محمد صالح السبتي / العقلاء يدفعون الثمن

1 يناير 1970 12:03 م
يدفع العقلاء في مجتمعنا ثمن مواقفهم العقلانية والمتزنة، وهذا الثمن غالباً ما يكون باهظاً، فثمن المواقف العقلانية في مجتمعنا لأي نائب مثلاً هو السقوط في أي انتخابات مقبلة، وثمن هذه المواقف لأي وزير هو الخروج من الوزارة، أضف إلى ذلك كماً هائلاً من الإشاعات والأقاويل، وكذا الحال لأي مفكر أو كاتب... ودفع ثمن العقلانية ليس قاصراً على مجتمعنا أو زماننا، بل هو حال غالبية العقلاء والمتزنين في المجتمعات والأزمنة كلها.

قد تستغرب هذا لكنه هو الحقيقة، لأن السفهاء والغوغاء هم الذين يديرون الدفة وبأيديهم زمام الأمور، فهم الذين يوجهون الرأي العام، ولذلك يكون صوت العقل والاتزان نشازاً.

في مجتمعنا ونحن نناقش قانون إسقاط فوائد القروض على أعلى مستوى، فالنقاش يتم في البرلمان لأن فيه ممثلي الأمة، وحين تسمع آراء هؤلاء القياديين وتوجهاتهم، وتستمع الى آراء النواب الرافضين لهذا القانون، وما يقال عنهم في الصحافة أو في الدواوين... ترى كيف يطفو الزبد ويُذم العاقل، وترى ثمن مواقف العقل تدفع أمام عينيك.

لا أظن شخصاً ما على مستوى متوسط من الثقافة أو يعرف ولو قدر أنملة من المبادئ القانونية أو لديه ولو نافذة واحدة على العقل المتزن إلا ويرى في هذا القانون من المثالب والعيوب ما لا توجد في الظلم نفسه.

القانون لم يشم للدستورية رائحة، وليست فيه أدنى مبادئ العدالة، وهو بغض النظر عن هذا كله لا يحقق المراد منه، ولا يحقق سوى المصالح الشخصية لبعض الأفراد، ومع هذا كله يستميت كثيرون من قياديي المجتمع لإقراره، وعندما يقف البعض الآخر الموقف الصحيح العقلاني برفضه يواجهون بسيل عارم من النقد والتجريح والانتقاد... وسوف يدفع هؤلاء العاقلون ثمن عقلانيتهم إما خسارة في أي انتخابات تجري وإما هجوماً شنيعاً عليهم.

ومن هنا، كان الإصلاح في المجتمعات جهاداً، لأن الجهاد فيه بذل للنفس والمال، وقد يُقتل الإنسان أو يخسر ماله أو يُجرح، والإصلاح كذلك يحتاج الى بذل وتضحية، وهذه هي عادة المصلحين في المجتمعات، إذ يبذلون ويعلمون تمام العلم أن الإصلاح جهاد قد يؤذيهم، لكنهم يتحلون بالصبر، وتكفيهم راحة ضمائرهم والتفاف العقلاء حولهم.

هذا الكلام لا يكفي... بل الواجب اليوم على جميع أفراد المجتمع ممن يوافقني الفكرة وأطيافه على جميع المستويات أن يشدوا من أزر هؤلاء العقلاء وأن يقفوا معهم... أن يساندوهم... وعلى من يوافقني الفكرة من الصحافيين أن يكتب مساندة لهؤلاء بالاسم، حتى يعرف صوت العقل في مجتمعنا أن هناك من يقف وراءه... لا تتركوا عقلاءنا في ساحة المعركة وحدهم مكشوفي الظهر، فالمسألة جهاد حقيقي وحرب ضروس بين الصحيح والعقل والمنطق من جهة وبين الخطأ والغوغائية من جهة أخرى، وما أصدق المتنبي، إذ يقول:

ذو العلم يشقى بعلمه

وذو الجهالة في الجهالة ينعم





محمد صالح السبتي

كاتب كويتي

[email protected]