كلما قرأت بياناً لتجمع سياسي جديد يعلن فيه عن تأسيسه أو مقالة لكاتب تتضمن دعوة لموقف سياسي محلي أجد نفسي لا إرادياً أبحث عن كلمة «دستور» ومشتقاتها في ذلك البيان أو المقال فيما يشبه «الحساسية الدستورية»! وهي بالتأكيد ليست حساسية جلدية أو تنفسية، بل حساسية فكرية يفقد معها أي بيان أو موقف سياسي كل قيمة ما لم يتضمن موقفاً محدداً من الدستور والثوابت الدستورية! لذلك تجدني لا أقرأ المقالات التي تدعو إلى تعليق العمل بالدستور إلا في عناوينها لأنها دعوات قامت على أساس باطل يعتدي فيه كاتب المقال على حقي الشخصي الدستوري كمواطن في المشاركة في الحكم، وعلى المنوال نفسه، لم أكترث كثيراً ببيان التأسيس الذي أصدرته إحدى التجمعات الإسلامية الطارئة وتحدثت فيه عن كل شيء وأي شيء إلا الدستور ومدى التزامها به، رغم أنها ذكرت أن «الشعب هو مصدر السلطات» ولا أعلم من أين أتت بذلك إن لم يكن من الدستور!
افتتاحية «الراي» ليوم الجمعة الفائت بقلم رئيس مجلس إدارة مجموعة «الراي» الإعلامية الزميل جاسم بودي وبعنوان «يا طويل العمر احسمها وتوكل» كانت من النوع الذي يقطع الطريق ليقف في منتصفه، فهي كما تبدو من ظاهرها دعوة للقيادة السياسية للتعامل مع الانقسامات السرطانية في جسد الدولة والمجتمع ولو اقتضى ذلك اللجوء إلى «الكي والبتر»، وتوقفت عند ذلك، ولم توضح المقصود بالكي والبتر الذي يمكن اللجوء إليه، مما جعل الهدف المقصود من المقال ضبابياً والمعنى المنشود مبهماً، في وقت لا مجال للضبابيات والإبهام في مثل هذه القضايا! بحثت كثيراً عن كلمات «دستور» و«ثوابت دستورية» و«أدوات دستورية»، فلم أجد، مما زاد الغموض غموضاً ولولا علمي بأن الزميل لا يمكن تصنيفه في حزب المعادين للدستور، وهو من كتب «فوبيا الدستور» قبل أسابيع قليلة، لاعتقدت أن «الكي والبتر» المقصود في الافتتاحية هو كي وبتر سياسي يتم إجراؤه خارج غرفة عمليات الدستور وبعيداً عن إشراف الأمة ورغماً عن إرادتها!
أتفق، ومعي الكثيرون من أبناء الكويت، مع ما ذكر في الافتتاحية من مخاوف على الوحدة الوطنية وتبعات الأدوار السلبية التي يمارسها البعض في السلطتين وخارجها على تلك الوحدة، ولكننا في وقت لا يقبل الرسائل المبهمة أو المواقف حمالة الأوجه، في وقت يقيم فيه المحرضون على الدستور «حفلات الزار» كلما ارتقى ممثل للأمة ليستخدم ما كفله له الدستور من أدوات رقابية، وفي وقت تكرس وتجير فيه مكائن الإعلام المشبوه للانتقاص من حق أصيل للأمة بالمشاركة في الحكم! كل دعوة للحسم والتوكل والقرار يجب أن تكون محددة بشكل واضح لا يقبل اللبس بإطار الدستور وثوابته! رسالتك، يا بومرزوق، لم تصل واضحة لنا كمتابعين وقراء، ونتمنى ألا تكون أقل وضوحاً لدى الآخرين!
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
[email protected]