خيرالله خيرالله / الانتخابات الفلسطينية... لماذا صارت ضرورة؟

1 يناير 1970 05:06 م
كان مهماً أن تستعيد السلطة الوطنية الفلسطينية المبادرة بتغطية من «منظمة التحرير» التي تمثل مرجعية السلطة. كان مطلوباً تحديد موعد للانتخابات بغض النظر عن موقف «حماس». حدد الرئيس الفلسطيني السيد محمود عبّاس (أبو مازن) في الرابع والعشرين من يناير المقبل موعداً للانتخابات الرئاسية والتشريعية. المطروح الآن أن يتمسك أبو مازن بما ورد في المرسوم الرئاسي الذي أصدره. مثل هذا الموقف الوطني المتمثل في اجراء الانتخابات يؤكد رغبة الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة واستعادة حقوقه الوطنية استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية، على رأسها القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن والذي في أساسه مبدأ الأرض في مقابل السلام.

لماذا الانتخابات؟ انها أكثر من ضرورة، انها فعل مقاومة حقيقي في الطريق إلى بناء الدولة وتكريس وجود مؤسسات فلسطينية منتخبة تدعم المشروع السياسي الفلسطيني، مشروع «منظمة التحرير الفلسطينية» الذي مكنها من الحصول على اعتراف المجتمع الدولي بحقوق الشعب الفلسطيني ودخول فلسطين الأمم المتحدة بصفة كونها عضواً مراقباً في المنظمة الدولية الأم. ما سمح بهذا الاختراق السياسي الذي وضع القضية الفلسطينية على الخريطة العالمية هو برنامج «منظمة التحرير» الذي يقوم على حل الدولتين. عندما بدأ الحديث، في السبعينات من القرن الماضي، عن دولة فلسطينية مستقلة على أي شبر ينسحب منه الاحتلال، بدأ العالم يعي أن للفلسطينيين قضية، وأن لديهم القدرة على التعاطي مع الواقع وليس الاكتفاء بترديد الشعارات من نوع تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، أو من النهر إلى البحر، لا فارق.

حسناً فعل الرئيس الفلسطيني عندما خرج في مؤتمره الصحافي السبت الماضي عن اللغة التي يستخدمها عادة في اللقاءات العلنية والتي تتسم بكثير من اللياقات. هذا ليس وقت اللياقات بعدما تبين أن «حماس» ترفض المصالحة الفلسطينية عن سابق تصور وتصميم. بدأ أبو مازن يصف الوضع في غزة على حقيقته. انها بالفعل «إمارة ظلامية» أقامتها «حماس» في القطاع بهدف تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني لا أكثر ولا أقل. لم يتردد أبو مازن في تأكيد أن «حماس» ترفض دخول المساعدات الدولية وإعادة إعمار القطاع ما دامت الأموال لا تمر عبر الحركة. فضح الرئيس الفلسطيني «حماس»، قال ما يجب قوله في مناسبة مثل مناسبة الإعلان عن تحديد موعد للانتخابات الفلسطينية، انتخابات تكرس مبدأ تداول السلطة ووجود أكثرية وأقلية في المجلس التشريعي. ليس سراً أن أبو مازن لم يتردد لحظة عندما فازت «حماس» في الانتخابات التشريعية في العام 2006 وكلف أحد قادتها تشكيل الحكومة. هل مفهوم «حماس» للانتخابات أن الديموقراطية صالحة للوصول إلى السلطة، وأنها مجرد وسيلة لتحقيق ذلك، وأن الانتخابات جيدة ومشروعة عندما تكون لمرة واحدة فقط... انها المرة التي تنتهي بوصول «حماس» إلى السلطة كي تتمسك بها إلى أبد الآبدين!

المهم الآن أن يتمسك الرئيس الفلسطيني باجراء الانتخابات، تماماً مثلما تمسك بعقد المؤتمر السادس لحركة «فتح» في أغسطس الماضي داخل الأراضي الفلسطينية. مثل هذه الانتخابات، التي يفترض أن تجري في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، تعكس الرغبة في تحقيق تقدم على صعيد التسوية على الرغم من وجود حكومة إسرائيلية برئاسة بنيامين نتانياهو تسعى إلى تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية والقدس الشرقية.

قبلت «حماس» باجراء انتخابات في غزة، التي تسيطر عليها بالحديد والنار، أم لم تقبل. ليست تلك المسألة. في النهاية انعقد مؤتمر «فتح» في رام الله على الرغم من منع «حماس» لممثلي «فتح» في القطاع من التوجه إلى الضفة. هناك نواة لدولة فلسطينية في الضفة الغربية. لابدّ من المحافظة على هذه النواة عن طريق متابعة حكومة الدكتور سلام فياض لعملية بناء مؤسسات لدولة فلسطينية وترتيب البيت الداخلي. استطاع الفلسطينيون في الضفة الغربية، عبر سلسلة من الخطوات الجريئة، التأكيد للعالم أن الفلسطينيين يحترمون الاتفاقات الموقعة مع أي طرف آخر. ولذلك، ساد الأمن في الضفة وحصل نوع من الاستقرار سمح بحد أدنى من الازدهار الاقتصادي. بكلمة، لم تعد الضفة الغربية أرضاً طاردة لأهلها كما يتمنى الاحتلال الأسرائيلي، صارت الضفة تجذب استثمارات فلسطينية وتوفر فرص عمل للفلسطينيين بعد القضاء على فوضى السلاح. ان فوضى السلاح علة العلل وتمثل أكبر خدمة يمكن تقديمها إلى إسرائيل. لبنان، حيث السلاح غير الشرعي الذي يمنع تشكيل حكومة منبثقة عن الأكثرية النيابية، يشكل أفضل مثل على ذلك، وعلى مدى خطورة السلاح الميليشيوى لـ «حزب الله»، رديف «حماس»، على المجتمع المدني، أي مجتمع مدني في أي دولة عربية أو غير عربية.

يفترض في الرئيس الفلسطيني الذهاب إلى النهاية في الانتخابات. كل كلام عن مصالحة فلسطينية- فلسطينية مجرد وهم لسبب في غاية البساطة... السبب يتمثل في غياب الرغبة لدى «حماس» في الانخراط في المشروع الوطني الفلسطيني. من دون الانضمام الى هذا المشروع، لا مستقبل للقضية الفلسطينية ولا أمل من أي نوع كان في إقامة دولة فلسطينية مستقلة توفر حداً أدنى من الحقوق الوطنية للإنسان الفلسطيني.

أكد أبو مازن أنه ليس في وارد المناورة، لديه قاعدة متينة ينطلق منها لاجراء الأنتخابات. هذه القاعدة اسمها الضفة الغربية، ان النجاح في اجراء الانتخابات، حتى لو اقتصرت على الضفة والقدس الشرقية، سيعطي دفعة للمشروع الوطني الفلسطيني وسيثبت أن لا همّ لـ «حماس» سوى السيطرة على إمارتها «الطالبانية» في غزة. ستكتشف «حماس» بعد فترة أن ثقافة الحياة لدى الفلسطيني أقوى من ثقافة الموت، وأن المقاومة الحقيقية تقضي بالتمسك بثقافة الحياة التي ستنتصر في غزة عاجلاً أم آجلاً... بغض النظر عن كل الميليشيات التي شكلتها في القطاع بهدف القضاء على كل ما هو حضاري فيه.





خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن