«حماس» والعداء للفلسطيني المسيحي

23 ديسمبر 2020 10:00 م

تأتي حركة «حماس» كلّ يوم بدليل جديد على أنّها تعمل في خدمة إسرائيل.

كان آخر ما أقدمت عليه «حماس»، التي هي جزء لا يتجزّأ من التنظيم العالمي لحركة الإخوان المسلمين، التعميم الصادر عن وزارة الأوقاف في غزة.

نصّ التعميم، الذي يكشف مدى عداءها للفلسطيني المسيحي، على إطلاق سلسلة فعاليات مختلفة تحت بند «الحد من التفاعل مع الكريسماس».

بكلام أوضح، مطلوب ألا تكون في غزّة أي مظاهر تشير الى وجود عيد الميلاد لدى الطوائف المسيحية.

الأهمّ من ذلك كلّه، مطلوب من الفلسطينيين المسلمين الذين يشكلون أكثرية ساحقة في القطاع، تجاهل هذا العيد المسيحي الذي لديه تقاليد خاصة به من بينها إقامة شجرة الميلاد وتزيينها.

لم يعد مهمّاً ما فعلته «حماس» بعد ذلك.

فبعد موجة الانتقادات العارمة التي واجه قرارها المعادي للفلسطينيين المسيحيين، المغلوب على أمرهم، أصدرت وزارة الأوقاف الحمساوية بياناً توضيحياً أكدت فيه أنها «تتمسك بوحدة الفلسطينيين، معتبرة المسيحيين شركاء في النضال والقضية».

ما حصل قد حصل.

هناك رسالة أرادت «حماس» توجيهها لا أكثر.

فحوى الرسالة التي نجحت في توجيهها أن على الفلسطيني المسلم أن يكون متزمتا وألّا يشارك الفلسطيني المسيحي، وهو مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة، أعياده.

ما لا تدركه «حماس» أنّ الفلسطينيين المسيحيين لا يحتاجون الى شهادة في الوطنية، لا منها ولا من غيرها. كشف ما فعلته أنّها تتصرّف على نسق ما كان يتصرّف النظام السوري في لبنان.

كان النظام السوري يصنّف اللبنانيين بين وطني وخائن بهدف إرهاب المواطن العادي.

سمعت شخصياً في أحيان كثيرة مسؤولين سوريين يتحدثون على طريقة «صحيح أنّه مسيحي، لكنه وطني».

كيف يحقّ لنظام أقلّوي سوري لا يزال يعتاش منذ الآن من الاحتلال الإسرائيلي للجولان، في العام 1967، إعطاء شهادات في الوطنيّة في لبنان وفي غير لبنان.

كان يفعل ذلك لتغطية حقيقته التي لا علاقة لها بالوطنية من قريب أو بعيد.

كان يغطْي عمليا عداءه الأوّل، وهو عداء للسنّة اللبنانيين الذين عمل على شرذمتهم على غرار شرذمته لأهل السنّة في سورية.

ظهر ذلك من خلال ما فعله لدى تغطية اغتيال رفيق الحريري في العام 2005 وقبل ذلك المفتي حسن خالد وآخرين.

الى جانب ذلك، اغتال النظام الأقلّوي السوري سياسياً شخصيات مثل صائب سلام وتقيّ الدين الصلح وغيرهما!

يكشف الموقف العدائي لـ«حماس» من عيد الميلاد (الكريسماس)، أي ميلاد المسيح، حقيقة مثل هذه الحركات المتطرّفة التي تدّعي مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، على غرار ادعاء النظام السوري أنّه في قلب «محور المقاومة والممانعة» الذي تقوده «الجمهورية الإسلاميّة» في إيران التي تربطها تاريخياً علاقات أكثر من وثيقة بحركة مثل «حماس».

نذرت «حماس» نفسها لسدّ كلّ الأبواب أمام السلام، علماً أن اليمين الإسرائيلي تكفل سلفاً بالبقية بعدما التقت معه في منتصف الطريق وساهمت في صعوده عبر عملياتها الانتحارية.

ما سعت إليه «حماس» منذ يوم ولادتها، ومازالت تسعى إليه الى يومنا هذا، يتمثّل في تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني حيث لم يكن في مطروحاً في يوم من الأيّام من هو مسيحي ومن هو مسلم.

الأولويّة لدى الحركة هي لتغيير وجه فلسطين ووجه الفلسطيني تحديداً.

لذلك تطلق الصواريخ بين حين وآخر في اتجاه أراض إسرائيلية وذلك دعماً للشعار الذي أطلقه ارييل شارون في يوم من الأيّام عن «غياب الطرف الفلسطيني الذي يمكن التفاوض معه».

ان نظرة الى تاريخ «حماس»، منذ لحظة إعلان ولادتها في ثمانينات القرن الماضي من أجل وضع العصي في طريق البرنامج الوطني الفلسطيني، تعطي فكرة عن الهدف الحقيقي للحركة.

الهدف واضح كلّ الوضوح.

على العالم النظر الى الفلسطيني من خلال ذلك المقنع الذي يحمل السلاح او المتأهّب لإطلاق صاروخ.

لعلّ الفرصة الأهمّ التي فوتتها «حماس» على الشعب الفلسطيني كانت في أغسطس من العام 2005 عندما انسحبت إسرائيل من كلّ قطاع غزّة.

بدل أن تساعد «حماس» في إقامة نواة لدولة فلسطينية مسالمة بعد انسحاب الاحتلال، سارعت الى اعتبار غزّة أرضا «محرّرة» يجب الانطلاق منها لتحرير كلّ فلسطين.

الأكيد أن السلطة الوطنية لم تكن في تلك المرحلة في مستوى الحدث.

لم تدر ما الذي عليها عمله بعد الانسحاب الإسرائيلي.

هذا الأمر سهّل على «حماس» مهمّتها الى حد كبير وصولاً الى تنفيذ انقلابها منتصف العام 2007.

لم يكن من هدف لهذا الانقلاب سوى الوصول الى الوضع الراهن.

هناك إمارة إسلاميّة في غزّة على طريقة «طالبان».

ليس العداء لـ«الكريسماس» سوى رمز من رموز هذه الإمارة في ظلّ حصار إسرائيلي ورغبة لـ«حماس» في استمرار هذا الحصار.

كان في الإمكان تحويل غزّة الى منطقة مزدهرة.

كان في الإمكان مواجهة الحجة غير المنطقية الإسرائيلية عن غياب المحاور الفلسطيني، لكنّ أصرّت على استكمال مشروعها القائم على تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني.

أصرّت عملياً على تقديم كلّ الخدمات المطلوبة إسرائيلياً في ظل قيادة فلسطينية تجاوزها الزمن وتجاوزتها الأحداث بعدما شاخت الى حد كبير.

لم يعد في الإمكان حالياً سوى الاعتراف بالواقع المتمثّل في أنّ «حماس» ظهرت أخيراً، من خلال عدائها للفلسطينيين المسيحيين، على حقيقتها.

كلّ ما تريده هو بقاء إمارتها الطالبانية في غزّة الى ما لا نهاية... على أمل أن تعمّ التجربة الضفّة الغربية يوماً.

ليس ما يمنع «حماس» من تحقيق طموحاتها التي تتجاوز غزّة في ظلّ العجز على مواجهتها من جهة والتواطؤ الإسرائيلي مع كلّ ما تقوم به من جهة أخرى.

الأكيد أنّ الشعب الفلسطيني لن يستسلم.

سيظل هناك من يعمل على المحافظة على الهويّة الفلسطينية الجامعة.

المؤسف أن المعركة مع «حماس» ستكون طويلة وتحتاج الى قيادة مختلفة.

متى توجد مثل هذه القيادة؟ لا جواب في الوقت الحاضر.

كلّ ما يمكن قوله إن أهل غزّة في سجن كبير من دون سقف وهذا ما يدركه معظم الفلسطينيين المقيمين في الضفّة الغربية الذين عليهم خوض معركة كبيرة على جبهات عدّة.

في مقدّم هذه الجبهات ومن أهمّها، جبهة السلطة الوطنيّة التي تراهن على وهم إدارة جو بايدن وهي تعرف أنّها لا تملك سوى لعب ورقة التنسيق الأمني مع إسرائيل.

أمّا الجبهة الثانية التي لا تقلّ أهميّة فهي جبهة منع «حماس» من نقل كلّ تخلّفها الى الضفّة فتهجّر ما بقي من مسيحيين فيها!