سعود عبدالعزيز العصفور / بلد «محمد عبدالقادر الجاسم»

1 يناير 1970 09:51 ص
يدخل الطفل إلى مدارس وزارة التربية الكويتية ويقضي فيها اثني عشر عاماً بالتمام والكمال، ما لم يكن ممن يأخذون العام بعامين، ويخرج منها كما دخل مع القدرة على القراءة والكتابة! في لهجتنا المحلية نطلق على الطفل الصغير «جاهلا»، وهو كذلك لأنه يجهل الكثير، وخريجو مدارس وزارة التربية، ولحكومتنا الحمد والفضل والمنة، في الغالب يتخرجون «جهالاً» وهم حائزون على شهادة الثانوية العامة مع سبق الإصرار والترصد، لأن العلم والمعرفة ببساطة ليست أن تعرف القراءة والكتابة، أو أن تحفظ آيتين من القرآن الكريم ومثلهما من الشعر الجاهلي القديم، أو أن تحفظ جدول الضرب عن غيب وأسماء بعض المعادن والفلزات، أو أن تعرف أن الماء يتجمد ويتبخر ولا ينصهر، فما لم يتعلم المرء كيف يكون حراً وصاحب إرادة حرة وأن يدافع عن حقوقه وأن يعطي الآخرين حقوقهم وأن يقف مواقف العز في أوقات الشدة، فهو لم يتعلم وسيبقى «جاهلاً» أبد الدهر، مهما حصل على شهادات التخرج ومهما امتلأت حوائط مكتبه بصورها!

الكاتب والمحامي محمد عبدالقادر الجاسم، حتى الأربعاء موعد كتابة هذا المقال، أثبت لنا أنه يحمل على صدره نياشين العز والثبات على المبدأ، وأنه ممن حازوا شهادات العلم الحقيقية التي تخرج الأبطال ليحملوا على عاتقهم مهام تعليم الآخرين كيف يكون الإنسان صوت حق في وقت قلت فيه أصوات الحق وشحت مصادرها، وفي وقت أصبحت المواقف تباع وتشترى، ولكل قلم ثمن، ولكل صوت تسعيرة، ولكل موقف قائمة أسعار وخصومات تتناسب مع حجم ونوعية المعني بالأمر! فهو كان ولا يزال المجرم الأول والمحرض الأكبر الذي أخذ على عاتقه مهمة رفع سقف حرية التعبير في هذا البلد، وهي جريمة عظمى وكارثة يخشاها كل من يخشى سطوة القلم وقسوة الرأي الحر، وهي جريمة شنيعة تستحق الاعتقال والاقصاء والابعاد، يخشاها كل من يخشى أن تسلط أنوار الحقيقة على مجريات الأمور، فمثلهم لا يعيش ولا يتكاثر إلا في الأماكن الرطبة المظلمة، في بيئة لا يمكن أن يتحملها إلا الخفافيش والقوارض، وتأبى النفس السليمة أن تتواجد بها!

دعوا عنكم ما ذكرته منظمة مراقبة حقوق الإنسان الدولية في بيانها الذي نددت فيه باعتقال الكاتب والمحامي محمد عبدالقادر الجاسم، ودعوا عنكم جل ما كتبه الشرفاء من الكتاب في الصحافة أو المدونين وكتاب المنتديات في مواقعهم الإلكترونية، ودعوا عنكم كل ما يقال عن الكفالة المالية ودفعها ورفضها، ودعوا عنكم ترك سمو رئيس الوزراء لأعمال حكومته وتفرغه لملاحقة كاتب هنا أو كاتب هناك ليشتكيه إلى القضاء، ودعوا عنكم سكوت منظمة حقوق الإنسان الوهمية في الكويت ومحاميها «الليبروطائفي»، وتذكروا أن شعباً فيه أمثال «بوعمر» وثباته على المبدأ والحق هو شعب لا يزال فيه من الحياة الشيء الكثير، وفيه من العلم والمعرفة وقوة الإرادة الكثير الكثير، حتى وإن كانت وزارة التربية تخرج كل عام الألوف المؤلفة من «الجهال» المتعلمين!





سعود عبدالعزيز العصفور

كاتب ومهندس كويتي

[email protected]