الرأي اليوم

الحكومة هي المشكلة... والحلّ

22 نوفمبر 2020 09:30 م

على صعوبة ما نحن فيه، إلا أنّ أزمة كورونا لم تكن السّبب في وصول الكويت إلى ما وصلت إليه في مختلف القطاعات، بل كانت الرافعة التي أزالت الغطاء عما دفنته الحكومات السابقة تحته من مشاكل ودفنت رأسها كالنّعامة قربها.

مشاكل لا عدّ لها ولا حصر، لكن العنوان العريض لها هو «المشكلة في الحكومة»، في نهجها، في رؤيتها، في طريقة اتّخاذها للقرار، في طريقة تنفيذها للقرار، في أسلوب الصفقات مع مجلس الأمة الذي تاهت معه مشاريع حيويّة وصارت في غياهب النّسيان، في تجاهل الأولويات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والإنسانيّة المتعلّقة بحاضر الكويتي ومستقبله... واللائحة تطول.

وضع كل المشاكل على مشجب كورونا فيه ظلم كبير واستخفاف أكبر. قد تكون الجرثومة ساهمت في نكء الدمامل لتظهر أمراض التقصير والبيروقراطيّة وسوء الإدارة وما أدّت إليه من أزمات منها على سبيل المثال لا الحصر، التركيبة السكانيّة والوضع الاقتصادي وواقع فئة البدون... وكلها ليست قضايا آنيّة عمرها عشرة أشهر بل تعود لعشرات السنين. كل قضية يؤجّل حلّها لعقد وعقدين وثلاثة فذلك يعني أمراً واحداً، وهو أن الحكومات المتعاقبة لم ترغب أو لم تملك الإرادة لحلّها وتركتها لتقادم الزمن لتعود وترتدّ على البلد بأقسى وأشدّ من الأول.

وكي «تعميها» الحكومات نهائياً بعدما حاولت أن «تكحّلها»، وتذهب بعيداً في الخطأ والخطيئة، تم إلغاء وزارة التخطيط التي هي عمود الخيمة بالنسبة للعمل الحكومي والقيادي عموماً في البلد، وهي الوزارة التي كان يفترض أن تكون مرشداً لمختلف الوزارات وموجّهاً لها عبر وضع الخطط القصيرة والمتوسّطة والطويلة المدى ومراقبتها ومتابعتها.

مرّة أخرى لن ندخل في تفاصيل كل خطأ ارتكبته الحكومة، إنما توقّفنا عند القضايا الثلاث التي طفت على السطح مع غزو الجائحة، ففي ملف البدون تعاملت الحكومات معه ككرة نار كل واحدة تلقيها على الأخرى، وراهناً لمسنا تحركاً نيابياً جاداً لوضع تصوّر لحلّ أزمة البدون، ومع الاحترام الكامل لهذه الجهود إلا أن ملفاً كهذا لا يضع تصوّراته النهائية المجلس ويحيله إلى الحكومة بل العكس صحيح، أي أن الحكومة هي المسؤولة عن وضع التصوّرات وتفاصيلها القانونيّة والدستوريّة وإحالتها إلى المجلس.

التركيبة السكانيّة؟ صحّ النوم يا حكومة. هل بدأت الأزمة مع كورونا أم أنّ الجائحة كشفت أن هذا الملف هو لغم وضعت أمامه حواجز كي يتمّ العبور بجانبه ثم فجأة استفاق الجميع على وجوب حلّه وبدأ التخبّط عبر دغدغة العواطف الشّعبية والتصوّرات والقرارات الحماسيّة... وكلها خطأ في خطأ.

أمّا الوضع الاقتصادي فحدّث ولا حرج، بل وحدّث بكل ثقة عن مساهمة أخطاء الحكومة في دفعه أكثر إلى الانهيار. وذكّر دائماً بعشرات التحذيرات على مدى عقود من خطورة الاعتماد على مصدر واحد للدخل وعدم تنويع المصادر، وقل فقط إن العجز المتراكم في الميزانيّات بات يهدّد الرّواتب.

لماذا نقول ذلك اليوم...

لأنّنا في عهد جديد، ومشكلة المرحلة الراهنة أن العهد الجديد لا يملك ترف الوقت أولاً، ولا ترف الوفرة المالية ثانياً، ولا ترف الاستقرار الإقليمي النسبي ثالثاً... ولذلك فالجميع مطالب، وتحديداً السلطة التنفيذيّة، بالتّخفيف ما أمكن من الأثقال عن كاهل العهد.

ولأننا على أبواب انتخابات ستتبعها حكومة جديدة... وهنا بيت القصيد. الانتخابات هويّتها وعواملها وظروفها وحساباتها الاستقطابيّة الطائفيّة المناطقيّة القبليّة شيء وحسابات تشكيل الحكومة شيء آخر. الحكومة يشكّلها فرد واحد من ضمن منظومة حكم، وهنا لا بدّ من الكلام الصّريح وليتحمّلنا البعض.

التغيير يجب أن يبدأ من رئاسة الوزراء، ونحن هنا لا نتحدّث عن أشخاص بل عن نهج. رئيس الوزراء – أيّ رئيس وزراء- قبل التكليف يجب ألا يعتذر بحجج مختلفة ويطلب أن يعفى من هذه المهمة ثم يرضى بالمنصب. فهو هنا يعتقد أن هذا الأمر يعطيه ورقة لتبرير تقاعس الحكومة لاحقاً بحجّة أنه لم يكن يرغب في المنصب. ومع الاحترام الشّديد للجميع نقول إمّا أن توافق وتكون مقداماً وصاحب قرار ورؤية وإمّا أن تبقى على اعتذارك ويتمّ تكليف غيرك من داخل الأسرة أو من خارجها برئاسة الحكومة.

ثم يأتي الأهمّ وهو اختيار الوزراء. يا قيادة يا سادة يا أصحاب القرار، الكويت أنهكت بفعل استمرار المحاصصة في تشكيل الحكومات، فليكن التّشكيل هذه المرّة على قاعدة واحدة: الكفاءة فالكفاءة... ثم الكفاءة.

هذا ليس وقت التجربة مجدّداً بالشّعب الكويتي والكويتيّون ليسوا حقل اختبار. فلتتوقّف المحاصصة والحسابات مع المجلس والقوى السياسيّة والطائفيّة وليتم اختيار الأكفأ... والكويت مليئة بأهل المعرفة والاختصاص.

أعيدوا وزارة التخطيط، وأعيدوا للوزراء استقلاليّتهم ولا تعتبرونهم موظّفين. دعوهم يعملون بما يخدم المصلحة العامة ولو كانت بعض القرارات مؤلمة راهناً لكنها محصّنة للمستقبل، ولا تدخلوهم في تجارب الصفقات والمساومة مع المجلس... فالكويت لا تستحقّ نهجاً جديداً فحسب بل هي مُجبرة عليه.