسطيني. لم ينسَ حسيب الصباغ يوماً أنه فلسطيني وأن عليه أن يوظف نجاحاته في حقل البناء والإعمار في سبيل فلسطين وفي سبيل تحقيق بعض من الحلم الذي يجول في بال كل فلسطيني. كان حسيب الصباغ رجل الخير والعطاء... من أجل فلسطين. لعب الدور المطلوب منه. أدى واجبه. بات في استطاعته الآن أن ينام الآن مرتاحاً قرير العين. في استطاعته أن يقول من حيث هو إنه كان مخلصاً لفلسطين وإنه خدمها حتى آخر رمق من حياته. لم يتردد يوماً في تقديم كل ما في مقدوره تقديمه من أجل انجاح المشروع الوطني الفلسطيني، في حين كان غيره من كبار الأغنياء يتهربون من القضية مستسلمين أمام الجاه والثروة. كان ذلك بالنسبة إلى هؤلاء البخلاء بمثابة الحل السهل. غالباً ما كان هؤلاء الأغنياء يغطون تقصيرهم بإطلاق الشعارات الكبيرة الرنانة التي تغنيهم عن المشاركة في دعم النضال الفلسطيني، أقله عن طريق تعليم مجموعة من الطلاب أو بناء مدرسة أو مستشفى. كان حسيب الصباغ على العكس من هؤلاء. لم يتردد يوماً في دعم النضال الفلسطيني، خصوصاً في مجال تعليم أكبر عدد من الفلسطينيين أو مساعدة المحتاجين.

تكمن أهمية حسيب الصباغ، الذي غاب قبل أيام عن تسعة وثمانين عاماً، في أنه كان دائم الوفاء لفلسطين وشعبها. لم يتخلَ يوماً عن واجباته تجاه الشعب الذي ينتمي إليه. وقد خدم القضية الفلسطينية أولاً عندما ساعد فلسطينيون في نهضة لبنان في مرحلة ما بعد النكبة. كان بين تلك النخبة الفلسطينية التي عملت على تطوير الاقتصاد اللبناني وجعل بيروت تلعب دوراً مميزاً على الصعيد الإقليمي. كانت بيروت في الخمسينات والستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي مقراً للشركات الكبيرة التي تعمل في مجال بناء العالم العربي. كانت بيروت مصرف العرب والمركز المالي الأهم في المنطقة. وكانت المدرسة والجامعة. ولا شك أن رجالاً مثل حسيب الصباغ وشركته «سي.سي. سي» لعبوا دوراً في بروز بيروت ونهضتها في تلك المرحلة. كان هناك عدد لا بأس به من الفلسطينيين عرفوا باكراً أهمية بيروت وقيمتها. بين هؤلاء أيضاً رجل مثل يوسف بيدس الذي أسس بنك «أنترا» وذهب في الستينات ضحية الهجمة على بيروت ودورها، وهي هجمة شاركت فيها دوائر إسرائيلية. بقي حسيب الصباغ وفياً للبنان مثلما كان وفياً لفلسطين، هو الذي تخرج في الجامعة الأميركية في بيروت، إلى أن عاد إليها وووري في ثرى لبنان.

كيف خدم حسيب الصباغ فلسطين وقضيتها؟ لم يخدمها بالمال فقط. خدمها بأن وظف علاقاته العربية والدولية كلها، التي استطاع بناءها بفضل نجاحه في مجال الأعمال، من أجل أن تصير فلسطين على الخريطة السياسية للشرق الأوسط. لم يكن حسيب الصباغ بعيداً عن كل ما من شأنه جعل العالم يعترف بفلسطين وبوجود شعب فلسطيني. لعب دوراً رئيسياً في جعل الإدارة الأميركية تتجاوز عقدة التعهد الذي قطعه هنري كيسينجر لإسرائيل والقاضي بالامتناع عن فتح حوار بين واشنطن و«منظمة التحرير الفلسطينية» في العام 1989. وقتذاك كان جورج شولتز وزيراً للخارجية الأميركية، ولم يكن الرجل بعيداً عن حسيب الصباغ وعن «سي. سي. سي». كان «أبو سهيل» من الفلسطينيين القلائل الذين يعرفون كيف التأثير بشكل إيجابي على الإدارة الأميركية، أي إدارة أميركية، خصوصاً منذ وصول الرئيس جيمي كارتر إلى البيت الأبيض في العام 1977. كثيرون ينسون أن كارتر كان أول رئيس أميركي تحدث عن «وطن للفلسطينيين»، وكان ذلك في بداية عهده.

في ما فعله كله حسيب الصباغ، كانت هناك إرادة مواجهة إسرائيل ومشروعها التوسعي عن طريق تأكيد وجود الشعب الفلسطيني كشعب يستحق الحياة وممارسة حقوقه المشروعة على أرضه. ترافق كل ما فعله «أبو سهيل» مع جهد ملموس يصب في رفع المستوى التعليمي لدى الإنسان الفلسطيني. كان العلم والنجاح رأسمال حسيب الصباغ ورفاقه الذين استطاعوا تقديم الفلسطيني إلى العالم بشكل حضاري بعيداً عن أي نوع من التزمت.

اشتد المرض على حسيب الصباغ في الأعوام السبعة الأخيرة من حياته. وفر ذلك عليه رؤية المشهد الفلسطيني في ظل الانقسامات التي تسببت بها حركات متطرفة تستخدم الدين لتشويه صورة الشعب الفلسطيني وقضيته وخدمة الاحتلال الإسرائيلي. كان حسيب الصباغ عملة نادرة. كانت فلسطين كل شيء بالنسبة إليه. حاول دائماً حماية الفلسطينيين من الانزلاق إلى المشاكل الداخلية في هذه الدولة العربية أو تلك، خصوصاً لبنان والأردن. لم يستطع في أحيان كثيرة سوى الحد من الأضرار التي لحقت بالقضية وبـ«منظمة التحرير الفلسطينية». لكن نجاحه الأكبر يظل في مساهمته في جعل الفلسطيني على الخريطة السياسية للشرق الأوسط. رفض أن تكون قضية فلسطين قضية لاجئين. سعى إلى تأكيد أنهم شعب يؤمن بثقافة الحياة والعلم والانفتاح. اليوم، أكثر من أي وقت، تفتقد فلسطين رجالاً مثل «أبو سهيل»... إنها لا تزال في حاجة إلى كثيرين من أمثاله الذين انتموا إلى جيل انقرض أو يكاد.



خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن