محمد صالح السبتي / ما لم يقل في قضية محمد الجاسم

1 يناير 1970 12:03 م
للأسف الشديد فإن أكثر ما يطرح على صفحات الجرائد، والندوات، وفي عموم محافل الطرح السياسي والفكري في المسائل المهمة هو أبعد ما يكون عن الموضوعية والصواب، وكثيراً إن لم يكن غالباً ما يختلط الحابل بالنابل وتضيع الحقيقة في خضم آراء واطروحات بعيدة كل البعد عن مقطع النزاع، وأسفاً آخر أن بعض من يرى الخطأ يحجم عن طرح رأيه خشية اتهامه بالتواطؤ أو بالمحاباة، ويفضل السكوت أو مجاراة التيار بعداً عن المواجهة الفكرية.

اقول هذا لا دفاعاً عن رئيس الوزراء، فهو أقدر من يدافع عن نفسه وله من يعينه على ذلك، لكني أقول ما أقول تبياناً للحقيقة التي كادت أن تكون ضحية ضحالة الطرح.

هذه ثوابت عدة وهي بمجموعها تشكل الرأي الصحيح في هذه القضية من وجهة نظرنا على الأقل:

* ان محمد الجاسم شخصية فذة وله اطروحات فكرية قد يعجز عنها الكثير ونكن له كما يكن كثير من الناس احتراماً غير عادي حتى لو خالفناه الرأي أو خالفه غيرنا، لكن يبقى أنه من الأشخاص الذين يجبرك على احترامه.

* ان القانون وان كان كفل حرية الرأي والانتقاد وخاصة بالنسبة للشخصيات العامة لكن القانون في الوقت نفسه جرم التجريح وإهانة الأشخاص والحط من مكانتهم فللانتقاد حدود وله ضوابط لا تكاد تكون محل خلاف في القانون.

* ان محمد الجاسم ليس سجين رأي اتفاقاً، ان صح أنه سجين، لكنه متهم بتجريح شخصية عامة واهانتها ومخالفة القانون، فسجين الرأي هو ذاك الشخص الذي يبدي انتقاداً موضوعياً لمن يتولى قيادة الأمور فيحبس لأنه انتقد، لكن الحالة هنا تختلف لكل عاقل، فالانتقاد شيء والتجريح شيء آخر.

* ان رئيس الوزراء مثله مثل غيره من المواطنين، على أقل حال له حقوق وعليه واجبات، ومن حقوقه أن يشتكي على من يظن أنه تعدى عليه بالقول أو الفعل خارجاً عن حدود النقد المباح، وهنا نقول ان رئيس الوزراء استعمل حقه الذي كفله القانون بتقديم شكوى ضد من ظن أنه تعدى عليه بالقول وكانت هذه الشكوى وفق اجراءات قانونية صحيحة.

* ان النيابة العامة لم تحبس محمد الجاسم، كما يصور من يتكلم في الموضوع، لكنها أفرجت عنه بكفالة وقدرت هذه الكفالة وهي من الصلاحيات المطلقة للنيابة العامة، وحين رفض الجاسم سداد الكفالة أمرت بحبسه لامتناعه عن سداد الكفالة لا لكونه متهماً بالشكوى. والسؤال الذي يطرح نفسه خاصة وأن الجاسم محام... ما الفرق قانونياً ما لو أن النيابة العامة أفرجت عن المتهم بكفالة أو بضمان شخصي؟ خاصة وأن الجاسم ارتضى المثول أمام النيابة للتحقيق معه في ذات الشكوى، يبقى أن المتهم متهم، وتبقى الاجراءات التي تتخذ من قبل النيابة محل تقديرها هي وحدها.

* للأسف ان أكثر من تكلم عن الموضوع لم يفهم مناط النزاع فيه، وهم للأسف ثانية أكثر من ينادي باحترام القضاء ومع ذلك فهم يعترضون على قرار النيابة، وزجوا النيابة العامة بالنزاعات السياسية وكانها طرف فيه وهي ليس كذلك طبعاً.

* في ظني ومع كل احترامي لمحمد الجاسم أنه اراد بامتناعه عن سداد الكفالة فرقعة إعلامية ليست إلا ، وقد كان له ما أراد، لكنه يعلم علم اليقين أن الاجراءات المتخذة ضده صحيحة وإن كان فيها شدة كما يظن لكنها تبقى صحيحة، وهنا أقول، وليس تأليباً على محمد الجاسم، أن على النيابة العامة التصميم على قرارها فليس محمد الجاسم فوق القانون ولا رئيس الوزراء كذلك، فبعض اطروحات الصحفيين فيها مبالغة، وكتيراً منهم لا يفرقون بين حقهم بالنقد وواجبهم ألا يخرجوا بهذا النقد عن المباح منه والبعد عن التجريح والإهانة، وكثيراً منهم يظن أن كونه صحافياً فهو مسموح له ما ليس مسموح لغيره من المواطنين. ودعوتي للنيابة العامة التصميم على رأيها حتى يعرف الجميع ما له من حقوق وما عليه من واجبات، وأن النيابة ليست طرفاً في نزاعات الناس السياسية.





محمد صالح السبتي

كاتب كويتي

[email protected]