أزمات الجزائر

20 أغسطس 2021 07:41 م

يهرب النظام في الجزائر من أزمته إلى المكان الخطأ. يهرب في اتجاه قطيعة مع المغرب. أن تردّ الجزائر على اليد المغربيّة الممدودة بـ«إعادة النظر» في علاقاتها مع الرباط بعد اتهامها، ظلماً، بالتورط في الحرائق الضخمة التي اجتاحت شمال البلاد، أمر مثير للاستغراب فعلاً.

لكنّه أمر يكشف في الوقت ذاته عمق الأزمة التي يعيش النظام في الجزائر في ظلّها والتي تجعله في حال من التخبط المزمن.

في أساس أزمة النظام، الذي أسّسه هواري بومدين في العام 1965، تحوّل مجموعة من الضبّاط إلى الحكام الفعليين لبلد غنيّ بدّدت ثرواته على كلّ شيء باستثناء التنمية.

ما ذنب المملكة المغربيّة إذا كانت الجزائر لا تمتلك، مثل المغرب، طائرات مخصّصة لمكافحة الحرائق؟ الأكيد أن ردّ النظام الجزائري على التقصير لا يكون بالهرب منه... إلى المغرب. ليس مثل هذا الهرب سوى تعبير عن مدى عجز النظام من جهة وعمق القطيعة القائمة بينه وبين الشعب الجزائري من جهة أخرى. قطيعة النظام الجزائري هي مع الشعب وليست مع المغرب بأيّ شكل. كلّ ما في الامر أن النظام يخشى أن يزور الجزائريون المغرب لاكتشاف كيف استطاع بلد لا يمتلك ثروة نفطية بناء نفسه.

يحاول النظام في الجزائر افتعال أزمة كبرى مع المغرب لعلّ ذلك يعفيه من مصالحة حقيقية مع الشعب. لن تحلّ له أي أزمة مفتعلة مع المغرب أيّ مشكلة. لا لشيء سوى لأنّ الشعب الجزائري ليس بالسذاجة التي يظنّها. لو كان الشعب الجزائري ساذجاً، لما أجبر عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة بعدما حاول الحصول، عبر المحيطين به، على ولاية خامسة.

ليس في استطاعة هذا النظام اختلاق خطر خارجي غير موجود أصلاً. الموجود فعلاً هو ما يعاني منه النظام الذي يرفض الاعتراف بأنّه مفلس سياسياً واقتصادياً وفكريّاً وأنّ عليه الاستفادة من المغرب ومن التعاون معه بدل الاستمرار في ممارسة لعبة لا يعرف غيرها. اسم هذه اللعبة تصدير الأزمة الداخلية إلى خارج الحدود.

سبق للمغرب، بتوجيهات من الملك محمّد السادس أن عرض مساهمة طائراته في إطفاء الحرائق في الجزائر. تجاهلت الجزائر العرض مثلما تجاهلت تأكيدات العاهل المغربي حرصه إعادة فتح الحدود المغلقة بين البلدين «التوأمين». الحدود مغلقة منذ العام 1994. بدل الاستعانة بالمغرب الحريص دائماً على مصلحة الشعب الجزائري والجزائر نفسها، لجأ النظام الي استئجار طائرات تستخدم لاطفاء الحرائق من دول أوروبية. زاد على ذلك كلّه كيل كلّ أنواع الاتهامات إلى المغرب. شملت هذه الاتهامات العلاقات التي أقامها المغرب مع إسرائيل في سياق سياسة متوازنة تخدم مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيتّه.

قد يكون أغاظ الجزائر أن المغرب استقبل إسماعيل هنيّة رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» ثم يائير لابيد وزير الخارجية الإسرائيلي. كلّ ما يفعله المغرب، إنّما يفعله من فوق الطاولة. لم يتاجر المغرب بالشعب الفلسطيني وقضيّته يوماً. لم يستضف جماعة «أبو نضال» أو «جماعة وديع حدّاد» التي اخترعت عمليات خطف الطائرات ومنشقين عن «فتح» من أجل المتاجرة بهم مع إسرائيل وغير إسرائيل، خصوصا مع الأجهزة الغربيّة أو تلك التابعة لبلدان أوروبا الشرقيّة في مرحلة ما قبل انهيار جدار برلين. لم يكن غريباً إحباط إسرائيل عمليّات عدّة كان مفترضاً أن يشنها فلسطينيون انطلاقاً من الجزائر. آخرها كانت في العام 1985 عندما فجّر كوماندوس إسرائيلي سفينة أعدت للانطلاق من ميناء عنابة الجزائري في اتجاه الشواطئ الإسرائيلية. ما هذه القدرة الإسرائيلية على اكتشاف وجود مثل هذه السفينة في المياه الجزائرية قبالة عنّابة؟

غريب البيان الصادر عن اجتماع استثنائي للمجلس الأعلى للأمن برئاسة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. خصص الاجتماع لتقييم الوضع العام عقب الحرائق الضخمة التي أودت بحياة 90 شخصاً على الأقل في شمال الجزائر، أي في مناطق قبائلية تعاني منذ سنوات. جاء في البيان إنّ «الأفعال العدائية المتكررة من طرف المغرب ضد الجزائر (تطلبت) إعادة النظر في العلاقات بين البلدين وتكثيف المراقبة الأمنية على الحدود الغربية». ما هو مضحك أكثر ان تتهّم الجزائر المغرب بتشجيع جماعة انفصالية في الجزائر. ليست هذه التهمة سوى محاولة مكشوفة لتبرير الحرب التي تشنّها الجزائر بطريقة غير مباشرة على المغرب منذ استعادته أقاليمه الصحراويّة بطريقة سلميّة. لم يدر النظام الجزائري يوماً أنّ أي تشجيع لأي انفصال في دولة مجاورة له سيرتدّ عليه عاجلاً أم آجلاً...

الأزمة في الجزائر داخليّة. انّها ازمة نظام يظنّ ان التصعيد مع المغرب هو الحلّ في حين ان الحلّ في مكان آخر. الحل في اعتماد التواضع والواقعية وامتلاك الجرأة على القيام بعملية نقد للذات والتخلّص في الوقت ذاته من عقدة المغرب.

نقطة البداية في الاعتراف بانّ الخيار الوحيد أمام النظام هو في عدم مقاطعة الشعب الاستفتاء على الدستور وقبل ذلك الانتخابات الرئاسيّة وبعد ذلك الانتخابات النيابيّة.

عاش النظام في الجزائر، منذ ولادته وهم الثورة الزراعيّة ووهم الثورة الصناعيّة ووهم التعريب ووهم الانتصار لحق تقرير المصير للشعوب؟

عملياً عاش النظام على وهم أنّ لدى الجزائر نموذجاً تصدّره الى خارج حدودها. مع الوقت، ومع تبديد الثروة النفطية والغازيّة، تبيّن ان ليس لدى النظام ما يصدّره غير ازمته في لعبة تجاوزها الزمن. عندما يتحدّث رئيس الأركان الجزائري السعيد شنقريحة عن أنّ الحرائق في الجزائر «جزء من مؤامرة شاملة» من دون ان يقدّم أي دليل على ما يقوله، أقلّ ما يفترض فيه الاعتراف بانّه اذا كانت من مؤامرة على الجزائر، فإنّ ثمة من في الداخل وراء هذه المؤامرة.