في اعتقادي وتصوري أن إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش أطلقت الرصاصة الأولى في حرب إيران بإعلانها فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية المتشددة تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي تعتبر أقسى عقوبات تفرضها منذ عام 1979 أي منذ احتجاز الرهائن الأميركيين في السفارة الأميركية بعد قيام الثورة ضد نظام الشاه السابق. هذه العقوبات الموجهة تحديداً ضد الحرس الثوري، تمهد لسلسلة طويلة من سياسات الاحتواء شبيهة بسياسة «الاحتواء المزدوج» التي كانت طبقتها إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون على النظام البعثي في العراق حتى حرب غزو العراق وأضعفت كثيراً من قدرات العراق القتالية.
الأهداف المرحلية الأبعد من فرض مثل هذه العقوبات سوف تكون على ثلاثة مستويات سياسية واقتصادية وعسكرية، فالهدف السياسي هو فرض مزيد من الضغوط والعزلة السياسية على النظام الإيراني بهدف إجباره على التخلي عن برنامجه النووي وعن التدخل في المناطق الحساسة سياسياً وعسكرياً في الشرق الأوسط مثل العراق وسورية ولبنان، أما الهدف الاقتصادي فهو ينحصر في إبعاد شركاء الولايات المتحدة في مجلس الأمن، روسيا والصين، عن التعامل الاقتصادي مع النظام في إيران أو على الأقل تقليل مستوى التبادل التجاري العسكري بينهما، خصوصاً وأن هاتين الدولتين هما أكبر المستفيدين اقتصادياً من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران عام 1984 وحتى الآن، لذلك أتت العقوبات المشددة الأخيرة من أجل تلافي أي ثغرات يمكن لهاتين الدولتين أو غيرهما استغلالها لكسب مزيد من المصالح التجارية مع إيران. أما الهدف العسكري الأبعد فهو إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وخصوصاً قوتها الضاربة الممثلة بالحرس الثوري، مثلما فعلت الولايات المتحدة مع الحرس الجمهوري العراقي قبل غزو العراق، حتى تفقد إيران أي قدرة مؤثرة على الرد على أي هجوم عسكري سريع وخاطف تشنه الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة تجاه المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، مع الاحتفاظ ببصيص من الأمل بأن تكون هذه العقوبات طريقاً ممهداً للمزيد من عدم الاستقرار الداخلي في إيران، وأن تقود إلى انقلاب شعبي أو عسكري داخلي وقدوم نظام سياسي حليف للولايات المتحدة الأميركية وبرنامجها في المنطقة يوفر على الإدارة الأميركية التكاليف السياسية والعسكرية لشن حرب جديدة في المنطقة.
على الضفة الأخرى من هذه التوترات الجيوسياسية نتابع وبحذر ردة الفعل الإيرانية تجاه هذه العقوبات والتي تنذر بخطر كبير آتٍ على المنطقة وشعوبها، فالمفردات التي استخدمها المسؤولون الإيرانيون للرد على عقوبات الإدارة الأميركية الجديدة لا تختلف في نبرتها وحدتها وثقتها و«عنتريتها» عن تلك المفردات التي سطرها مسؤولو النظام البعثي البائد قبل حرب غزو العراق الأخيرة! فمن يقرأ ردود وزير الداخلية الإيراني مصطفى بور محمد في مقابلته مع «الراي» يخيل له أنه يقرأ أجوبة لوزير الداخلية البعثي آنذاك محمود ذياب الأحمد، وكأن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى! وغيرها من تصريحات المسؤولين الإيرانيين التي تصب في الاتجاه ذاته سواء ضد العقوبات الأميركية الجديدة، أو حتى ضد دول الجوار، ومن بينها الكويت مما يدل على أن عجلة الحرب الاقتصادية قد دارت على أعلى وتيرة ممكنة، ولن يمضي وقت طويل حتى تدور العجلة العسكرية هي الأخرى!
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
[email protected]