خيرالله خيرالله / نوبل السلام: على قدر نياتكم ترزقون!
1 يناير 1970
05:06 م
لا يمكن إلاّ الترحيب بمنح الرئيس باراك أوباما جائزة نوبل للسلام. انها المرة الأولى التي تمنح الجائزة إلى شخص تقديراً لنياته الحسنة، عملت اللجنة التي تمنح نوبل السلام بموجب المثل القائل: على قدر نياتكم ترزقون. هل سنرزق على قدر نيات أوباما ويسود السلام ولغة الحوار العالم؟
إلى الآن، امتلك الرئيس أوباما كل النيات الحسنة الممكنة، وأثبت أنه يريد بالفعل تجميل صورة الولايات المتحدة في العالم، وتقديم المجتمع الأميركي على حقيقته وليس بصفة كونه مجتمعاً لا يؤمن سوى بالفوقية. تبدو مهمة أوباما في هذا المجال سهلة في حال اقتصر الأمر على النيات. ولكن هل النيات الحسنة وحدها تكفي لوضع سياسة على الصعيد العالمي؟ الجانب السهل أن كل ما على الرئيس الأميركي عمله هو الخروج بمواقف متعارضة مع سياسات سلفه جورج بوش الابن كي يصفق له الناس، كل الناس. كان خطابه في القاهرة، وقبل ذلك خطابه في اسطنبول، دليلاً على رغبة حقيقية في مصالحة أميركا مع العالم، خصوصاً مع العالم الإسلامي، ربما كان الهدف الحقيقي للرئيس الأميركي أن تتصالح الولايات المتحدة مع نفسها أوّلاً! هل حقق شيئاً ما من هذا الهدف أو اقترب منه ولو قليلاً كي يستأهل جائزة نوبل للسلام؟
سبق لرؤساء أميركيين الحصول على جائزة نوبل السلام تقديراً لهم على أعمال محددة قاموا بها. فالرئيس تيدي روزفلت، وهو أول رئيس أميركي يحصل على الجائزة، كوفئ في العام 1906 من القرن الماضي على وساطته التي أدّت إلى التوصل إلى معاهدة بين روسيا واليابان حالت دون حرب بينهما. وحصل الرئيس وودرو ولسون على الجائزة بسبب دوره في تأسيس عصبة الأمم بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في العام 1919. وعصبة الأمم هي المؤسسة الدولية التي كانت المظلة التي نظمت العلاقات الدولية قبل قيام الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. كذلك حصل الرئيس جيمي كارتر على جائزة نوبل في العام 2002 مكافأة له على نشاطه من أجل السلام وتحسين الأجواء الدولية، علماً أنه كان في الإمكان منحه الجائزة في العام 1979 بعد توقيع معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية وهي الأولى من نوعها بين دولة عربية وإسرائيل. لولا جيمي كارتر لما كانت قمة كامب دايفيد في خريف العام 1978 التي أدت إلى اتفاقين بين مصر وإسرائيل أنبثقت عن أحدهما معاهدة السلام. كافأت لجنة جائزة نوبل كارتر متأخرة، وها هي الآن تكافئ باراك أوباما على انجازات لم تتحق.
لم تكافئ لجنة نوبل رئيساً مثل ريتشارد نيكسون، ظلمته لاحقاً فضيحة ووترغيت. غيّر نيكسون العالم عندما انفتح على الصين في العام 1972. قلب الموازين الدولية رأساً على عقب. فجأة، صارت الصين في مكان آخر. صارت جزءا من معادلة دولية مختلفة عن تلك التي كانت قائمة قبل العام 1972 عندما كان هناك قطبان دوليان. كانت زيارة نيكسون لبيجينغ خطوة أولى في طريق انتهاء الحرب الباردة واضعاف الاتحاد السوفياتي. وعلى الرغم من ذلك لم يحصل نيكسون على نوبل السلام.
على ماذا يكافأ أوباما إذاً؟ هل يُكافأ على تنفس العالم الصعداء لمجرد خروج جورج بوش الابن من البيت الأبيض وعدم حلول «الجمهوري» جون ماكين مكانه؟ في النهاية، لا يزال أمام باراك أوباما طريق طويل قبل أن يحقق انجازاًَ، ولو متواضعاً، يساهم، ولو قليلاً، في تغيير صورة أميركا في العالم. ليس كافياًَ تأكيد الإدارة الأميركية أنها ستلجأ إلى لغة الحوار كي تتغير صورتها في العالم. ماذا ينفع الحوار مع بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي المصر على تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية والقدس الشرقية بما يكفل استحالة قيام دولة فلسطينية «قابلة للحياة»، وماذا ينفع الحوار مع النظام الإيراني الذي لا همّ له سوى كسب الوقت بغية وضع العالم أمام أمر واقع يتمثّل في سيطرته على العراق ووضعه تحت وصايته لا أكثر ولا أقل، أما الكلام عن برنامجه النووي فهو مجرد تمويه على هدفه الحقيقي الذي هو العراق ونفط العراق؟ وماذا ينفع الحوار مع النظام السوري إذا لم تكن هناك رغبة لديه في الانصراف إلى معالجة المشاكل الحقيقية للمواطن السوري بدل الهرب من هذه المشاكل إلى خلق توتر سياسي وأمني في لبنان، وماذا ينفع الحوار في أفغانستان في حال كان مطلوباً الاستسلام لـ «طالبان» وما تمثله من تخلف على كل صعيد بدءا باحتقارها لحقوق المرأة ووضعها كإنسان، وانتهاء بتربية اللحى وحتى طريقة تربيتها لدى الرجال؟
لا شك أن باراك أوباما شخص استثنائي. هل يكفي أن يكون أول أسود يدخل البيت الأبيض ليستحق نوبل السلام، هل يكفي رهانه على روسيا لتطويق إيران والتخلي عن الدرع الصاروخية في بولندا وتشيكيا ارضاء لها كي يصبح رجل سلام؟
ما حصل تسخيف لنوبل السلام. نعم، يمتلك أوباما رؤية. يؤمن بالحوار ويؤمن بضرورة التصدي للمشاكل الحقيقية في العالم. انها المشاكل تجاهلها بوش الابن، ومن أهمها الاحتباس الحراري. لكن الواضح أن الرجل، بسبب عدم قدرته، أقله إلى الآن، على استخدام ما لدى بلاده من قوة ونفوذ وقدرات، يمكن أن يقود العالم إلى كارثة. هناك من دون شك ضرورة للحوار في هذا العالم. لكن الرسائل التي بعثت بها الإدارة الأميركية منذ دخول أوباما البيت الأبيض تشير إلى رغبة في الحوار من أجل الحوار. هل هذا سبب وجيه لحصول الرئيس الأميركي على نوبل السلام... أم كان من الأفضل الانتظار ولو عام آخر للتأكد من قدرته على قطف ثمار الحوار والكلام الجميل في عالم لا يفهم في أحيان كثيرة سوى لغة القوة؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن