إسبانيا في الماضي والمغرب في المستقبل

22 مايو 2021 10:00 م

ليس استقبال إسبانيا زعيم «بوليساريو» إبراهيم غالي وإدخاله أحد مستشفياتها بهوية مزوّرة سوى تعبير عن خفة في التعاطي السياسي مع موضوع في غاية الأهمية هو العلاقة بين مدريد والرباط.

استقبلت إسبانيا شخصاً مطلوباً من العدالة فيها، لا لشيء سوى لإظهار تضايقها من المغرب الذي لم يتوقّف في السنوات الأخيرة عن تحقيق تقدّم على كل المستويات، خصوصاً على صعيد تأكيد مغربيّة الصحراء.

لم تستطع إسبانيا، المتمسكة بملفات الماضي الاستعماري وذكرياته، استيعاب أن العلاقة الطبيعية، أي العلاقة الخالية من العقد، مفيدة للبلدين، خصوصاً أن المغرب ينظر الى المستقبل والى جسر، تحت المياه أو فوقها يربط بين البلدين اللذين لا تفصل بينهما بحراً سوى كيلومترات قليلة.

مثل هذا الجسر، يجعل من إسبانيا إحدى بوابات المغرب الى أوروبا ويجعل من المغرب بوابة إسبانيا الى أفريقيا، خصوصاً في ظلّ الاختراقات التي لا تخفى على أحد والتي حققتها المملكة المغربيّة في السنوات الأخيرة في ظلّ قيادة الملك محمّد السادس في مختلف أنحاء القارة السمراء.

يظل السؤال لماذا ذهبت الحكومة الإسبانية الى هذا الحد في تحدي المغرب؟ يعود الجواب بكل بساطة الى أن إسبانيا لم تستطع التخلي عن عقلية الهيمنة من جهة ولم تقتنع بأنّ عليها إقامة علاقة متوازنة مع جار مهم مثل المملكة المغربية من جهة أخرى.

ليس معروفاً بعد ما هي مشكلة إسبانيا مع المغرب، لكنّ اللافت أنّها متضايقة من أنّه استطاع تحقيق إنجازات على صعد مختلفة في السنوات الـ22 الماضية.

توجت هذه الإنجازات باعتراف أميركا بمغربية الصحراء التي كانت في الماضي مستعمرة إسبانية.

هل الحنين الى الماضي الاستعماري وراء التصرفات غير المنطقية لاسبانيا في تعاطيها مع المغرب؟ واضح أن إسبانيا، عبر استقبال زعيم جبهة «بوليساريو»، التي ليست سوى أداة جزائرية، انضمت الى جوقة المبتزين للمملكة المغربية التي أثبتت دائماً أنها دولة مسالمة تسعى الى استرداد حقوقها الطبيعية بعيداً عن أي نوع من العنف.

يظل أفضل دليل على ذلك «المسيرة الخضراء» التي أعادت الصحراء الى المغرب بالوسائل السلمية.

زحف 350 ألف مغربي في نوفمبر من العام 1975 في اتجاه الصحراء بغية استعادة تلك الأرض التي بقيت طويلاً مستعمرة إسبانية.

لم يطلق المغرب رصاصة واحدة من أجل استعادة أرضه. جاءت «المسيرة الخضراء» التي دفع في اتجاهها الملك الحسن الثاني، رحمه الله، في وقت كانت إسبانيا تتطلّع الى المستقبل.

في العشرين من نوفمبر 1975، توفّى الجنرال فرانكو الذي حكم إسبانيا وأقام نظاماً ديكتاتورياً ابتداء من العام 1938.

جاءت «المسيرة الخضراء» في وقت كانت إسبانيا تتطلّع الى المستقبل والى الانفتاح على محيطها وعلى العالم.

كان الانسحاب من الصحراء المغربيّة واعادتها الى أصحابها بالتفاهم مع موريتانيا أيضا، جزءا من هذا الانفتاح الذي عبّرت عنه استعادة الملك خوان كارلوس للعرش وبدء مرحلة جديدة من تاريخ اسبانيا في ظلّ نظام ديموقراطي حقيقي مهّد عملياً لدخولها الاتحاد الأوروبي ولعب دور نشط وفاعل أوروبياً ودولياً.

ليس طبيعياً استفزاز المغرب الذي راعى إسبانيا الى أبعد حدود وحافظ على أمر واقع كان مفترضاً أن يتمرّد عليه بسبب وجود جيبين إسبانيين في أرضه (سبتة ومليلة).

تفهّم المغرب دائماً الوضع الإسباني ووجود جبل طارق، الذي هو أرض إسبانية تحت السيادة البريطانية.

سعى المغرب الى تفادي أيّ مشاكل مع اسبانيا التي لم تردّد في الماضي في استفزازه بكلّ الوسائل المتاحة، بما في ذلك إثارة موضوع جزيرة ليلى المغربيّة، في اثناء تولي اليميني خوسيه ماريا اثنار رئاسة الحكومة بين 1996 و2004.

لم ينفعل المغرب.

على العكس من ذلك، ترك إسبانيا تهدأ.

هدأت اسبانيا بالفعل بعدما خلف الاشتراكي خوسيه لويس ثاباتيرو في العام 2004 الاشتراكي خوسيه ماريا اثنار الذي لم يتردّد في إحدى المرات بالطلب من المسلمين الاعتذار بسبب احتلالهم اسبانيا.

وكان يشير بذلك الى مرحلة الوجود العربي في الاندلس! لا شيء يمنع المغرب من الرد على أي استفزاز يتعرّض له، خصوصا انّه يمتلك وسائل الردّ.

فالصبر المغربي لا يعني ضعفا، بل يعني حكمة قبل أي شيء آخر، حكمة تحلّى بها الملك محمد السادس منذ صعوده الى العرش صيف العام 1999.

أظهرت تجارب الماضي أنّ الحكمة من أركان السياسة المغربيّة التي سمحت باستعادة الصحراء سلما في ظلّ إجماع شعبي على تحويل هذه القضيّة المرتبطة بتوحيد التراب الوطني الى قضيّة وطنيّة.

لا شكّ أن الأزمة المغربيّة – الإسبانيّة أزمة عميقة. ليست استضافة إسبانيا لابراهيم غالي سوى رأس جبل الجليد في هذه الأزمة التي في أساسها وجود قوى في الداخل الاسباني تسعى الى الانتماء الماضي.

هناك حنين لدى هذه القوى الى أيّام الاستعمار.

لا تدري هذه القوى أن المرحلة التي كانت فيها اسبانيا دولة استعماريّة ولّت الى غير رجعة.

من هذا المنطلق، ليس عيباً أن تدعم إسبانيا المغرب وأن تستفيد من تجربته في الانفتاح على أفريقيا بدل خلق مشاكل لا أفق لها تصبّ في استرضاء نظام حاقد هو النظام الجزائري الذي افتعل قضيّة غير موجودة هي قضيّة الصحراء من منطلق أنّه لا يفكر إلّا في كيفية إيذاء المغرب وابتزازه.

من المستغرب تصرّف دولة محترمة مثل إسبانيا بالطريقة التي تتصرّف بها تجاه المغرب. لا وجود لتفسير منطقي للسلوك الإسباني تجاه المغرب سوى البحث عن كلّ ما يمكن أن يسيء إليه. في الواقع، تسيء إسبانيا الى نفسها.

قد يكون التفسير الوحيد للسلوك الاسباني، ذلك الماضي الاستعماري لهذا البلد الذي لا يريد إدراك أن المغرب بلد مسالم يتطلّع الى المستقبل ولا يسعى سوى الى استعادة وحدته الترابية سلما.

هل تدرك اسبانيا أن لغة الحوار مع المغرب، بدل اللجوء الى التحدي والاستفزاز، كفيلة بحلّ أي مشاكل قائمة، هذا إذا كانت في الأصل مشاكل مصدرها المغرب...