«الراي» تحدّثت الى مصممة الديكور أماني منيمنة

لبنانية على محطة الوقود... بطلة في زمن الانهيارات

7 يوليو 2021 10:00 م

- خريجة ديكور وتصميم داخلي من أحد المعاهد الفنية ودرست تصفيف الشعر
- العمل لا يعيبني ولا يقلّل من قيمتي بل يقويني ويعطيني الإصرار على المضي قدماً
- حاولت إزاحة عبء وتكاليف معيشتها عن كاهل والديها
- طلبت من المحبين الكفّ عن الاتصال بها لأن هاتفها لم يعد يتحمّل وإذا «خرب» لا يمكنها إصلاحه

حين يسمع المرء خبر عمل لبنانية على محطة للوقود في جنوب لبنان، يحتار إن كان يجب أن يشعر بالفخر لجهود تلك الصبية التي تحدّت واقعها وكسرت كل التقاليد لتكسب لقمة عيشها وتكون سنداً لأهلها، أم يشعر بالأسى لِما آلت إليه أوضاع بلد الأرز الذي بات يجبر أبناءه على التخلي عن أحلامهم والسعي وراء أي عمل يبعد عنهم شرّ العوز.

لا شك أن أماني منيمنة الصبية الجميلة المثقفة استطاعت أن توحّد اللبنانيين حول عملها على محطة للوقود بحيث تحولت بين ليلة وضحاها إلى واحد من رموز الصمود وتحدي الظروف الصعبة للبنان في انهياره نحو الهاوية.

مثلها مثل الكثير من خريجي الجامعات والمعاهد في لبنان وجدت أماني نفسها أمام حائط مسدود، ففرص العمل قليلة لا بل نادرة أمام الشباب فإما الهجرة وترْك الأهل والبلد، وإما محاولة حفر الصخر بأظافرهم وتحدي الوضع القائم ليحجزوا لأنفسهم مكاناً في سوق العمل.

تخرجت أماني كمصمّمة ديكور وتصميم داخلي في أحد المعاهد الفنية ودرست أيضاً تصفيف الشعر علّها تجد وظيفة ترضي حسها الفني في أي من المجالين.

ولكن مع تفاقم الأزمة المعيشية في لبنان وتقهقر وضع العائلات صارت عائلة أماني من العائلات التي وجدت نفسها فجأة تفقد مستواها المعيشي المعتاد وتنحدر الى حال من الضيق المادي. فوجدت الصبية الرقيقة نفسها مدعوة بفعل تربيتها وتقديرها لجهد والديها مضطرة الى إيجاد أي عمل يمكن أن يساعد الوالدين في تأمين متطلبات العائلة ويساعدها كصبية على إزاحة عبء وتكاليف معيشتها عن كاهل والديها.

تقول أماني لـ «الراي»: «ليست لديّ مشكلة في العمل ولو على محطة وقود مقابل ألا يحتاج أهلي شيئاً وألا أطلب مصروفي منهم».

بدأت العمل على محطة في صيدا وهي منطقة سبق أن كانت لها تجربة في الماضي مع عمل الصبايا على أرضها ولاقت حينها نجاحاً واستحساناً لكن ظروفاً أمنية مرت على المنطقة جعلت التجربة تلك تتلاشى.

ومعروف في لبنان أن هذا النوع من الأعمال غالباً ما يتولاه عمال أجانب كانوا يقصدون البلد البعيد للاسترزاق والقيام بأعمال بسيطة كان يأنف اللبنانيون وقتها القيام بها.

ولذلك شكل وجود أماني على المحطة بدل العمال الأجانب صدمة لكثيرين من الناس. فمن هي هذه الصبية الجميلة التي رضيت بأن تتخلى عن المظاهر الزائفة المرتبطة بعمل الفتاة وارتضت أن تواجه بجرأة المتنمّرين الذين تصادفهم ومَن لا يزالون ينظرون بفوقية الى بعض الأعمال، والغاضبين الذين يتحملون مشقة انتظار ساعات في طوابير الذل أمام المحطات في ظل أزمة المحروقات؟

الحلم المكسور

أماني صبية لم تستطع تحقيق حلمها في الوصول الى الجامعة بعد دراستها في المعهد الفني نظراً الى الظروف الاقتصادية للبنان فقررت العمل في إحدى محطات الوقود في صيدا.

لم تخش نظرة الناس أو حكمهم عليها ولم تفكر بصورتها كأنثى وكم يمكن أن تتأثر نتيجة ذلك بل عقدت العزم على العمل لأن العمل كما تقول «لا يعيبني ولا يقلل من قيمتي بل على العكس يقويني ويعطيني الإصرار على المضي قدماً». وهي تؤمن بأن الرب سبحانه وتعالى يخبئ لها ربما شيئاً أفضل للمستقبل.

لأماني شقيقان وقفا الى جانبها ودعماها ولم يكن لهما أي اعتراض على عملها، وشقيقات يبدو من تعليقاتهن أنهن يفخرن بها وبالشهرة التي نالتها نتيجة عملها. أما والدها ووالدتها ففخوران بابنة أثبتت أنها على قدر الثقة وتُبادِلُهما كل الحب والتضحية التي بذلاها في سبيلها وسبيل أشقائها وشقيقاتها.

صاحب المحطة غسان غدار لم يجد حرجاً في تشغيل صبية جميلة على محطته ولم يأبه لِما يمكن أن يثيره الأمر من ثرثرة، فيما رفاق أماني في المحطة قد شكّلوا الدرع الحامية لها التي تحفظها من أي تنمّر أو إزعاج. أما «غروب الصبايا» كما تسميهن أي الرفيقات فقد شجّعْنها ووقفن الى جانبها في وقت لم يكن أحد سواهن يعرف بطبيعة عملها.

جرأة وحياء

حتى الأمس القريب كان عمل أماني في المحطة شأناً خاصاً بها ومعرفة الناس به محصورة بقلة من الأشخاص المقربين، الى أن حدث ما لم يكن بالحسبان وانقلبت حياة الصبية بين ليلة وضحاها من العمل المجهول بعيداً عن العيون والأضواء الى الشهرة على صعيد الوطن بأكمله.

فأماني التي كانت رغم جرأتها تشعر بشيء من التحفّظ حين تصادف شخصاً تعرفه وتبادر الى الابتعاد قليلاً، التقت بوالد إحدى الصديقات وهو «عمو حسين» كما تسميه الذي لمَحها من بعيد وهو يقترب من إحدى محطات الوقود بعد انتظار طويل. وحين لمحته بدورها توارت حتى لا تخدش الصورة التي بباله عنها لا سيما أنها صديقة لابنته.

لكن حسين طبوش أصرّ على أن يخرج من سيارته ويأتي بها من داخل المحل ليعبّر لها بكلمات مؤثّرة عن أنها «أشرف من الكثير الكثير من الأشخاص الذين يأكلون وينفقون الأموال من غير تعب ومن كثير من الشباب الذي يتكلون على أهلهم في مصروفهم أو أهل يتكلون على أولادهم ومن أشخاص يدعون عمل الخير وهم يجنون أموالهم من مصادر غير مشروعة».

وحينها وجدها تشمخ في العالي وتتخلى عن خجلها وتعلن فخرها بأنها تعمل وتأكل من تعبها.

كان لهذه الحادثة أن تمر مرور الكرام لو لم يبادر العم حسين الى نشر «بوست» على «فيسبوك» عما حصل ناشراً صورته مع أماني.

وما هي إلا ساعات حتى انقلبت الدنيا رأساً على عقب وانتشر على كل مواقع التواصل بسرعة النار في الهشيم جاعلاً من أماني بطلة في موسم الهزائم والذل.

فانهالت عليها الاتصالات من كل حدب وصوب وأجرت أكثر من لقاء تلفزيوني سريع حتى انها طلبت من المحبين الكفّ عن الاتصال بها لأن هاتفها لم يعد يتحمل وإذا «خرب» لا يمكنها إصلاحه...

شهرة لم تأتِ عن عبث رغم تأكيد أماني أنها لم تقم بأي شيء مميز وأن كثيرات غيرها يعملن بوظائف وأشغال مختلفة، لكن شهرتها الفجائية هذه إنما تعبّر عن توق اللبنانيين الى خبر مفرح مشرّف يروون به ظمأ أيامهم القاحلة الملأى بالخيبات والى أملهم بالشباب اللبناني الذي يمكنه بإصراره وتصميمه أن يقلب المنظومة الفاسدة ويقدم نموذجاً شفافاً نظيفاً كبديل عنها.

الأمل

ورغم فرحتها بالشهرة وشكرها لكل من تضامن معها ووضعها تحت الأضواء التي ربما تفتح لها آفاقاً أبعد وأوسع لا تزال أماني تتابع عملها في ظروف صعبة في ظل أزمة البنزين المستفحلة في لبنان وما يرافقها من مآسٍ يومية.

وتروي أنها بابتسامتها ولطفها وكلماتها المهدئة تعمل على التخفيف من توتر المنتظرين وغضبهم.

وقد صادفت قبل أيام سيدة كانت على وشك الانهيار بالبكاء فيما تنتظر في صف البنزين فسارعت إليها وهدأتها بكلمات لطيفة ودعتها الى الصبر فما كان من السيدة إلا أن نزلت من سيارتها وحضنتها وقبّلتها داعية لها من كل قلبها بالتوفيق.

لا شك أن أماني منيمنة لا تزال كما كل الفتيات تصادف إزعاجاً وتنمراً من بعض الشبان لكنها لا تكترث للأمر مطلقاً فهي فخورة بما تقوم به وتعرف قيمة نفسها وتدعو جميع الشابات الى عدم الاستسلام لأي عائق وتشجعهن على خوض غمار أي عمل يحببنه ولو لم يكن مألوفاً في المجتمع.

وما قصتها سوى خير دليل على ذلك، وشهرتها صفعة على خدّ دولة لم تؤمّن لشبابها مستقبلاً يرضي أحلامهم وطموحاتهم.