أماكن / زيارة إلى الخالة الهولندية (1 من 2)

1 يناير 1970 06:04 م
| جمال الغيطاني |

السبت... يوم إجازة... وإن اختلفت الملامح...

هنا «السبت والأحد»... تخلو الشوارع وتزدحم الطرق المؤدية إلى مخارج المدينة، يتجه الجميع إلى الريف، ولكنني أستعيد إيقاع يوم الجمعة الهادئ، الرخيم، حيث كانت تسترد شوارع القاهرة حضورها في الأربعينات وأوائل الخمسينات،** تبلغ ذروة الحركة وقت صلاة الجمعة، خاصة في القاهرة القديمة، حيث يفترش الناس الأرض حول مسجد مولانا وسيدنا الحسين، والأزهر الفسيح، وبعد الصلاة ينتقل الزحام إلى المقاهي القريبة، عندما تكون الإجازات فرصة لالتماس الراحة، والنوم ساعة أو ساعتين في الصباح أزيد من الأيام العادية التي تفيض كمدا ومشقة!

بمجرد خروجنا من أمستردام فارقت فراغ المدينة الذي تتكأكأ فيه البيوت وتتجاور متلاصقة مطلة بواجهاتها على القنوات المائية التي تتخللها كالشرايين.

تنطلق السيارة على الطريق السريع، وعلى الجانبين يمتد الريف الهولندي الفريد، حقا... إن الفن العظيم الحقيقي المعبر عن الواقع يعكس شخصية المكان وجوهر البشر، ولأنني طالعت كثيرا لوحات بروجل الفنان الذي عاش في القرن السادس عشر وصور الحياة الهولندية اليومية بدقة وخصوصية، شعرت انني لست غريبا عما أراه، صور الشتاء هنا بثلوجه في العديد من اللوحات، وللجليد هنا حضور مختلف عن أي مكان آخر، فالأراضي منبسطة، ممتدة، تخلو تماما من المرتفعات، مساحات لا نهائية من اللون الأبيض المصقول، تتخللها أشجار غامقة، وبيوت متناثرة، ومتباعدة، أما الأغصان والفروع فتخلو من كل نبات أخضر، وهنا وهناك في المدى يمشي رجل فوق الجليد أو امرأة، يبدو كعلامة استفهام بشرية!

***

منذ فترة طويلة لم يزر الدكتور بيتر سمور الخالة، واليوم يمضيه بصحبتي، أول عربي ستراه الخالة في حياتها، مقصدنا مدينة البرج القديمة، عندما اقتربنا منها قال لي إنهما لم ينجبا أطفالا، هذا لمعلوماتي حتى لا أسألهما عن الأطفال، إن هذا يؤلمهما في شيخوختهما، الخالة تبلغ نحو السبعين أما الزوج فتعداها بسنوات.

كنا ثلاثة في الطريق، الدكتور بيتر سمور، وزوجته، منذ خمسة شهور فقط أنجبا طفلا صغيرا.

- إنه الآن عند جدته.

يتكلم بيتر سمور العربية بطلاقة، إنه أستاذ بارز للأدب العربي، وزوجته تلميذته، طريقته في التعبير والحديث ذكرتني بشكل ما بالدكتور لويس عوض، مع نبرة ساخرة دائمة، تعكس رؤية للأشياء، للدكتور سمور ابنة من زوجة أولى تبلغ الآن الثامنة عشرة.

نصل إلى المدينة، البيوت أنيقة، عتيقة، أصغر، وتوحي بحضور قرية كبيرة، الأشجار كثيفة، وبعض الشوارع مبلطة بالحجر، يقع البيت في طريق جانبي، تتقدمه حديقة صغيرة جميلة، رقيقة الذوق، تتوزع فيها النباتات والأزهار، ولجمالها الفريد فإن العديد من العرسان يجيئون إلى هنا لالتقاط صور تذكارية أمامها.

هذا البيت الجميل، كان في الأصل حظيرة للأبقار، يحتفظ زوج الخالة بصور عديدة لعملية تحويله إلى بيت أنيق، جميل... يطل على الطريق بواجهة زجاجية بعرض الصالة الفسيحة، فكأنها فاترينة للحياة في وقت ما.

على الباب استقبلتنا الخالة، سيدة متوسطة الطول، ممتلئة، ذكرتني ملامحها بحضور الفلاحات المصريات في دلتا النيل، لا أدري لماذا راحت ذاكرتي إلى المنصورة ودمياط، أما الزوج فنحيل، حاد الملامح، قال لي بيتر سمور: إنهما يتحدثان بلهجة خاصة تنتشر في هذه المنطقة، قد يصعب على أبناء العاصمة فهمها مع أنها نفس اللغة الهولندية.

بمجرد ولوجي الباب، عبرت ظلال المدخل الثقيلة، القديمة، شعرت رغم الدفء بالعتاقة وبرودة خاصة، ليست برودة الأماكن الخلوية، إنما تلك التي تنطوي على فراغها، وتصبح ترديدا للحركة الداخلية فيها.

في الصالة الرئيسية كانت مدفأة على الطراز القديم تشع الحرارة وبجوارها قطع متساوية من الحطب، بسرعة جلس زوج الخالة على مقعد وثير واضح أنه اعتاده للنظر إلى الطريق عبر الواجهة الزجاجية الفسيحة، أضفى الزمن على وجهه تقطيبة دائمة بأثر التجاعيد، بينما شفتاه منفرجتان دائما كأنه يوشك باستمرار على الحديث، قدمني بيتر سمور إليهما، حدثهما عني، وحتى تطمئن الخالة التي سألته عندما علمت أنه سيصحب معه صديقا عربيا، عما إذا كنت أحمل معي صاروخ سكود أم لا؟

قدمت إليها كتابي المترجم إلى الهولندية، مجموعة ثمار الوقت التي ترجمها بيتر سمور، وأشار إلى صورتي على الغلاف الأخير ولكن انفعالها الحقيقي بدأ عندما لمحت توقيعي على الكتاب، راحت تنقل بعدها الرزين الذي اكتسى وقار السنين بين التوقيع وبيني، ولتوقيع المؤلف المبدع هنا شأن عظيم، فقط مجرد التوقيع.

أما إذا كان مصحوبا بإهداء رقيق فالأمر يصبح جللا، هزت رأسها، قامت متهادية لتضع الكتاب في صدارة المكان، كان زوجها يتابعها بهدوء، ثم تناول من جانبه مجموعة من الصور، أولاها صورة كبيرة في إطار خشبي، ورقها أصفر بفعل الزمن، صورة مرسومة فقد رسمت قبل اختراع آلة التصوير، رجل في المرحلة الأربعينية، يرتدي ملابس كهنوتية، ترجع إلى العام 1834، وإلى جواره صبي صغير في الثانية عشرة.

هذا الصبي جد بيتر سمور.

استوقفني تعبير وجهه، لا... بل جذبني، وأثار عندي غبار اهتمامي الموغل بالزمن، كان يرفع رأسه متطلعا إلى نقطة مجهولة، لا أدري في الوقت أو في المكان، نظرة فيها حيرة ما، وهم غامض أكبر من سنه.

وكأنها نظرة من يقف على مقدمة سفينة تدنو من ميناء مجهول، رحت أجهد نفسي محاولا أن أستنتج أي صور، أي أفكار كانت تجول بذهنه وقت التقاط ملامحه، أي يوم وفي هذه اللحظة أين كان جدي. أنا على بعد آلاف الأميال، لابد أنه كان في مسقط رأسي جهينة، لكنه... ماذا كان يفعل في هذا اليوم؟ أين كان أبي؟ أين كنت أنا؟

قال زوج الخالة إن الطفل هاجر إلى أميركا بعد سنوات من رسم هذه الصورة، ركب سفينة عبرت به المحيط، أخباره غابت هناك، العائلة هنا لا تعرف عنه شيئا، ولكن حدث منذ عدة سنوات أن جاء اثنان من أحفاده، جاءا إلى المدينة كسياح.

سألا عني، جلسا هنا في هذا المكان ومشيا... لم أرهما بعد ذلك... كان يتدفق بالحديث عن العائلة، عن أفرادها الذين يعيشون هناك على الطرف الآخر من المحيط.

- سمعت أن أحدهم طبيب مشهور الآن...

أشار إلى مجموعة من الأطباق الخزفية الغالب على زخارفها اللون الأزرق، كانت مرصوصة داخل صوان مستطيل، قال إنها تراث تتوارثه العائلة... منذ نحو أربعة قرون.

قالت زوجته مصححة...

- أكثر... منذ خمسة قرون...

قال إنه أرسل عددا منها في طرد إلى أميركا عن طريق البحر حتى يحتفظوا بها هناك، لكنها للأسف تحطمت في الطريق.