خيرالله خيرالله / السلاح غير الشرعي آفة لبنان...

1 يناير 1970 05:07 م
من حق رئيس مجلس النواب اللبناني السيد نبيه بري الدعوة إلى الغاء الطائفية. ما ليس من حقه استخدام الطائفية وضرورة التخلص منها، وهذا كلام حق، للتغطية على الباطل المتمثل بالآفة الكبرى التي يعاني منها لبنان. إنها آفة السلاح غير الشرعي. أكان هذا السلاح لدى ميليشيا «حزب الله» أو لدى غيره.

نص «اتفاق الطائف» بشكل صريح على ضرورة الغاء الطائفية في المرحلة النهائية من تنفيذ الاتفاق. ولكن هل طبق «اتفاق الطائف» بحذافيره حتى يأتي الوقت الذي يدعو فيه رئيس مجلس النواب إلى إلغاء الطائفية؟ لا يحتاج لبنان حالياً إلى الغاء الطائفية، علماً أن الطائف دعا إلى التمهيد لذلك عن طريق تنفيذ سلسلة من الخطوات الإصلاحية. المؤسف أن معظم الخطوات الاصلاحية التي يفترض أن تسبق إلغاء الطائفية تعثرت لأسباب يطول ذكرها. لعلّ أخطر ما في الأمر، أن الطائفية ترسخت أكثر في نفوس اللبنانيين في الأعوام القليلة الماضية. الأدهى من ذلك أن الانقسامات التي شهدها البلد حديثاً أخذت بُعداً مذهبياً أقل ما يمكن ان يوصف به أنه بغيض. من هنا لا مفر من المباشرة بالعمل الجدي من أجل إزالة الطائفية والمذهبية من النفوس أولاً. ماذا ينفع الكلام عن إلغاء الطائفية مادام اللبنانيون في أيامنا هذه طائفيين ومذهبيين أكثر من أي وقت؟

ما قد يحتاجه لبنان الآن يتمثل في العمل الجدي من أجل أن تكون هناك مساواة بين المواطنين من جهة وإخراجه من وضع «الساحة» التي تتصارع فيها القوى الإقليمية من جهة أخرى. لا مجال للمساواة بين المواطنين من دون إحياء لمؤسسات الدولة. ولا مجال لإخراج لبنان من وضع «الساحة» في غياب سلطة قوية تعبر عن تطلعات المواطنين وتعمل على تجسيدها على الأرض.

بدلاً من الدعوة إلى إلغاء الطائفية، يفترض في جميع السياسيين في هذا البلد الصغير التفكير في ما هو أهم من ذلك بكثير. بكلام أوضح، عليهم البحث جدياً في كيفية التخلص من أي سلاح غير شرعي بعيداً عن الشعارات التي لا تطعم خبزاً ولا تأتي بالكهرباء. والسلاح غير الشرعي ليس سلاح «حزب الله» فقط، بل السلاح الفلسطيني أيضاً. هناك على الأراضي اللبنانية قواعد فلسطينية خارج المخيمات. ما دور هذه القواعد في التصدي لإسرائيل واسترجاع الأرض؟ هل لها دور آخر غير تأكيد أن لبنان مجرد «ساحة» للآخرين وأن الجيش الوطني لا يسيطر على أراضي الجمهورية كلها؟

آن أوان طرح الأسئلة الحقيقية. من بين الأسئلة: كيف يمكن التوفيق بين القرار الرقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في أغسطس من العام 2006 وبين وجود سلاح غير شرعي على الأراضي اللبنانية؟ إن كل فقرة في القرار 1701 تؤكد أن لا حاجة إلى سلاح غير سلاح القوى الشرعية اللبنانية في مقدمها الجيش الوطني الذي عاد إلى جنوب لبنان بعد غياب استمر ثلاثين عاماً. لماذا عاد الجيش إلى الجنوب؟ أوليست موازين القوى الإقليمية التي فرضها القرار 1701 هي التي أعادته إلى الأرض اللبنانية المحاذية لخط الهدنة مع إسرائيل بعدما كان مجرد الكلام عن ضرورة نشر الجيش في الجنوب بمثابة ارتكاب فعل خيانة؟

ربما كان الرئيس نبيه بري يتحدث عن إلغاء الطائفية في ضوء الحاجة إلى إخراج النظام اللبناني من أزمته. هناك أزمة نظام في لبنان. لا مفر من الاعتراف بذلك، خصوصاً في ضوء التطورات التي شهدها البلد منذ الانتخابات النيابية الأخيرة. أظهرت تلك التطورات أن نتائج الانتخابات لا تعني شيئاً مادام هناك سلاح لدى هذا الطرف أو ذاك. كشفت مرحلة ما بعد الانتخابات أنه يصعب على أي طرف معالجة هذه الأزمة في ظل وجود سلاح لدى فريق من الأفرقاء وفي ظل الانتشار الفلسطيني المسلح في الأراضي اللبنانية كلها.

ما العمل إذاً؟ الأكيد أن الكلام عن إلغاء الطائفية في ظل الظروف الراهنة يخيف قسماً لا بأس به من اللبنانيين. لكن الأكيد أيضاً أن التصدي للسلاح بالسلاح مستحيل وعمل عبثي، إلا إذا كان هناك من يريد العودة إلى الحرب وتهجير قسم من اللبنانيين، خصوصاً المسيحيين من البلد. وإلى اشعار آخر ليس هناك لبناني يتمنى العودة إلى العنف. أقصى ما يستطيع أن يفعله السياسيون الواعون في هذه الأيام هو الاكتفاء بالمحافظة على السلم الأهلي وعلى ما بقي من مؤسسات الدولة ومقاومة السلاح بالتأكيد يومياً أنه لا يخدم إلا العدو الإسرائيلي بشكل مباشر أو غير مباشر.

في الواقع، ليس أمام اللبنانيين سوى الرهان على الوقت من دون التنازل عن المبادئ التي يأتي على رأسها رفض السلاح غير الشرعي، أياً تكن الجهة التي تحمله وأياً تكن الشعارات التي تتلطى بها هذه الجهة. في النهاية، إن التصدي للسلاح بشكل سلمي يمثل المقاومة الحقيقية لإسرائيل وغير إسرائيل.

في النهاية أيضاً، سيكتشف جميع اللبنانيين، من الطوائف والمذاهب كلها أنه ليس لديهم مكان يلجأون إليه غير لبنان. ستثبت الأحداث التي ستشهدها المنطقة أن الصيغة اللبنانية، المبنية على العيش المشترك من دون الاستعانة بالسلاح، أقوى بكثير مما يعتقد وأن في الإمكان الاستعانة بالصيغة لتطوير النظام وحتى «اتفاق الطائف» وصولاً إلى إلغاء الطائفية. يظل الشرط الأول والأهم تفادي الإقدام على أي خطوة تحت ضغط السلاح. السلاح خطر على الجميع بما في ذلك على الذين سيتخدمونه. السلاح لا يبني وطناً. السلاح هو الطريق الأقصر إلى الحروب الداخلية. السلاح لا يطوّر نظاماً ولا يلغي الغرائز الطائفية والمذهبية، بل يخرج هذه الغرائز من عقالها. لذلك كان من الأفضل لو انتظر الرئيس بري قليلاً قبل أن يخرج بموقفه الأخير الذي أثار الكثير من الحساسيات التي لا شك أن لبنان واللبنانيين في غنى عنها....



بقلم: خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن