في زمن الإنترنت وأجهزة الاتصال الذكية، تكاد المكتبات العامة تهجر آخر روادها، لا سيما الشباب منهم، مسلمة الراية للمتصفح الإلكتروني ومحركات البحث فائقة السرعة.
وفي ظل تدني معدلات القراءة لدى المواطن العربي، حتى باتت الصبغة العامة للناطقين بلغة الضاد أنهم أمة لا تقرأ... ولأن الحقائق التاريخية باتت راسخة في أن لا تقدم أو ازدهار، إلا بالقراءة والاطلاع... ولا قفز للأمم إلى ركب الحضارة، إلا من خلال اهتمامها بأجيال حريصة على انتهال المعرفة... يغدو من الواجب الوطني بذل جهود استثنائية وتوفير ميزانية ضخمة، لتحديث مكتباتنا العامة، لتواكب روح العصر، وتبقى مصدراً للعلم والمعارف.
«الراي» رصدت حال المكتبات العامة، التي باتت بيئة طاردة للقراء، ولا تتماشى مع روح العصر الحديث، وتحولت إلى مبانٍ مهجورة، نتيجة غياب التطوير، كما اطلعت على رؤى أهل الميدان، لإحداث «نفضة» تطوير عصرية، في مبنى ومعنى، ذلك المرفق المعرفي.
وفي هذا الصدد، أعلنت كبيرة اختصاصيي المكتبات في المجلس الوطني للثقافة والفنون الجازي العرادة، أن «المكتبات العامة في الكويت ستشهد نقلة نوعية، حيث تم إعداد خطة متكاملة لتتماشى مع العصر».
وأشارت إلى أن الخطة الجديدة ستجعل المكتبات تعمل بطريقة ذاتية وبتكنولوجيا متطورة، وتدار بمحركات بحث إلكترونية حديثة، وسيكون دور أمناء المكتبات مسانداً ومساعداً، لأن لدى أغلبية الشعب اطلاع واسع على التعامل مع الوسائل التكنولوجية، مؤكدة أن الخطة الجديدة، سترفع قريباً إلى الأمين العام للمجلس.
وأضافت أن التطوير سيشمل مصادر المعلومات بكافة أشكالها ووسائطها سواء تقليدية أو غير تقليدية، التي ستعمل بتقنية وأجهزة متطورة، وسيكون هناك اهتمام خاص بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة، وتوفير جميع متطلباتهم، وتشمل الخدمات الأطفال الصغار، وحتى المتقاعدين سيكون لهم نصيب في الخدمات الجديدة.
نفضة تطويرية
وأعلنت العرادة أن المجلس الوطني للثقافة، بما يملكه من إصدارات ذات قيمة معرفية وعلمية، بالإضافة إلى تشجيع المؤلفين الكويتيين ودعم مطبوعاتهم الأدبية والثقافية والفكرية، وتوزيع نسخ من هذه الكتب على المكتبات العامة، يستعد لإجراء ورشة تطويرية للنهوض بمستوى المكتبات، شكلاً ومضموناً، بحيث تعمل بطريقة مختلفة تستقطب الجميع، من خلال خطة تطوير المكتبات العامة، لتتماشى مع التطور الرقمي.
وقالت إن المجلس يسعى لتنفيذ خطة لتطوير المكتبات العامة وتطويرها وفق المعايير الحديثة من تطور رقمي وتفعيل دورها الثقافي.
بدوره، رأى رئيس مجلس إدارة جمعية المكتبات والمعلومات الدكتور عبدالعزيز السويط، ضرورة أن يشمل الاهتمام المباني وصيانتها، وتزويدها بمختلف وسائل التكنولوجيا الحديثة وقواعد المعلومات، وربطها إلكترونيا مع مكتبات عالمية.
وردا على سؤال حول الحلول لتطوير المكتبات، قال السويط، إن أول الحلول معالجة عزوف المتخصصين من حاملي بكالوريوس المكتبات عن العمل في المكتبات العامة والانتقال إلى العمل في المكتبات المدرسية، بسبب المكافأة التي أقرت للمكتبات المدرسية، من مجلس الخدمة المدنية بقرار 16/ 2019. وإذا لم يتم معالجة الخلل وضم إخصائي المكتبات العامة لمكافأة المكتبات المدرسية سوف تنهار الثقافة بعد أن تهجر المكتبات العامة، لأن التطوير مرتبط في مساواة الموظفين ببعض.
33 مكتبة عامة
وزاد «لدينا في الكويت تقريباً 33 مكتبة عامة تابعة للمجلس الوطني للثقافة، لا بد من الاستعانة في أهل الاختصاص، وجمعيات النفع العام، لاستشارتهم وأخذ رأيهم في تطوير المكتبات العامة، لمواكبتها المعايير العالمية من ناحية التصميم الخارجي والداخلي، بحيث تكون ذات تصميم ثقافي جاذب لأبناء المجتمع، ومحفز لهم للدخول».
مسرح للدمى
وقال «بالنسبة لفئة الأطفال ستقدم لهم المعلومات بأشكالها كافة، إلكترونياً أو تقليدياً.
على سبيل المثال سيتم تجهيز مسرح للدمى ويشارك فيه الأطفال بالدمى الخاصة بهم، لتوصيل المعلومة بشكل تمثيلي حتى ترسخ بذهنهم».
تخصيص ركن للضيافة
ذكرت العرادة أن المكتبات ستوافر خدمة لساعات طويلة، مؤكدة أن «هدفنا فائدة أفراد المجتمع، وتوفير جميع احتياجاتهم، ونسعى لتثقيف وخدمة جميع الفئات، وإحياء المكتبات العامة، وتخصيص ركن للضيافة، وتوفير سهولة الوصول لذوي الاحتياجات الخاصة، إلى جانب توفير موظف خاص لإرشادهم وخدمتهم، حتى الحصول على المعلومات الخاصه به».
ذاتية الخدمة
أكدت العرادة أن المكتبات ستكون ذاتية الخدمة، بحيث يقوم الباحث بالحصول على معلوماته آليا، وكذلك الاستعارة الإلكترونية الخاصة به، وركن ضيافة للقراء.
المتخصص... أولاً
حول خطط النهوض، قال السويط «إذا تبي تنهض في أي مؤسسة أو قطاع أو إدارة، يجب أن تضع المتخصص أولاً، وهذا ما قام به أمين عام المجلس الوطني كامل العبدالجليل مشكوراً، وبداية ذلك عندما وضع المتخصصين أمثال الجازي العرادة، التي قامت وما زالت بنفضة للمكتبات العامة، بعد سنوات الإهمال، لتكون بحلة ثقافية مطورة، ومواكبة للثورة الثقافية العالمية بكامل تفاصيلها ومعاييرها، بتوجيهات مديرها سعد العنزي، ودعم وإشراف أمينها العام».
مقهى معرفي ثقافي
قال السويط «لا ننسى دور مدير النشر والتوزيع ومدير المكتبات العامة السابق عبدالعزيز المرزوق، الذي بذل جهداً كبيراً، وما زال يستكمل هذا الجهد من قبل الإدارة الحالية، بالإضافة إلى وضع رؤية جديدة متكاملة للمكتبات، لتحويلها إلى مقهى معرفي ثقافي، يضم أنشطة كثيرة، نتمنى أن يستكمل هذا العمل ليطبق على أرض الواقع».
«العاشق المجنون» للقراءة والكتاب
أبدى السويط إعجابه واحترامه للبعض من أبناء المجتمع، من يعشق القراءة والكتاب، وأطلق عليه من علماء المكتبات «العاشق المجنون»، الذي لا يدخر مالاً مقابل الحصول على الكتاب.
وقال «علينا أن نستفيد من هؤلاء في تفعيل الأنشطة والمحاضرات التوعوية في قاعات المكتبة».