بلينكن في المغرب... وأهمية لقاء محمد بن زايد

31 مارس 2022 10:00 م

ثمة جانبان للزيارة التي قام بها انتوني بلينكن وزير الخارجيّة الأميركي للرباط. هناك الجانب العربي والجانب المغربي وهما جانبان متكاملان ومترابطان. في الجانب العربي، التقى بلينكن الشيخ محمّد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي وفي الجانب الخاص بالمغرب، أجرى محادثات مع رئيس الوزراء عزيز اخنوش ومع وزير الخارجية ناصر بوريطة ومسؤولين آخرين.

ليس صدفة أن يلتقي بلينكن الشيخ محمّد في المغرب الذي تربطه علاقة تاريخيّة وثيقة بدولة الإمارات في وقت ثمّة تباين في وجهات النظر الإماراتيّة - الأميركيّة في ما يخص ملفّات عدّة. استضاف المغرب دائماً لقاءات عربيّة ودوليّة كونه دولة منفتحة على العالم وعلى ارتباط مباشر بأحداثه.

في مقدّمة الملفات التي تثير قلقا عربيّاً، التهافت الذي تبديه إدارة جو بايدن في اتجاه عقد صفقة مع «الجمهوريّة الإسلاميّة» الايرانيّة في شأن برنامجها النووي وكأنّ الملفّ النووي الإيراني يختزل كلّ أزمات المنطقة.

تشمل الصفقة التي تتطلّع واشنطن إليها العودة إلى اتفاق العام 2015 الذي وقّع في عهد الرئيس باراك أوباما... ورفع جانب كبير من العقوبات الاميركيّة على ايران.

باختصار، لا تربط الصفقة بين سلوك إيران خارج حدودها وبين برنامجها النووي، بل تعني إطلاق يد «الحرس الثوري» في السير الى أمام في مشروعه التوسّعي في المنطقة، وهو مشروع يعتمد أساساً على المال الإيراني وعلى ميليشيات مذهبيّة منتشرة في العراق وسورية ولبنان... واليمن.

حوّلت إيران، التي دمّرت لبنان، جزءاً من اليمن قاعدة صواريخ بالستيّة وطائرات مسيّرة تستخدمها «الجمهوريّة الإسلاميّة» في الاعتداء على المملكة العربيّة السعودية ودولة الإمارات العربيّة المتحدة...

من المهمّ أن يطّلع وزير الخارجية الأميركي على وجهة نظر عربيّة، خاليّة من العقد، تسمّي الأشياء بأسمائها من جهة وتعرف تماما ما هو على المحكّ في الشرق الأوسط والخليج من جهة أخرى.

من المفيد في كلّ وقت إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع الإدارة الأميركيّة بغض النظر عن مواقفها المسبقة من ايران وجهلها بالسياسات التي تتبعها ومدى خطورتها على الاستقرار الإقليمي.

لم تستطع الإدارة الأميركيّة الحاليّة إدراك معنى الاستسلام أمام إيران و«الحرس الثوري» ومعنى الاستعانة بهما من أجل تعويض النقص العالمي في الغاز والنفط، وهو نقص ناجم عن الحرب الأوكرانيّة وما تلاها من عقوبات على روسيا.

لماذا على العرب دفع ثمن الفشل الأميركي في أوكرانيا؟

من حسن الحظ أن دولة الإمارات استطاعت بفضل سياسة متوازنة أن تأخذ في الاعتبار مصالحها وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة في كلّ الاتجاهات.

شمل ذلك روسيا والصين والدول الاوروبيّة الفاعلة. دعت الامارات منذ البداية الى التعاطي بطريقة مختلفة مع الأزمة الاوكرانيّة وذلك قبل تفاعلها وتحولها الى حرب تهدّد العالم كلّه.

ما قد يكون مفيداً أكثر، اطلاع وزير الخارجيّة الأميركي من وليّ عهد أبوظبي على وجود قرار عربيّ مستقلّ فعلاً يقوم على أنّ حلفاء أميركا في المنطقة ليسوا مجرّد تابعين لها وإنّما لديهم وجهة نظر في كلّ الأمور مهما كانت صغيرة وثانويّة.

العلاقة بين الجانبين علاقة أخذ وردّ.

لا يمكن لإيران، على سبيل المثال، إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة انطلاقاً من اليمن وان تبقى اميركا في موقف المتفرّج غير آبهة بما يقوم به الحوثيون.

لن يستمع إليك العالم إذا لم تثبت أن لديك موقفا منطقياً تستطيع الدفاع عنه الى النهاية.

هذا ما بدأت تدركه إدارة جو بايدن التي قد تكون تفاجأت بانّ دولة مثل الامارات لديها خيارات كثيرة وانّها تعرف تماما كيف الدفاع عن مصالحها مستندة الى شبكة من العلاقات العالميّة عرفت كيف تقيمها وكيف تستثمر فيها وتحويلها في خدمة مصلحتها ومصلحة الشعب الإماراتي والمقيمين في دولة تقوم على فكرة التسامح.

في الجانب المغربي من زيارة بلينكن، يبقى لافتاً ثبات العلاقة بين واشنطن والرباط، خصوصاً في ما يتعلّق بقضيّة مفتعلة هي قضيّة الصحراء. هناك علاقة مغربيّة - أميركيّة ذات طابع استراتيجي لا يغيّره تبدّل الإدارات في واشنطن.

لم تتراجع إدارة بايدن عن الموقف الذي اتخذته إدارة دونالد ترامب أواخر العام 2020 القاضي بالاعتراف بمغربيّة الصحراء.

أكثر من ذلك، لم يكن النجاح المغربي في جعل إسبانيا تطوّر موقفها من قضيّة الصحراء في اتجاه الاعتراف بصحة الموقف المغربي منها سوى تأكيد لواقع يتمثّل في أنّ العالم يسير نحو الاعتراف بحقّ المغرب في المحافظة على وحدته الترابيّة.

عرف المغرب ربط الاعتراف الأميركي بمغربيّة الصحراء بأمور أخرى من بينها تطوير العلاقة مع إسرائيل. لم يكن حضور وزير الخارجيّة المغربي اللقاء الذي انعقد في صحراء النقب الى جانب وزراء خارجيّة أميركا وإسرائيل ومصر والامارات والبحرين، سوى دليل على بعد النظر الذي يمتلكه الملك محمّد السادس في كلّ ما من شأنه خدمة بلده والشعب المغربي.

صار مهمّا أن يقنع بلينكن الذي توجّه من المغرب الى الجزائر، مضيفيه بأنّ التصعيد مع المغرب لا يفيد في شيء وانّ الجزائر قادرة على لعب دور إيجابي في المنطقة كلّها.

يكتشف وزير الخارجيّة الأميركي من خلال جولته التي شملت إسرائيل والأراضي الفلسطينيّة والمغرب والجزائر، أنّ لدى أهل المنطقة رأيهم أيضاً وأنّ على أميركا التصرّف بطريقة تأخذ في الاعتبار مصالح حلفائها.

هؤلاء مستعدون للاستماع الى ما لديها، لكنّ عليها في المقابل الاستماع الى ما لديهم. لديهم همومهم ولديهم مصالحهم. الأهمّ من ذلك كلّه ان حلفاء الولايات المتحدة هم المُعتدى عليهم. ايران تتدخّل في شؤونهم ولا أحد يتدخّل في شؤون «الجمهوريّة الإسلاميّة».

سيظلّ السؤال هل ساهمت جولة بلينكن في استعادة الحدّ الأدني من الثقة التي افتقدها الحلفاء بالولايات المتحدة منذ دخل بايدن البيت الأبيض؟