حديث / أصمت حتى تسمع الناس

1 يناير 1970 06:36 م
|مريم أحمد اسفنديار|

كثيراً ما أواجه نفسي بهذا السؤال... لماذا لا نجيد فن الصمت، أو لغة الصمت، أو بلاغة الصمت؟ أو بالأحرى... لماذا نعتبر كثرة الكلام دليل حياة، ونعتبر بعض الصمت سعياً نحو الموت؟!

يتدافع ذاك السؤال بأطياف شتى على عقلي يبحث عن إجابة وقت ما أرى صياحاً بلا مغزى، أو نقداً بلا معنى، أو حواراً بلا هدف، أو مناظرة بلا مضمون... فأقول في نفسي: لماذا تستهوى دوامات الثرثرة والجدل العقيم أفئدة كثير منا... رغم أن طرحها مُر، وحصادها شوك... خصومات... بحة في الأصوات... أي أن المحصلة تساوي صفراً، وحسب قانون بقاء الكتلة يفترض أن الكتلة الداخلة تساوي مقدار الكتلة الخارجة وهذا لم اجده بالحوار أي بمعنى آخر لا جدوى من ذلك الحديث.

وبعد طول تأمل وتفكير قلت: كثرة الكلام عجز عن إدراك فضيلة الصمت... رغم أن الصمت ضرورة أخلاقية ولازمة اجتماعية.

و في رأيي أن الكلام مثل الحركة، والصمت مثل السكون، والبشر يحتاجون بين الحين والآخر إلى لحظات توقف وسكون... لترتيب الأفكار، وتنظيم الخطوات، ولملمة شظايا النفس المبعثرة في متاهات الهوى.

وهنا يكون الصمت لحظة تجول وتحول... تجول فيما مضى لمراجعة النفس ومحاسبتها، وغربلة المواقف وفرزها، وتصحيح المسار كشأن الأذكياء الذين يتعلمون من سقطاتهم وأخطائهم، ثم يتحولون من الخطأ إلى الصواب، ولا يدرك ذلك الا العقلاء والحكماء.

يجب أن نعرف متى يجب أن نتكلم؟، ومتى يجب أن نصمت؟ فليس الصياح دليل حياة، وليس الرد العشوائي الانفعالي أسلوب دفاع، ومن حكمة الخالق أن خلق لنا لساناً واحداً وخلق لنا أذنين كي نسمع أكثر مما نتكلم، يا سبحان الله.

وكما أن الثرثرة بعثرة لما مضى في دروب النسيان أو التناسي، وطمس لما انقضى من مآثر وفضائل ولو كانت مثل الجبال، وحَجْر وحَجْب طويل الأمد على الآتي من الفعل والقول، فالإنسان يخسر خسراناً كبيراً إن سبق لسانه عقله، وإن تغلبت شهوة كلامه على فطرة صمته، بل إن المجتمع يخسر إن كَـثُر فيه الضجيج الذي تتوارى بين أنقاضه شاهقة الحق، وتضيع في متاهاته بَيـِّنَةُ الرشد، فلا يتبين الناس الطريق، ولا يهتدي الخلق إلى صواب، لأن الكل يثرثر، فلا مجال للسمع أو للتعقل. فهل علمت الآن... لماذا يتوجب عليك الصمت حتى يسمعك الناس؟!



* جامعة الكويت- كلية الهندسة والبترول