عبد الله مبارك الصباح يكتب: إليك يا والدي في ذكرى غيابك

15 يونيو 2022 01:18 م

كُنْتَ الكُوَيْتَ أصَالَةً وحَضَارَةً

ومَنَاقِباً عَرَبِيَّةً وجُذورا

البَحْرُ أنْتَ يَفيضُ عن شُطآنِهِ

قَدَرُ الكَبيرِ بأن يظلّ كَبيرا

بيتان للوالدة الغالية الدكتورة سعاد الصباح -أطال الله في عمرها على الطاعة- تصف فيهما وطناً ورجلاً وزمناً وثقافةً والتزاماً.

الكويت بأصالتها، وثقافتها العريقة... وسعيها نحو التطور الحضاري... لتضيفه إلى حضارتها الأخلاقية، ومناقبها العربية الأصيلة.

تلك فترة وضع أركانها رجال الكويت الكبار وقادتها الأفذاذ، وهم كثر، ويأتي في طليعتهم الشيخ عبدالله مبارك الصباح... طيب الله ثراه، آخر وأصغر أنجال مؤسس الكويت الحديثة الشيخ مبارك الصباح...

والدي الذي تعلمت منه الكثير، كما تعلم منه من عاصره من رجال الكويت مناقب أكثر.

والبيتان جزء من قصيدة طويلة ومؤثرة تحمل عنوان (آخر السيوف) ترثي بها رجلاً في مجموعة رجال، أغمض عينيه الإغماضة الأخيرة، في مثل هذا اليوم من عام 1991 بعد أشهر قليلة من التحرير بعد أن اطمأن على الكويت... وقد عادت إلى أهلها وعاد إليها أهلها بعد تجربة احتلال مريرة.

حقّق انتماء الكويت لعروبتها، وأسس الجيش والشرطة والأمن العام، وأطلق الإذاعة، وكوّن النوادي الأدبية، ونوادي كرة القدم وشجّع رياضة الفروسية ورعى سباقات الهجن وأرسى قواعد الطيران وأرسل البعثات الدراسية إلى الخارج لأول مرة في تاريخ الكويت، وشجع الاستثمار النفطي في كل اتجاه، بعد أن كان مسانداً للشيخ أحمد الجابر رحمه الله إبان حكمه، وكان حاضراً معه في تشغيل أول شحنة نفط في تاريخ الكويت، كما كان حاضراً وفاعلاً ومؤسساً في تدشين أول ناقلة نفط في تاريخ الكويت، كما كان مدشناً لأول دفعة ماء مُحلّى بالتقطير بمصنع كويتي.. سافر إلى العالم المتقدم من أجل تحقيقه على أرض الواقع، لينتهي بذلك زمن حاجة الكويت إلى الماء العذب، والتطلع الخجول أو نهم الحصول عليه من الدول المجاورة.

كما أسس قواعد التعليم بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للمعارف منذ العام 1947 وحتى مطلع الستينيات، وخلال رئاسته جلسات المجلس اتخذت تلك الجلسات قرارات مصيرية في تاريخ التعليم في الكويت وعلى رأسها اقتراح إنشاء جامعة الكويت، وأعلن في جريدة الكويت اليوم من خلال إدارة المعارف عن إعداد سجل تاريخي للكويت يشجع فيه المواطنين على جمع الوثائق التي تحفظ تاريخ الوطن.. ثم شجع الكشافة في جيل الشباب من طلبة المدارس وحضر معهم راعياً مناسباتهم، وخلال زياراته الرسمية لبريطانيا وغيرها من دول القرار والدول العربية، كان يخصص جزءاً من برنامج الرحلة، لزيارة طلبة الكويت المبتعثين، يطمئن على أحوالهم وتحصيلهم العلمي، ويسمع آراءهم ويتلمس احتياجاتهم، وهو الغرس الذي غرسه في نفسي، وجعلني أميل دوماً لرعاية الطلبة المتفوقين وتشجيعهم.

كما شجع الحركة الأدبية والتأليف والصحافة سواء في الداخل أو الخارج، وأسس مجلة حماة الوطن، واستكتب لها قمم الأسماء من الأدباء العرب. كما كان أحد أهم الداعمين للمؤتمر الرابع للأدباء العرب الذي عقد في الكويت عام 1958، واستضاف في قصر مشرف كبار الأدباء الذين حضروا إلى الكويت في تلك المناسبة... سعياً لأن تظل الكويت بناء على ذلك قبلة يحضر إليها كبار الأسماء العلمية والأدبية من كل الأقطار العربية، حتى أصبحت الصحافة الكويتية مثالاً يحتذى به... وعلى رأسها مجلة العربي التي أصبحت إشعاعاً حضارياً في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه.

كما شجع تعليم الفتاة، ووقف مع حق المرأة في التعلم والتعليم، واتخاذ القرار والمشاركة في نهضة المجتمع.

كان رجلاً كبيراً بمعنى الكلمة... يحلم عندما يتطلب الموقف الحلم، ويغضب عندما يستدعي الأمر الغضب... وهو لا يغيب عندما يستدعي الموقف حضوره.

وعلى مستوى الأسرة... كان مظلة أمان لنا... معلماً وقائداً وأباً رحيماً كريماً.

كان عبدالله المبارك سيفاً من سيوف هذا الوطن... وهكذا هي السيوف دائماً...

رحمك الله أباً وملهماً... في ذكرى غيابك.