علي سويدان / التربية والتنجيم!

1 يناير 1970 06:14 م
ليس سهلاً أن يتسرع أحدنا في الحكم على المستوى التعليمي لطلبتنا، فلعل من السهل على المعلم أن يُشكِّكَ في قدرات الطالب، وربما يستسهل وليُّ الأمر فيمسَّ كفاءة المعلم من باب عاطفته تجاه ولده أو ابنته! ولكن يكون الأمر أكثر وضوحاً وإنصافاً عندما نقف على الخلل، ونضع يدنا على الألم لنعرف العلاج المناسب.

لا نريد أن يكون عملُ المعلمين في بلادنا العربية أشبه بالارتجال، أو تسيير الأمور على طريقة الاستسهال أو ربما تسير في بعض الأوقات بطريقةٍ عفوية! أقصد لم يعد مقبولاً في عالم يخطو باحداثيات العلم أن نسير بالتعليم بالاعتباط والتجربية الفردية! إذاً الأمر أكثر من جديٍّ ويحتاج إلى دراية؛ العملية التعليمية تقوم على ثلاثة أطراف رئيسة، أولاً: المنهج، وثانياً: المعلم، وثالثاً: الطالب. لست بصدد الشروع في بيان أقسام وتفريعات العملية التعليمية غير أني أرمي للحديث عن جزئية من المنهاج، وهي الوسائل التي تحمل الأفكار والمعاني إلى الطالب للوصول إلى الهدف المرجو.

الوسائل متعددة ومتنوعة من حيث عددها لتبدأ من الكتاب فالسبورة، فاللوحات الحائطية، ثم الصور والرسوم ناهيك عن وسائل جديدة مثل «الكمبيوتر، والبروجكتر» واختلاف الصوتيات... يهمني أن أخص الوسائل من حيث الثبات والحركة حيث نسقط الصفتين من حركة وثبات على تنوع ما سبق ذكره من الوسائل، فنرى أنه الأَوْلى ابتداء تحديدُ أساسيات وقواعد للمادة العلمية تقوم عليها أداءات هذه المادة بمختلف متابعاتها، وجعل من الوسائل ما هو ثابت وبارز في نقطة العرض ليكون في قلب النظر لدى الطالب دون طغيان ما هو تابع له باللون أو الحيز، ويمكننا استخدام اللون الأسود والأبيض والأزرق لما هو ثابت قدر الاستطاعة، ونجري ذلك على كل الوسائل من حيث النوع، «الكتاب، والسبورة، وحركة كف المعلم وتعابيره، والأجهزة الإلكترونية المساندة...»، لابد إذن من استسلام الطالب بعقله وقلبه عبر جوارحه وحواسه، نظراً لما هو موجود للوهلة الأولى، وسمعه لما يستقبل به أولاً، وما يستنشق من رائحة إن كان هو القادم إلى مكان الدرس، ولابد من تهيئة أدواته لتشويق الطالب لاستخدام حاسة اللمس لما هو موجود من جاذبيات يدوية أو مهارة كفية، إنك إن قدمت للطالب عبر ما هو ثابت من وسائل لتشبع حاسة النظر والسمع والشم واللمس فكأنك جعلته يتذوق بفمه ما يتمم قنوات الإحساس، في محيطه الذي أعد من أجله، لتأتي الوسائل المتحركة بعد استمرار ما قدم من وسائل ثابتة لتأكيد ما نرد التمسك به وما يبني عليه العلم في مجاله، تأتي الوسائل المتحركة في صروف ما ذكرنا من تنوع الوسائل مستخدمين عبرها ألواناً مثل الأحمر والأصفر والأخضر... لنبين أن الوسائل المتحركة متغيرة ومتنوعة بتنوع ما تحمل من فرعيات المعلومات، يمكننا أن نصور الثابت والمتحرك أو المتغير في الوسائل التعليمية وكأن الثابت نجم متلألئ حوله كواكب عديدة ومنوعة كما المتغيرات من الوسائل. لا نريد أن يصبح اصبع اللوم متجهاً بشكل دائم إلى الطالب متذرعين بقصوره، ولا نريد أن تنصرف أفكارنا وعباراتنا إلى اتهام المناهج بالنقص أو أنها تحتاج إلى تطوير أسوة بغيرها! مهما كانت المناهج أقرب إلى الدقة والإحكام، ومهما كان الطالب جامعاً لأسباب التلقي السليم، إن كان في الوسيلة التي يستخدمها المعلم خللاً ما انعكس الخلل على الطالب مهما بلغ المعلم درجات من العلم وطول الخبرة!

إذا علينا أن نتفقد جوانب العملية التعليمية بدقة اليد الحانية على أبنائنا لتوفير أنجح ما يمكن من متابعة للمعلم والمنهج والطالب، هذه اليد الحانية جديرة بالوصول إلى ما نأمله من أجل الأجيال القادمة، أما إذا جرَّدْنا أيدينا من الحنوِّ سنُطلُّ على هذه العملية بكف المفتش لا بكف الموجه، وسننظر بعين المراقب لا بعين المربي والمعلم، نحن أمام عملية جراحية خطيرة نُطلق عليها العملية التعليمية، والوسائل أشبه بمشْرط الجرّاح وأيُّ خطأ سيُودي بهذه العملية بل بجيل يمرُّ من بين أيدينا، إن العرب اليوم مضطرون للوقوف على خطواتٍ علمية حقيقية في عملية تعليم أبنائهم بعيداً عن التنجيم والاعتباط في التربية والتعليم.





علي سويدان

كاتب وأكاديمي

[email protected]