ملاحظات شرعية على اقتراح القانون حول الديون
1 يناير 1970
06:08 م
| بقلم الدكتور عصام خلف العنزي* |
اطلعت على الاقتراح بقانون بشأن إعادة جدولة أرصدة القروض الاستهلاكية والمقسطة المستحقة على المواطنين، ووجدت أن هناك بعض الملاحظات الشرعية التي تعيب على هذا الاقتراح وهي كالآتي:
1 - الإخلال بنظام العدل بين أفراد المجتمع:
مما لا شك فيه أن العدل ميزان الله في الأرض، وهو قوام الدين والدنيا، وسبب صلاح الخلق، وبه قامت السموات والأرض. قال تعالى: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ». ومن أعظم أمور العدل، العدل بين الرعية وعدم تفضيل بعضهم على بعض إلا بمسوغ شرعي، أو أمر يحقق مصلحة للدولة. وعليه فإن إسقاط جزء من الدين على بعض أفراد الرعية دون البعض الآخر لا شك أن فيه ظلما، لأن هذا المال ملك للجميع، وليس للبعض دون البعض جاء في تعريف المال العام بأنه: «كل ما ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه، بل هو لهم جميعاً، وعليه فإن تصرف ولي الأمر في هذا الأمر يكون كتصرف ولي اليتيم في مال اليتيم، كما قال عمر بن الخطاب «اني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة ولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت».
يعني ذلك أن يُتصرف في المال بالذي يرى أنه خير للمسلمين وأصلح لأمرهم، دون التصرف بالتشهي والهوى والأثرة.
وعدم العدل في قضية إسقاط جزء من الدين وإعادة جدولة الجزء الآخر واضحة من خلال امرين:
أ - عدم مساواة من اقترض بآخر لم يقترض، فالأول استفاد من الأموال العامة بينما الآخر لم يستفد شيئا لكونه لم يقترض.
ب - عدم المساواة بين المقترضين أنفسهم، فأحدهم سوف تسقط الدولة عنه 20 الفاً وآخر 10 آلاف وآخر 100 دينار فلا توجد مساواة بين المقترضين.
ومما لا شك فيه أن هذا ظلم ظاهر وواضح وبيّن لا يجوز في دين الله.
كما أن الشريعة أتت بأحكام متعددة لمعالجة موضوع الشخص الغارم سواء من أموال الزكاة أو من غيرها، فلا يجوز أن نسوي بين الغارم الذي يجد سداداً لدينه مع الغارم الذي لا يجد سداداً لدينه.
2 - درء المفاسد وجلب المصالح: الشريعة جاءت بدرء المفاسد وجلب المصالح للناس، فإذا جاء النص من كتاب أو سنة على مسألة معينة فلا يسعنا إلا اتباعهما فيما نصا عليه، وإن لم يوجد النص على المسألة فإننا ابتداء نستعين بأهل الاختصاص لتوضيح المسألة، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره كما قرره العلماء، وفي مسألة إسقاط جزء من الدين عن بعض أفراد المجتمع دون بعض، أدلى أهل الاختصاص برأيهم في الموضوع فها هو البنك المركزي أكد على ضرر هذا الأمر على الاقتصاد العام للدولة، وكذا اتحاد المصارف بين ذلك أكثر من مرة، وها هو اتحاد الشركات أوضح في مرات عدة عدم صحة هذا الأمر، وغرفة التجارة والصناعة ممثلة برئيسها في عدة مقابلات بين خطر ذلك، ومركز الشال المتخصص في الدراسات الاقتصادية بين أن هذا فيه ضرر على اقتصاد البلد، فهل يعقل بعد ذلك أن نضرب عرض الحائط برأي كل هؤلاء المهتمين بالشأن الاقتصادي، فاتفاق هؤلاء على الرأي بأن هذا الأمر فيه مفسدة على الاقتصاد له حظه من النظر الشرعي، فلو أن مريضا بالسكر سأل شيخا عن صومه في رمضان، فإن الشيخ سيوجهه إلى سؤال الطبيب، فإن أقر الطبيب بقدرته على الصوم وجب الصوم، وإن أخبره الطبيب بعدم قدرته على الصوم وأن هذا سوف يسبب له ضررا له حرم عليه الصوم وكذا في أي شأن، ولا سيما الشأن الاقتصادي».
3 - الإيداع في البنوك التقليدية: نصت المادة الثانية من القانون المقترح، أن يقوم البنك بإسقاط كافة الفوائد والعوائد المستقبلية التي تترتب على هذه المديونيات نظير ما تم إيداعه من مبالغ نقدية لدى البنوك من قبل المؤسسات الحكومية.
ولنا وقفة في هذه المادة من ناحيتين:
أ- إما أن يكون الإيداع في هذه البنوك نظير فائدة ربوية تحصلها الجهات الحكومية، وهذا الأمر ما اتفق على تحريمه بين العلماء المعاصرين وصدرت فتوى مجمع الفقه الإسلامي بهذا الخصوص والتي تنص على «أن كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حلّ أجله وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة أو الفائدة على القرض منذ بداية العقد، هاتان الصورتان ربا محرمتان شرعا».
ب - أو أن يكون هذا الإيداع من دون فائدة، وبمعنى آخر أن يكون قرضاً حسناً من الجهات الحكومية للبنوك، وهذا أمر مخالف للشرع أيضاً، لأن في هذا إعانة واضحة لهذه البنوك على الإقراض بفائدة. وهو مخالف لقوله تعالى: «وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ».
وعليه فإن إسقاط الفوائد نظير أن تودع الجهات الحكومية مبالغ في البنوك أمر غير جائز في الشريعة الإسلامية، كما أن الجهات الحكومية لو اضطرت إلى الإيداع في تلك البنوك فإنه لا يحق لها أن تتنازل عن تلك الفوائد بل تحصّل هذه الفوائد وتصرفها في مصالح المسلمين مما يجوز صرف مثل هذه الأموال فيه، فلا تتركها لكي تتقوى تلك البنوك بها أكثر فأكثر، وهذا ما نص عليه قرار المجمع رقم 13 (1/3).
كما أن القاعدة الفقهية «الحاجة تقدر بقدرها» فلم يبين الاقتراح مدة بقاء هذه الأموال لدى البنوك هل هي لسنة أو لعشر سنين أم لعشرين سنة، فتجاوز مدة الحاجة التي استثنى الحكم لأجلها ومخالف لأحكام الشريعة الإسلامية.
4 - إلحاق ضرر بالمؤسسات المالية الإسلامية: أعتقد أن الاقتراح بقانون تم الاستعجال بإخراجه، ولم يلحظ الاقتراح بعض المصطلحات التي لها أثر من الناحية الشرعية، فمثلاً جاء في نص المادة الأولى تعريف للعميل المقترض والمديونية وكلاهما قصر العلاقة التعاقدية بين العميل والبنك على عقد القرض كما هو واضح من نص التعريف، وأغفل بهذا عمل البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، لأنها لا تتعاقد مع عملائها على هذا الأساس، فلا يوجد في الشريعة الإسلامية إلا القرض الحسن، وهو ما لا تقدمه المؤسسات المالية الإسلامية لعملائها، وبهذا حرم الاقتراح المؤسسات المالية الإسلامية من الاستفادة - لو كان فيه فائدة- من هذا المقترح، لأنه لا ينطبق عليها التعريف الذي صدر في هذا الاقتراح، لأنها باختصار لا تقدم قروضا لعملائها.
كما أن المادة ذاتها جعلت الحكم وجوبيا على البنوك التقليدية وجوازياً بالنسبة للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في ما يتعلق بتقسيط أصل الدين وهذا فيه تفرقة بين متماثلين.
5 - حكم الفوائض المالية في الدولة: إذا فاض المال في خزينة الدولة بعد أداء الحقوق التي عليها فإن الفقهاء اختلفوا ما الذي يصنع بهذا الفائض، فمنهم من قال لا يدخر ويتم توزيعه كله، وهذا فيه إضرار باقتصاد البلد، ومنهم من قال انها تدّخر لمواجهة الصعاب التي تواجه الدولة، ومنهم من قال إن ولي الأمر مفوض بالتصرف بهذا الفائض، إلا أن صاحب جواهر الإكليل نقل عن مدونة الإمام مالك ما يلي: «يبدأ في الفيء بفقراء المسلمين، فما بقى يقسم بين الناس بالسوية، إلا أن يرى الإمام حسه لنوائب المسلمين».
فإيجاد طريقة تفرز الناس المحتاجة عمن لا يحتاج أفضل من إعطاء البعض دون البعض الآخر، لأن المال كما في النص السابق يقسم بالسوية دون تفضيل مجموعة على أخرى، وهذا هو مقتضى العدل، فقد ذكر الإمام ابن تيمية أن جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة، أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بينهم بالعدل. فمن اقترض لشراء مسكن يسكن فيه يختلف عمن اقترض للسياحة مثلاً، ومن اقترض لمعالجة ابنه يختلف عمن اقترض لشراء سيارة فارهة وهكذا، فالمساواة بين هؤلاء في إسقاط شيء من الدين عنهم يخالف مقتضى العدالة.
6 - لا يتوصل بالحرام إلى الحلال: أعلم أن بعض الأخوة القائمين على هذا الاقتراح هدفهم مساعدة الناس، والتخفيف من أعبائهم المالية، وأيضاً بعضهم يرى بأنها فرصة لتعديل بعض القوانين بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، إلا أنه مما هو معلوم لا يتوصل بالحرام إلى الحلال، بمعنى تعديل القوانين بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية لا يتأتى عن طريق ظلم شريحة من المجتمع ليست بالقليلة، وكلام الفقهاء بأنه يدرأ الضرر العام بارتكاب الضرر الخاص ليس على إطلاقه بل مع تعويض هذا المتضرر لا أن يترك هملا، فلو احتاجت الدولة إلى هدم بيت من الناس لعمل طريق مع أن هذا الهدم فيه ضرر على هذا الإنسان إلا أن ضيق الطريق فيه ضرر أكبر فإن الفقهاء يقولون إنه يهدم هذا البيت مع تعويض صاحب البيت عن الضرر الذي لحق به. وعليه فإن الغاية لا تبرر الوسيلة، بل لا بد أن تكون الغاية مشروعة والوسيلة أيضا مشروعة، فلا يتوصل إلى تعديل القوانين بما يتوافق مع أحكام الشريعة بارتكاب ظلم يلحق الناس أو ضرر يلحق اقتصاد البلد.
* عضو هيئة التدريس جامعة الكويت
(كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - قسم الفقه)< p>