يمكن اعتبار 2008 عام نشوء فلسفة العملات الرقمية الافتراضية، عندما أعلن شخص أو مجموعة أشخاص مجهولي الهوية تحت اسم (ساتوشي ناكاموتو) عن فكرة العملة الافتراضية، فأطلقوا البتكوين كأول عملة افتراضية مشفرة في 2009، ترتكز على تعامل طرف مع طرف دون وجود وسيط ثالث أو جهة تراقب أو تنظم، أي اللامركزية، وهو ما يطلق عليه مبدأ الند بالند (Peer to Peer)، وكذلك على التشفير مما جعلها تعرف بالعملات المشفرة (Cryptocurrencies)، بالإضافة لبنية تحتية رقمية تحتفظ بالسجلات والعمليات التي تتم لتداول هذه العملة الافتراضية، وهي سلسلة الكتل (Block-chain).
إن ظهور «بتكوين» كعملة افتراضية وارتفاع سعرها بشكل جنوني شجع على ولادة أخوات لها، وهي عملات افتراضية تتشابه معها بخواصها وتختلف بأخرى، مثل: اللايتكوين، البتكوين كاش، الإيثر، الريبل، وغيرها الكثير.
ورغم شيوع العملات الافتراضية الرقمية في أرجاء المعمورة، وانتشار منصات الكترونية للمضاربة والتداول، بل واعتراف بعض الدول لها بشكل رسمي وغير رسمي، إلا أن ثمة أكثر من سؤال يدور في مخيلة الاقتصاديين بشكل عام وخبراء المالية الإسلامية بشكل مخصوص: هل هي نقود أم سلع أم ماذا؟ هل يقف وراءها سلطة رسمية مركزية من حكومات أم مواقع قرصنة مجهولة؟ كيف ومن يضبط عمليات العرض والطلب والمضاربات عليها؟ طالما تتصف باللامركزية فما هو البديل للفصل في الخلافات بين الأطراف المتداولة؟
ماهي النقود..؟
أولا: لا أسلم بفكرة النقدية وثمنية العملات الرقمية الافتراضية، مالم نكيف تلك العملات وفق خصائص ووظائف النقود في الاقتصاد والفقه الإسلامي أولاً، وإلا أصبحت توصيفاتنا هلامية غير منضبطة.
ولذا، يكاد الاقتصاديون يجمعون أن النقود تتصف بأربع وظائف هي: مقياس للقيمة، ووسيط للتبادل، ومخزن للقيمة، وأداة لتسوية الديون.
وبالنظر إلى طبيعة النقود في المالية الإسلامية نلاحظ أنها لا تخرج عما سبق، لكون النقد في الإسلام يجب أن يتصف بثلاث خصائص: الأول: الثمينة، وهي القوة الشرائية لغير الذهب والفضة، فهما – أي الذهب والفضة – نقدان بالخلقة، وما عداهما نقود اصطلاحية، الثاني: القبول العام، ولايتم إلا بالرواج بين عامة الناس من خلال سلطة نقدية كالبنوك المركزية في عصرنا، الثالث: الاستقرار النسبي، وهو الثبات النسبي للنقد على مدى الزمن، كي يحافظ على أهم وظائفه كوسيط للمبادلة ومقياس ومخزن للقيمة وأداة لتسوية الدين.
وكنظرة فاحصة وتقييمية للعملات الافتراضية المشفرة، نلاحظ أنها تفتقد لخصائص ووظائف النقود رغم توصيف بعض الاقتصاديين الإسلاميين لها بأوصاف الثمنية الاصطلاحية، وبعيداً عن الحقيقة المجردة للبتكوين وأخواتها إلا أنني اعتقد أنها أبعد ما تكون من كونها نقوداً أو حتى اتصافها بخواص الثمنية.
فهي ليست ذات قوة شرائية، كما أنها غير مغطاة بعملات ورقية قانونية (Fait money) أو حتى بأصول مالية حقيقية، ولاتتصف بالقبول والرواج العام، فالسواد الأعظم لدول العالم لا يعترف بها لكونها غير رسمية وغير قانونية البتة، حيث أضحت باباً مفتوحاً لعمليات تمويل مشبوهة، كغسيل الأموال وتمويل النشاط الإجرامي والإرهابي.
وفضلاً عما سبق لاتتمتع بالاستقرار النسبي منذ ظهورها على الساحة، لاسيما مع موجة المضاربات الشديدة عليها، وجهالة من يقف خلفها.
ومن هذا المنطلق، فالعملات الافتراضية الرقمية ليست نقوداً ولا تتمتع بالثمنية، وعليه فليست وحدة قياس للقيمة، ولا وسيط للمبادلات.
تطور العملات الرقمية
مرت العملات الرقمية بثلاثة أطوار لها تكييفاتها وآثارها الاقتصادية، الطور الأول: هي العملات الرقمية الافتراضية (Virtual currencies) والتي تقدم بيان حقيقتها وماهيتها، في كونها لا تخضع لسلطة مركزية أو حتى إطار قانوني ينظمها ويشرف عليها، حيث لا سلطة رقابية على إصدار وتداول العملات الافتراضية، كما أنه لايوجد تمثيل حقيقي لها مقابل العملات الورقية القانونية، فهي غير مربوطة أو مدعومة بغطاء نقدي قانوني كالدولار الأميركي أو الذهب مثلاً.
لذا، فإنّ شيوع عملة البتكوين الافتراضية وأخواتها بشكل كبير أدى إلى بزوغ الطور الثاني: وهي العملات الرقمية المستقرة (Stable-coin)، حيث تعتبر العملات المستقرة إحدى صور العملات الرقمية، لكنها مغطاة بأصول حقيقية نقدية كالدولار الأميركي أو العملات الأخرى، أو غير نقدية كالذهب أو عملات مشفرة أخرى.
ويعد مشروع عملة ليبرا (Libra) التابع لشركة فيسبوك إحدى صور العملات الرقمية المستقرة، من حيث استخدامها كوسيلة للمدفوعات عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن العملات المستقرة، عملة الدولار المشفرة (USDC) المدعومة بالدولار، التي صدرت عام 2018 من خلال شركة (Circle) المالية، وكذلك عملة التيثير (USDT) المدعومة أيضاً بالدولار.
الثورة الرقمية
بعد الثورة الرقمية التي اجتاحت العالم في العملات، خشيت الدول المتقدمة من أن يسحب البساط من تحت هيمنتها، فدعت مديرة صندوق النقد الدولي السابقة كريستين لاغارد إلى إصدار عملات رقمية جديدة من البنوك المركزية، وهو الطور الثالث: أو ما بات يطلق عليها، العملات الرقمية للبنوك المركزية أو المدعومة من البنوك المركزية (Central Bank Digital Currencies)، ويصطلح عليها اختصاراً بـ (CBDC)، وقد استندت كريستين لاغارد إلى المتغيرات التي طرأت على النقود والنظام النقدي منذ قرون، حيث إن رياح التغيير قادمة نحو التكنولوجيا الرقمية – على حد وصفها - وأن الاقتصاد الرقمي سيهيمن على العالم، لذلك يجب الاستعداد بشكل جيد لهذا العصر.
ولم يقتصر الأمر على صندوق النقد الدولي فحسب، بل طرق بنك التسويات الدولية (BIS) باب العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDC) بقوة، عبر سلسلة ورش ودراسات بحثية بهدف بناء أرضية معرفية وعلمية لهذا المشروع.
وأظن أن المشروع قد تم الانتهاء من إرساء بنيته التحتية الرقمية، حيث سنرى مبادرات جادة وحقيقية خلال سنة أو سنتين في أبعد تقدير.
تطوير النظام النقدي لمزيد من الاستقرار
الخلاصة، يمكننا القول بوضوح أن العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDC) أقرب ما تكون إلى غايات ومقاصد النظام المالي الإسلامي، لكن من المبكر الجزم مطلقاً بهذا القول الشرعي ما لم تتجلى آليات عملها وهيكلة النظام النقدي المرتبط بها.
وعلى هذا الأساس فإني أحيي مجمع الفقه الإسلامي الدولي على التريث، في قراره الصادر في دورته المنعقدة في دبي بالفترة: 7 – 9 ربيع أول 1441، الموافق: 4– 6 نوفمبر2019. والذي تمخض من الاجتماع قرار حول العملات الرقمية، وكان منها: (... ولما يكتنف هذه العملات من مخاطر عظيمة وعدم استقرار التعامل بها، فإن المجلس يوصي بمزيد من البحث والدراسة للقضايا المؤثرة في الحكم).علما بأن القرار يتعلق في شأن العملات الرقمية الافتراضية كالبتكوين، وعليه أتمنى على المتخصصين والباحثين في الصناعة المالية الإسلامية عدم الاستعجال في إطلاق وصف الثمنية على العملات الافتراضية (Virtual currencies) بحجة شيوعها وتداول المضاربين.
المطلوب في هذه المرحلة تضافر الجهود نحو تطوير النظام النقدي لمزيد من الاستقرار والعدالة الاقتصادية.
* باحث اقتصادي