خيرالله خيرالله / قطار الإصلاحات يتابع مسيرته في الأردن

1 يناير 1970 05:06 م
لا تزال الحياة السياسية في الأردن بخير، علماً بأن المسار الديموقراطي في المملكة في حاجة بين فترة وأخرى إلى عملية تصحيح لخلل ما. يعود الخلل في معظم الأحيان إلى أن نواباً معينين ينسون تماماً كيف صاروا نواباً ومن أوصلهم إلى المجلس.

لابدّ من إصلاح الخلل نظراً إلى ضرورة ابقاء القطار على السكة القويمة بعيداً عن الغوغاء التي غالباً ما تميز بها اداء قسم لا بأس به من أعضاء مجلس النواب فضلاً عن بعض الأحزاب والتشكيلات السياسية... وحتى النقابات المهنية في المملكة. فالديموقراطية في الأردن لا تزال أشبه بطفل يحبو في طريقه إلى تعلم المشي على رجليه أكثر من أي شيء آخر. يأتي التصحيح في معظم الأحيان من فوق، أي من القصر الملكي الطامح باستمرار إلى تنشيط الحياة السياسية في البلد في إطار المحافظة على الأمن والاستقرار بعيداً عن الفوضى والمزايدات والمماحكات التي مارسها بعض النواب في المجلس المنحل. يحصل ذلك من منطلق أن الحياة السياسية والبرلمانية جزء لا يتجزأ من تاريخ إمارة شرق الأردن ثم المملكة الأردنية الهاشمية. انها في الواقع جزء من تراث الهاشميين حيثما وجدوا. انها جزء من طريقة التعاطي مع المجتمع بهدف تثقيفه سياسياً وتعويده على النقاش الحضاري بعيداً عن الصياح والكلام الكبير الفارغ من أي مضمون.

تكمن أهمية ما يشهده الأردن في أن الملك يقود كعادته الاصلاحات من دون أن ينقاد للشارع، وذلك في حدود ما تمليه المصلحة العليا للدولة. بكلام أوضح، كان على الملك عبدالله الثاني اتخاذ قرار بحل مجلس النواب الحالي، قبل انتهاء ولايته، بعدما تبين نتيجة استطلاعات للرأي العام، اجريت استناداً إلى أساليب علمية حديثة، أن هناك أكثرية شعبية ترى أن المجلس لم يحقق في العامين الماضيين ولو انجازاً واحداً!

كان مهماً الإقدام على تلك الخطوة حفاظاً على التجربة الديموقراطية أوّلاً وبغية الافساح في المجال أمام تعديل قانون الانتخابات ثانياً بما يضمن انتخاب مجلس يعكس إلى حد كبير توجهات المواطن، ويلبي طموحاته إلى حد ما. ولكن قبل ذلك كله، لابدّ للمجلس الجديد من مرافقة التطورات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها البلد وأن يلعب دوره في تحصينه من كل النواحي بدل وضع العقبات في طريق الاصلاحات. بكلام أوضح، المطلوب استمرار عملية الاصلاح وحمايتها، استناداً إلى الخطة الموضوعة لهذا الغرض.

ليس سراً أن عودة الحياة النيابية في الأردن، ترافقت مع مجموعة من القرارات الكبيرة ذات الطابع التاريخي اتخذها الملك حسين، رحمه الله، في النصف الثاني من الثمانينات. كان في طليعة تلك القرارات، قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية الذي اتخذه صيف العام 1988. وضع ذلك القرار اللبنة الأولى للدولة الفلسطينية المستقلة التي تعتبر مصلحة أردنية، إضافة إلى كونها مصلحة فلسطينية. كان لا مفر، في ضوء القرار، من اتخاذ قرارات أخرى في مقدمها اجراء انتخابات نيابية في الأردن تقتصر على الضفة الشرقية تأكيداً لقرار فك الارتباط بصفة كونه قراراً نهائياً. ليس من باب الصدفة أن تكون الانتخابات الأردنية جرت في الثامن من نوفمبر 1989، أي عشية اليوم الذي انهار فيه جدار برلين.

في الواقع، كان الملك حسين بفضل فكره الطليعي وحسه السياسي المرهف يدرك، على خلاف معظم الحكام الآخرين في المنطقة، أن العالم يتغير وأن على المملكة الأردنية مواكبة التغيرات التي توجت بانتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي. أعد الملك حسين بلده للمرحلة الجديدة التي دخلتها المنطقة ومعها العالم. كان حلمه أن يكون هناك مجلس للنواب تتمثل فيه أحزاب تمتلك برامج سياسية واقتصادية واجتماعية تدافع عنها أكانت في الحكومة أو في المعارضة.

أظهر العاهل الأردني الراحل ومؤسس الأردن الحديث أنه متقدم على شعبه وعلى معظم حكام المنطقة أعوام عدة. استطاع بكل بساطة جعل الأردن مستعداً للتأقلم مع التطورات الإقليمية والدولية التي تسارعت وتيرتها بشكل مذهل منذ تلك اللحظة التاريخية التي سقط فيها جدار برلين. كان من القلائل الذين توقعوا سقوط الجدار قبل عام أو عامين من الحدث!

ما يشهده الأردن حالياً يندرج في سياق القدرة المتميزة التي يمتلكها عبدالله الثاني على قراءة الأحداث. تبدو الرسالة التي يحاول توجيهها إلى الأردنيين أن قطار الاصلاحات لن يوقف مسيرته، وأن على مجلس النواب لعب دوره في اقرار الاصلاحات. أكثر من ذلك، يفترض في مجلس النواب أن يلعب دوره كاملاً في مجال مراقبة السلطة التنفيذية بدل التلهي بالتفاصيل والمماحكات، أو إطلاق الشعارات الكبيرة من باب المزايدات والتهرب من تحمل المسؤولية الوطنية ليس إلاّ. ليس أسهل من إطلاق الشعارات والدخول في المزايدات لتبرير عدم القدرة على تولي المسؤوليات الوطنية التي على كل عضو في البرلمان تحملها في وقت تبدو المنطقة مقبلة على أحداث كبيرة.

يؤشر حل مجلس النواب الأردني والاستعداد لاجراء انتخابات مبكرة إلى مرحلة جديدة في الأردن والمنطقة. لعل أفضل طريقة للاستعداد لمثل هذه المرحلة قانون انتخابي عصري ينبثق عنه مجلس جديد للنواب قادر على التفاعل معها. ما لا بدّ من ملاحظته أن الأردن استطاع مواجهة العواصف الإقليمية بفضل المؤسسات التي تحمي الدولة من جهة، وقدرة الملك على استشفاف المستقبل. سمحت هذه المؤسسات بالانتقال الهادئ للسلطة من الملك حسين إلى الملك عبدالله الثاني. واتاح الفكر الطليعي للحسين بن طلال ولعبدالله بن الحسين استيعاب التحولات الإقليمية والدولية والتعاطي معها بمرونة فائقة، خصوصاً في مواجهة اليمين الإسرائيلي الذي يطرح باستمرار مشروع الوطن البديل. من كان يتصور على سبيل المثال وليس الحصر حجم المخاطر التي كانت ستواجه الأردن اليوم لو لم يستغل الملك حسين الفرصة التاريخية المتاحة، التي قد لا تتكرر، ويوقع اتفاق سلام مع إسرائيل في اكتوبر من العام 1994. لم توقع المملكة الأردنية «اتفاق وادي عربة» الذي أعاد لها حقوقها في الأرض والمياه إلا بعد توقيع الجانب الفلسطيني «اتفاق اوسلو» قبل ذلك بما يزيد على عام. قطع اتفاق السلام الطريق على المطالبين بالوطن البديل للفلسطينيين في الأردن.

في ظل العراقيل التي تضعها إسرائيل حالياً في وجه السلام، وفي وجه قيام الدولة الفلسطينية المستقلة استناداً إلى حدود العام 1967، وفي ظل احتمالات حصول انفجارات في غير مكان من المنطقة، ليس أمام الأردن سوى اليقظة. يبدو أن الانتخابات النيابية المبكرة، التي يرجح أن ينبثق عنها مجلس جديد للنواب قادر على تحمل مسؤولياته الوطنية والقومية، من بين الاستعدادات الأردنية للمرحلة الجديدة التي يبدو الشرق الأوسط مقبلاً عليها. يظل درهم الوقاية افضل من قنطار علاج.





خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن