خيرالله خيرالله / إنقاذ ما يمكن إنقاذه... لبنانياً

1 يناير 1970 05:06 م
تابع الرئيس سعد الدين رفيق الحريري المهمة الوطنية الملقاة على عاتقه. انقذ ما يمكن انقاذه من مؤسسات الدولة اللبنانية التي تتعرض لهجمة شرسة تستهدف القضاء عليها. استطاع زعيم الأكثرية النيابية والشعبية في لبنان تشكيل حكومته بعد مماحكات استمرت مئة وخمسة وثلاثين يومياً تولت خلالها أدوات الأدوات تنفيذ مهمة العرقلة على نحو مباشر بعد صدور تعليمات واضحة لها في هذا الشأن. لما جاء الضوء الأخضر من طهران، تشكلت الحكومة من دون أن يعني ذلك أنها ليست حكومة مقبولة إلى حد ما، علماً أن ثمة من يعتبرها حكومة سيئة ما فيه الكفاية نظراً إلى تجاوزات كثيرة رافقت عملية التشكيل. لاشك أن الحكومة ضمت شخصيات تبعث على التفاؤل مثل الشيخ بطرس حرب وغيره من الوطنيين، لكنها ضمت في المقابل شخصيات أقل ما يمكن أن توصف به أنها تمثل الفشل في حد ذاته وتجسده من كل ناحية من النواحي، بما في ذلك الناحية الأخلاقية!

لعلّ أفضل من لخص السلبيات التي تخللت مرحلة ما قبل ولادة الحكومة الرئيس نجيب ميقاتي الذي أبدى خوفه على مستقبل النظام الديموقراطي في لبنان، وعلى الصيغة اللبنانية التي سعى «اتفاق الطائف»، إلى المحافظة عليها قدر الامكان عن طريق حفظ التوازن بين المسلمين والمسيحيين بعيداً عن لغة السلاح، والميليشيات، والكلام عن الأكثرية العددية، وما شابه ذلك.

لمح رئيس الوزراء السابق ونائب طرابلس حالياً إلى أن المطلوب، في ما يبدو، تكريس بدء العمل بنظام جديد في لبنان يحل مكان المعمول به حالياً، أو أقله فرض طريقة جديدة تتشكل بموجبها الحكومات بعيداً عن الأصول الديموقراطية. قال بالحرف الواحد: «كثير من التجاوزات رافق تشكيل الحكومة، لا سيما في ما يتعلق بصلاحيات الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية في اختيار الوزراء والحقائب وإعلان الحكومة، وذهاب الأفرقاء السياسيين المعنيين بعيداً في التمسك بمطالبهم ما حوّل عملية تشكيل الحكومة، إلى بازار مفتوح على المزايدات وعمليات العرض والطلب». أمل ميقاتي، يبدو أنه يدرك مغزى فرض وزراء بقوة السلاح والأبعاد المترتبة على تركيب اطراف اصطناعية لسياسيين لبنانيين بهدف تضخيم أحجامهم ليس إلاّ، أن تكون هذه التجاوزات «مرحلية وأن لا تكرس أعرافاً عند تشكيل الحكومات مستقبلاً». ما الذي يضمن ذلك في ظل وجود السلاح لدى فئة محددة من اللبنانيين؟

المؤسف أن هناك بين اللبنانيين، من المسيحيين خصوصاً من قبل لعب دور الأداة لدى الأدوات. كانت النتيجة المناورات والتهديدات التي سبقت تشكيل الحكومة الحالية بما يعكس رغبة واضحة في احلال السلاح مكان نتائج الانتخابات والديموقراطية. الهدف بكل وضوح فرض أمر واقع على اللبنانيين يقبلون بموجبه الرضوخ لما يطالب به «حزب الله» الذي ليس في نهاية المطاف سوى لواء في «الحرس الثوري» الإيراني بعناصر لبنانية. هناك، بين المسيحيين، من قبل أن يكون لديه وزراء في الحكومة بفضل سلاح «حزب الله»، والتهديد اليومي بضرب السلم الاجتماعي، وأخذ البلد إلى مغامرة جديدة تصب في خدمة المحور الإيراني- السوري وإسرائيل في الوقت ذاته، على غرار مغامرة حرب صيف العام 2006، واستكمال الحرب الإسرائيلية بالاعتصام في وسط بيروت... ثم غزو العاصمة والجبل الدرزي.

المخيف، وسط كل الكلام عن دور إيجابي لدمشق، انه خلاف لكل ما يقال عن استعداد لدى النظام السوري للعمل من أجل ايجاد مكان له في إطار الأسرة الدولية، ليس ما يشير إلى وجود أي نية لديه للتخلي عن ممارسات شب عليها. على رأس هذه الممارسات تهريب السلاح والمسلحين إلى لبنان والتظاهر في النهاية بأنه قادر على لعب دور الاطفائي... والدعوة إلى الوفاق بين اللبنانيين. يرفض هذا النظام الاعتراف بأزمته العميقة التي تبدأ بضمور اقتصاده، والنمو السكاني الهائل، والهجرة المستمرة إلى المدن، وتنتهي بنمو ظاهرة التطرف الديني. ليس أمام هذا النظام، العاجز عن مواجهة أزمته التي تجعله غير قادر لا على الحرب ولا على السلام، سوى العبث بلبنان والارتماء في أحضان إيران، ومسايرة تركيا إلى أبعد حدود المسايرة. انها عملية هروب مستمرة إلى أمام، كانت العراقيل في وجه تشكيل حكومة سعد الدين الحريري جزءا لا يتجزأ منها.

ما ينطبق على النظام السوري، ينطبق بشكل أكبر على النظام الإيراني الذي أثبت أنه صار اللاعب الأول في لبنان، وأن لديه الأداة التي تمكنه من السيطرة على المعارضة اللبنانية باستثناء التنظيمات التابعة مباشرة للأجهزة السورية. لم تبصر الحكومة النور إلاّ بعد تدخلات قام بها غير طرف لدى طهران. كان المسؤولون الإيرانيون الكبار يرددون أمام الوسطاء أنهم ليسوا على عجلة من أمرهم، وأن ولادة الحكومة اللبنانية تستطيع أن تنتظر، وأن الأمر يتعلق بتصفية حسابات بين إيران وأطراف عربية معينة! بالنسبة إلى النظام في إيران، لبنان ليس سوى «ساحة» وبيروت ليست سوى مدينة على المتوسط تسيطر عليها ميليشيا تأخذ تعليماتها من طهران.

غداً أو بعد غد، سيتبين أن الرئيس الحريري كان على حق عندما تسلح بالصبر والحكمة التي فرضت عليه التحول إلى طبيب نفساني أحياناً. كشفت مرحلة ما قبل تشكيل الحكومة نوع التحديات الذي يواجه الاستقلاليين في لبنان. انها تحديات من العيار الثقيل مرتبطة إلى حد كبير بمستقبل البلد. هل لبنان بلد مستقل أم انه رأس حربة للمحور الإيراني- السوري، هل هو بلد يحترم قرارات الشرعية الدولية، على رأسها القرار 1701 أم يسعى إلى التحايل عليها ارضاء للرغبات السورية- الإيرانية، هل يمكن أن يكون لبنان ضد القرارات الدولية ومعها في الوقت ذاته، هل يمكن العودة إلى المؤسسات الديموقراطية... أم أن الكلمة النهائية للسلاح الموجه إلى صدور المواطنين؟

في حال كان مطلوباً اختصار الوضع اللبناني بكلمات قليلة، يمكن القول ان لبنان يقاوم. تشكيل الحكومة تعبير عن هذه المقاومة لا أكثر ولا أقل. ثقافة الحياة في لبنان لا تزال تقاوم. ثقافة الحياة هي التي مكنت اللبنانيين من الانتصار على نظام الوصاية واخراجه عسكرياً، وهي التي جاءت بالمحكمة الدولية... ثمة في الحكومة الجديدة من لا يريد السماع بالمحكمة. أو ليس ذلك كافياً للخوف عليها وعلى مؤسسات الدولة اللبنانية التي يعمل سعد الحريري على المحافظة عليها وحمايتها وتطويرها؟



خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن