خيرالله خيرالله / البحرين: الملتقى الإعلامي في إطار الإصلاح!

1 يناير 1970 05:07 م
كان «ملتقى الإعلام العربي الأول» الذي استضافته المنامة فرصة للتأكد من أن في مملكة البحرين مكانا لكثير من التواضع ولكن هناك أيضاً مكان لكثير من الطموح في منطقة أقل ما يمكن أن يوصف الوضع فيها بأنه في غاية التعقيد. لا يعني التواضع في أي شكل التخلي عن الجرأة في التصدي للمشاكل المطروحة على الصعيدين الداخلي والإقليمي، بما في ذلك السعي الدؤوب إلى بناء البلد على أسس متينة تقوم على تنويع الاقتصاد والسير في الاصلاحات السياسية إلى النهاية بغض النظر عن العراقيل التي تواجه التجربة التي تمر بها المملكة، خصوصاً في الأعوام العشرة الأخيرة بعدما تولى زمام القيادة الملك حمد بن عيسى آل خليفة.

كان التواضع الذي يعكس مقداراً كبيراً من الرغبة في تنمية الثروة البشرية، في بلد يعرف حدود امكاناته وأهمية موقعه، واضحاً طوال جلسات «ملتقى قادة الإعلام». أظهر الملتقى الذي رعاه رئيس الوزراء الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة أن البحرين مصممة على تخطي الحواجز التي تحول دون بناء دولة عصرية أياً تكن الصعوبات. وبدت الخطوة الأولى في هذا المجال الكلام الصريح عن الواقع العربي، وعن التحديات التي تواجه الإعلام، وعن أهمية الحرية. كان لافتا في الجلسة الأولى لـ «الملتقى الإعلامي»، الذي يعود الفضل في تأسيسه إلى الزميل ماضي الخميس، التركيز على الحرية. لعب الزميل ماضي دوراً اساسياً عبر الملتقى في جمع أكبر عدد من الصحافيين القادرين على المساهمة في تطوير المهنة على الصعيد العربي. كان هناك ممثلون لقطاعات إعلامية حكومية في دول خليجية وغير خليجية طالبوا بهامش أكبر من الحرية. كان هناك إدراك لمدى أهمية التكنولوجيا وتمكن العالم العربي من التعاطي مع الثورة التكنولوجية واستيعابها، وتوظيف ما توفره من تسهيلات في خدمة الإعلام الحر بدل أن يكون مجرد عبد لها. وكان هناك في الوقت ذاته خوف لدى عدد لا بأس به من المشاركين في الملتقى من تأثير المال على الإعلام وتحكمه به. بدا أن هناك وعياً، أو على الأصح بداية وعي، لخطورة الاعتقاد بأن المال يمكن أن يصنع إعلاماً، فتصبح هناك صحافة من دون صحافيين. وهذه حال بعض الصحف العربية الآن. انها صحف تعتقد أن كمية الإعلانات التي فيها، وهي عائدة إلى ارتفاع اسعار النفط في مرحلة معينة أساساً، تغني عن الاستعانة بصحافيين حقيقيين، أو بالتنبه إلى أهمية العامل المهني في عمل الصحيفة، أي صحيفة. نبه غير مشارك في الملتقى إلى أهمية الجانب المهني في العمل الصحافي، ووجوب عدم ترك المال يؤثر على تحديد من هو صحافي ومن هو غير صحافي. وذهبت الجرأة بمشاركة في اللقاء إلى الإشارة إلى الدور الذي تلعبه بعض القنوات الفضائية في تشجيع ظاهرة التطرف في المجتمعات العربية، وحذرت حتى من أن بعض القنوات الدينية صارت «قنوات تسلية»!

كان مهماً أن يستمع المشاركون في الملتقى إلى السيد محمد بن عيسى وزير الخارجية المغربي السابق الذي رأس الجلسة الأولى من الملتقى، وبن عيسى المتمرس بالصحافة والاعلام، إذ بدأ حياته المهنية صحافياً وإعلامياً، تحدث عن توازنات جديدة في العالم وكيف أن العولمة لم تنجح كما كان متوقعاً بمعناها السياسي والاقتصادي مشيراً إلى بروز قوى جديدة في العالم. أما الشيخة مي بنت محمد آل خليفة وزيرة الثقافة والإعلام والمهتمة بأدق التفاصيل التي تضمن النجاح الإعلامي والثقافي للبحرين، فقد حددت ما تطمح إليه المملكة من خلال استضافتها للملتقى. أوضحت أن الأمر يندرج في إطار المشروع الإصلاحي للملك حمد بن عيسى «الذي أرسى دعائم راسخة للبناء والتحديث، والانفتاح على العالم واحترام حرية الكلمة والنظرة الشاملة للأفق العربي والدولي مع مواكبة كل تقدّم ومساندة كل عمل عربي مشترك، ودعم كل تقارب بين الدول والشعوب» مضيفة: «أن الانتصار لحرية الكلمة والرأي والتغيير مؤشر جوهري إلى تعزيز فضاء الاتصال والحوار». مهم أن يصدر مثل هذا الكلام عن وزير عربي للثقافة والإعلام. وما قد يكون أهم من ذلك، أن يترافق الكلام مع أفعال توفر له صدقية. ففي البحرين صحف معارضة بالفعل مستعدة لتوجيه الانتقادات الحادة إلى الحكومة. وهي انتقادات محقة أحياناً كما أنها من باب الافتراء في احيان أخرى.

بهدوء وتأن ومزيد من التواضع، تتابع البحرين تجربتها التي تشبه إلى حد ما وفي بعض النواحي تجربة سلطنة عمان. ما هو مشترك بين سلطنة عمان ومملكة البحرين لا يقتصر على التواضع فحسب، بل على التهذيب والذوق في التعاطي مع الآخر أيضاً. هناك شعب مهذب في البحرين كما في سلطنة عمان. وهناك في البحرين، التي انطلقت منها نهضة التعليم في المنطقة، سعي دؤوب إلى المحافظة على التراث بعيداً عن المبالغات، حتى لا نقول عن قلة الذوق. ما يقوم به «مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة» يعطي فكرة عن أهمية عامل الذوق في المحافظة على التراث. انشأ المركز بيوتاً تراثية عدة بينها بيت لتراث البحرين الصحافي وآخر للشعر وبيت للأطفال ومكتبة لهم ومركز للمعلومات. إنه إدراك في العمق لدور الثقافة في محاربة الفكر الإرهابي والتطرف الديني بكل أشكاله.

ليس سراً أن البحرين تواجه تحديات كثيرة، خصوصاً أن أوساطاً في إيران لا تتردد بين الحين والآخر في التذكير بمطامعها في المملكة مستندة إلى قدرتها على إثارة الغرائز المذهبية. وليس سراً أيضاً أن البحرين عرفت دائماً كيف تواجه هذه التحديات الخطيرة من دون أن تفقد البوصلة التي تدل على الاتجاه الصحيح. الاتجاه الصحيح هو الاصلاحات والتعاطي مع ما يدور في العالم بكل إيجابية، وتكريس الدور المالي للمنامة على صعيد المنطقة. يحصل كل ذلك بهدوء وكثير من التواضع بعيداً عن أي نوع من المبالغات. انها الوسطية كما تمارس في مملكة تعرف دائماً أن عليها مواجهة تحديات من نوع خاص جداً عائدة إلى تركيبتها الاجتماعية، وموقعها الاستراتيجي، وقلة الدراية العربية في ما هو مهم إقليمياً في بعض الأحيان!



خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن