عندما التقى صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد (حفظه الله) النواب المعنيين في موضوع اسقاط فوائد مديونيات المواطنين سرعان ما أبدى عتبه على استعجال تفويت الفرص الاستثمارية على الكويت، ومنها مشروعا المصفاة الرابعة و«داو كيميكال» اللذان كان بالإمكان عدم الاستعجال في رفضهما وتعويض ذلك بتشكيل لجنة تحقيق لنصل من خلالها إلى محاسبة المقصرين والمخطئين، بدلا من تفويت الفرصة على البلد، إذ ان الفرصة التنموية التي ضاعت على الكويت كانت بعدما تم إلغاء مشروعي المصفاة الرابعة و«داو كيميكال»، فكان بالإمكان استفادة البلد منهما من جميع النواحي، خصوصا ان مشروع «الداو» قد بلغت قيمته الآن أربعة أضعاف القيمة التي كانت معروضة على الكويت!
نعم، لم تغب عن سموه خلال اللقاء الأبوي شجون المساءلة السياسية والعتب الأخوي على السادة النواب بعدما انكشفت بعض الأمور.
من المعلوم ان المجلس الأعلى للبترول قد وافق منذ فترة قصيرة على مشروع الشراكة «كي داو» المبرم بين شركة صناعة الكيماويات البترولية وشركة داو كيميكال العالمية بتاريخ 24 نوفمبر عام 2008، وأكد العزم على المضي قدما في الشراكة باجتماع لاحق في تاريخ 24/12/2008، إلا أنه بعد أيام عدة قام المجلس الأعلى للبترول بناء على طلب من الحكومة بالاجتماع في 28/12/2008 وأصدر قراره المتسرع بإلغاء مشروع الشراكة (كي داو)، وأرجع مجلس الوزراء سبب الإلغاء إلى الأوضاع الاقتصادية بالبلاد، وما تحمله من مخاطر، فيما أكدت الحكومة في بيانها عن سلامة الاجراءات القانونية، وعبرت عن ثقتها بالقيادات النفطية، وذلك كله حدث خلال فترة قصيرة ليتحول هذا المشروع الحيوي إلى أزمة سياسية بين الحكومة والمجلس بسبب تراجع الحكومة عن اتخاذها قرارا استراتيجيا سببه ضغوط بعض أعضاء البرلمان وتهديدهم بعصا الاستجواب، وهذه الخطوة ايضا أدت إلى استقالة أعضاء المجلس الأعلى للبترول الذين غاظهم ردة فعل السلطتين، ورغم ان مشروع الداو كيميكال قد مر على جميع المؤسسات الحكومية ذات الصلة، وتحت اشراف جميع القنوات القانونية إلا ان مشروع الشراكة أثار حفيظة أعضاء المجلس كونه يتضمن شرطا جزائيا يقضي بدفع الكويت مبلغ مليارين ونصف المليار في حال تراجعها عن هذا المشروع، وبالتالي أثار هذا الشرط الجزائي للمشروع غضب الجميع من دون النظر إلى أبعاده الذي ستجني الكويت من ورائه أرباحا خيالية، بكل أسف أصر بعض النواب على مساءلة وزير النفط السابق المهندس الخلوق محمد العليم في حال اصراره على تبني هذا المشروع، فضلا عن مساءلة واستجواب سمو رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد، بل وهناك من خلط موضوع مشروع «الداو» مع مشروع «المصفاة الرابعة» التي هي أصلاً لم يكتب لها أن توجد على أرض الواقع رغم محاسنها!
وبالتالي نرى ان الحكومة قد حسمت موقفها بالتراجع عن المشروعين الحيويين لتتجنب أزمتها السياسية مع البرلمان، ألا يجب الآن أن نقف وقفة جادة لنحاسب أنفسنا ونحاسب أعضاء البرلمان المعارضين لهذا المشروع، ألا يجب علينا أن نتساءل لماذا أصبحت قضية مشروع «الداو» والكويت أكبر مشكلة وأكثرها تعقيدا؟ فلماذا كلما تتقدم الدولة نحو خطة تنموية كبيرة أو إنشاء مشاريع صناعية أخرى، يقف البرلمان كحجر عثرة في طريقها ويؤجج الشارع الكويتي وكأنها كارثة الزمن؟ إن مشروع «الداو كيميكال» قد طرح منذ أعوام فلم يتحدث عنه أحد ولم تعره الكويت اهتماما بسبب الأزمة الاقتصادية في العالم، وفي تلك الأوضاع الاقتصادية في البلاد وتداعياتها، تصوره البعض منا كأنه سرقة المال العام مع الأسف! إلى أن أخذت القضية تتفاعل في أروقة المجلس، وكأنها مادة خصبة لإشعال التوتر بين السلطتين، وشاهدنا ايضا كيف كان قرار الحكومة مفاجئاً للجميع في اجتماعه الاستثنائي الذي أنهى فيه مشروع «الكي داو» بسرعة، على الاعتبار ان الاستمرار في عقده في هذا التوقيت ينطوي على قدر كبير من المخاطرة، مستندة بذلك إلى تداعيات الأزمة الاقتصادية المتلاحقة وآثارها من دون النظر إلى مستقبل المشروع واستثماره بالشكل الصحيح، لتتحمل الكويت مع الأسف فاتورة هذه الاتفاقية المربحة، غير ان شركة «داو كيميكال» الأميركية كانت على أمل كبير بالفوز بنصيب الشراكة مع شركة صناعات الكيماويات البترولية الكويتية «كي داو»!
إذ ان الشركة الأميركية «داو كيميكال» قد كررت مرارا طلبها المبني على أسس الاحترام المتبادل والمنفعة الاقتصادية والاجتماعية المتبادلة، والتي جاءت نتاج تاريخ يمتد إلى 111 عاما من دون أن تقبل أي ضرر على شركائها.
وعليه، نتحسر على مفاوضات الشركة التي فضلت أن تكون جديرة بالطاقات والمواهب الكويتية التي من الممكن أن تكون حجر أساس فيها بالتنسيق مع البنوك وشركات التدقيق والمحاسبة، كما ان «الداو كيميكال» كانت لديه فرص عظيمة ليؤسس شركة تكون من كبريات شركات البتروكيماويات حول العالم وأكبرها تأثيرا في الصناعة، ومن خلال هذا الدور العظيم كانت ستوجد بالتنسيق مع الكويت آلاف فرص العمل للشباب الكويتي حول العالم.
«رسالة»رسالة أوجهها إلى الذين رفضوا وعارضوا «مشروع الداو»، واعتبروها صفقة مشبوهة وسيئة وسارقة للمال العام عندما كان المهندس محمد العليم وزيراً للكهرباء والنفط، ماذا سيكون رأيكم اليوم بعدما تضاعفت قيمة مشروع «الداو» أربع مرات؟
حفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه...
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]< p>< p>