التطورات تجعل الأسد أكثر التصاقاً... بإيران

هدية «التوازن الدولي» لتركيا قضم المزيد من الأراضي السورية

18 يونيو 2022 09:20 م

في العام 2014، أيد الرئيس الفرنسي آنذاك فرنسوا هولاند فكرة نظيره التركي رجب طيب أردوغان، إقامة منطقة عازلة بين سورية وتركيا لاستقبال النازحين والمهجرين السوريين، ولكن الولايات المتحدة رفضت الفكرة وقاومتها.

لكن الأمور اختلفت اليوم، حتى بعد دخول روسيا الحرب في سورية ومساعدتها لدمشق وحلفائها على استعادة غالبية الأراضي من الفصائل المسلحة.

فقد قبض أردوغان على أوراق مهمة تحتاجها واشنطن وموسكو، ليعلن أنه يريد إحياء مطلبه السابق وقضم مساحة 30 كيلومتراً على طول الحدود مع سورية.

ويبدو أن المعركة الأولى للتقدم في الأراضي التي تسيطر عليها قوات الإدارة الذاتية الكردية واقعة لا محالة ولكن على مراحل وعلى نحو متدحرج.

تجد تركيا نفسها في موقع مثالي بين روسيا وأميركا، اللتين تريدان إرضاء أردوغان بعد اندلاع الحرب بين القوتين العظميين على الأرض الأوكرانية.

واشنطن تريد توسيع حلف شمال الأطلسي لتضيف السويد وفنلندا إلى الـ 30 دولة الحالية بهدف محاصرة روسيا وإبقاء الهيمنة الأميركية على الغرب وأوروبا بالتحديد.

ولذلك فهي تحتاج موافقة أنقرة التي تقف ضد انضمام أعضاء جدد إلى «الناتو»، مُختلقة عذر دعم السويد وإيوائها لقادة من «حزب العمال الكردستاني» التي تعتبره أنقرة (وأوروبا وأميركا) «إرهابياً»، وهو الحزب نفسه بفرعه السوري، الذي تدعمه القوات الأميركية في شمال شرقي سورية، والتي تمنع إعادة اللُّحمة مع الحكومة المركزية في دمشق.

من هنا، فإن رفع سقف مطالب تركيا يعني بعث رسالة لأميركا تنطوي على أنها مستعدة للتفاوض وهي تمسك بيدها ورقة لا بد لواشنطن أن تطلبها عاجلاً أم آجلاً.

فهناك ملفات قطع الغيار لمقاتلات «إف - 16» الأميركية التي تشكل عماد أسطول القوات الجوية التركية والتي تمنع الولايات المتحدة تصديرها بسبب العقوبات التي فرضتها إثر قرار أنقرة شراء منظومة «إس - 400» الروسية.

كما أن واشنطن أوقفت تسليم أنقرة مقاتلات «إف - 35» التي دفعت تركيا 1.4 مليار دولار من ثمنها وتسلّمت أربعة منها، إضافة إلى أن الطيارين الأتراك أبعدوا من أميركا قبل إنهائهم التدريب على المقاتلة المتطورة.

أما موسكو فهي أيضاً تمتلك مصالح إستراتيجية مع تركيا، مثل التبادل التجاري والسياحي وخط الغاز «تركستريم»، ورفض أنقرة إدخال أعضاء جدد إلى «الناتو» ودروها في الحرب الأوكرانية عبر الاستعداد لاستضافة الحوار الروسي - الأوكراني الذي توقف. إضافة إلى سيطرة أنقرة على مضيقي البوسفور والدردنيل، والأجواء التركية التي تحتاجها روسيا لحركة طائراتها من قاعدة حميميم الجوية السورية وإليها.

ورغم اختلاف السياسة التركية - الروسية في سورية، إلا أن موسكو مستعدة دائماً لدخول «البازار» والتفاوض، خصوصاً أن مصلحتها القومية والإستراتيجية فوق كل اعتبار.

فقد بدأت روسيا بإرسال الإشارات توحي بعدم اعتراضها على قضم تركيا المزيد من الأراضي السورية.

إلا أن هذا الموقف يحتاج لتحضيرات ومبررات خصوصاً أن من المفترض أن تكون دمشق أيضاً حليفاً إستراتيجياً لموسكو.

وبدأت روسيا بالطلب من أكراد سورية التفاوض مع دمشق لإعطاء المنطقة التي تريدها تركيا، للجيش السوري.

وتعلم موسكو أن أكراد سورية لا يملكون أي قرار لأن أميركا هي المهيمن الوحيد في الشمال الشرقي السوري.

وقد تجلى ذلك، عندما تخلت القوات الكردية عن إقليم عفرين وقبلت بتهجير أكثر من 300 ألف من الأهالي في عملية «غصن الزيتون» التركية، والذين تتم عملية بيع منازلهم وأراضيهم.

كل ذلك، لمنع سيطرة دمشق على الإقليم.

يقول مبعوث الرئيس الروسي إلى سورية ألكسندر لافرنتيف ان العملية العسكرية التركية «محتملة»، وأن هذا العمل سيكون «غير حكيم»، وتالياً فإن موسكو لم ولن تدفع بالمزيد من القوات إلى المناطق التي تريد تركيا احتلالها، وتالياً فان الرفض الروسي لم يحصل والموافقة الأميركية العلنية لم تحصل أيضاً رغم إشارات «خوف» أميركية خجولة من هذه العملية.

ومن المتوقع أن تقسم تركيا عملياتها إلى مراحل، تبدأ أولها بقضم تل رفعت ومنبج، لتعود في مرحلة أخرى نحو تل تمر وعين عيسى، وفي مرحلة بعيدة نحو القامشلي والحسكة والمالكية.

ولن تحصل أي عملية تركية من دون موافقة أو «غض نظر» أميركي - روسي. فإيران ترفض بشدة التوغل التركي لعلمها ويقينها ان أردوغان لن يتخلى عن أي شبر يحتله في سورية بل سيعتبره جزءاً من الأراضي التركية، كما يفعل اليوم في إدلب ومحيطها.

من الواضح أن الموقف الإيراني ينضم إلى الموقف السوري ويقوم على تعزيز القوات السورية والحليفة في محاولة للدفاع عسكرياً عن المناطق التي تريدها تركيا.

ولهذا، فقد زجت القيادة العسكرية السورية والمشتركة بقوات كبيرة في المنطقة لعلمها أن الأكراد لن يتحركوا من دون أوامر من القيادة العسكرية الأميركية التي لا تريد إغضاب أنقرة في هذا الوقت بالذات.

أما تركيا، فهي تعتقد أن الوقت المثالي لاحتلال أراضٍ سورية بسبب ما أفضى إليه التوازن الدولي، وأيضاً نتيجة وضعها الداخلي.

فالعملة متدهورة والداخل يغلي، ويُتهم المهجرون السوريون بتأجيج الأزمة الاقتصادية، وتالياً فان إخراج مليون ونصف المليون من أصل 4 ملايين لاجئ سوري يخدم مصلحة «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، انتخابياً.

واحتلال منطقة الشمال التي تشكّل السلة الغذائية والنفطية والغازية وفيها السدود المائية، يعتبر نصراً سياسياً لأردوغان.

إذاً هي عملية بيع وشراء بين أميركا وروسيا وتركيا.

وتدرك دمشق الأمر، وهذا ما يمنع الأسد من وضع «البيض السوري» في السلة الروسية، ويجعله أكثر تمسكاً والتصاقاً بإيران.

ويبقى الرهان على فشل أو نجاح العملية العسكرية المرتقبة... إنها مسألة وقت في انتظار «ساعة الصفر» التركية.