خيرالله خيرالله / ما البديل من مشاركة «أبو مازن» في القمة الثلاثية؟
1 يناير 1970
05:06 م
ما يؤكد أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) كان محقاً في حضوره القمة الثلاثية التي دعا إليها الرئيس باراك أوباما في نيويورك الموقف الذي اتخذته «حماس» من القمة. كان كافياً أن تدين «حماس» اللقاء الذي ضم الرئيس الأميركي والرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو كي تكون خطوة «أبو مازن» في الطريق الصحيح، أي أنها ليست خطوة تخدم الاحتلال الإسرائيلي. ما أقدم عليه الرئيس الفلسطيني كان فعل مقاومة حقيقياً نظراً إلى أن الهمّ الإسرائيلي في هذه المرحلة محصور في عزل الشعب الفلسطيني وقيادته بهدف تكريس الاحتلال، استناداً إلى مقولة أن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه.
ماذا كان مطلوباً من «أبو مازن» عمله حتى تعطيه «حماس» شهادة في الوطنية. هل كان مطلوباً منه مقاطعة اجتماع دعا إليه الرئيس الأميركي كي يثبت أنه يقف في وجه الاحتلال؟ أم أن المطلوب السير على خطى «حماس» ومن يقفون وراءها عن طريق تحويل الضفة الغربية إلى قاعدة لـ «القاعدة» على غرار ما هو حاصل في غزة حالياً، أم أن المطلوب أن تكون الضفة الغربية منصة لإطلاق صواريخ في اتجاه الأراضي الإسرائيلية تكراراً لتجربة قطاع غزة التي صبّت في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي؟ عندئذ ستشن إسرائيل حملة عسكرية تمارس من خلالها إرهاب الدولة وتقتل وتدمر من دون حسيب أو رقيب. ما الذي يمكن أن يحصل بعد ذلك؟ فجأة ومن دون مقدمات، صار إطلاق «حماس» للصواريخ والذي كان فعل مقاومة بمثابة فعل خيانة. كانت الصواريخ ستحرر فلسطين من البحر إلى النهر أو من النهر إلى البحر، لا فارق، فإذا بها عمل شائن وخيانة وطنية! ما الذي تغيّر بين ليلة وضحاها. هل كان كافياً أن تجتاح إسرائيل القطاع فيما المجتمع الدولي يصفق لها ولوحشيتها وأن تقتل من تشاء وأن تدمر جزءا لا بأس به من البنية التحتية لغزة كي تنتقل الصواريخ من خانة التحرير إلى خانة الخيانة؟
ثمة بين الشامتين من يقول أن كل ما في الأمر أن الموسى وصلت إلى ذقن كبار قادة «حماس» الذي حوصروا في الطبقة السفلى لأحد المستشفيات في قلب غزة. بعد ذلك، لم يعد لدى «حماس»، التي فهمت الرسالة جيداً، من خيار سوى تأكيد أن همها الأول والأخير يتمثل في الاحتفاظ بالقطاع وسعيها إلى تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني عن طريق فرض طريقة سلوك معينة، ذات طابع طالباني، عليه بدل المساهمة في مقاومة الاحتلال.
ما يحصل حالياً هو انصراف كامل لـ «حماس» عن المساهمة في المشروع الوطني الفلسطيني الذي يستهدف قيام دولة مستقلة في الضفة الغربية وغزة عاصمتها القدس الشرقية استناداً إلى مبدأ الأرض في مقابل السلام.
من يضع العراقيل في وجه السلطة الوطنية الفلسطينية إنما يخدم الاحتلال الإسرائيلي. هل كان مطلوباً من «أبو مازن» رفض الدعوة إلى القمة الثلاثية من أجل تمكين بنيامين نتانياهو من القول أن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه، وأن الفلسطينيين يتهربون من استحقاقات السلام. كل ما فعله الرئيس الفلسطيني أنه عرف كيف يتفادى السقوط في الفخ الإسرائيلي. الآن ليس أمام نتانياهو سوى السعي إلى تفسير موقفه للأميركيين، خصوصاً للمبعوث الرئاسي جورج ميتشل الذي يعرف جيداً أن الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية عقبة في طريق السلام.
هل ذنب محمود عبّاس رفضه تقديم هدية مجانية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، هل رفضه تقديم مثل هذه الهدية يشكل سبباً كافياً كي تشن «حماس» تلك الحملة الشعواء عليه؟ لم يقدّم «أبو مازن» مدعوماً من «فتح»، المستعيدة لحيويتها، ومن السلطة الوطنية أي تنازل لنتانياهو. على العكس من ذلك. أكد مجدداً أن لا معنى لأي مفاوضات فلسطينة إسرائيلية من دون وقف الاستيطان. لن يكون سلام من دون قيام دولة فلسطينية استناداً إلى حدود الرابع من يونيو 1967 وليس استناداً إلى حدود المستوطنات الإسرائيلية. لن يكون سلام من دون القدس ولن يكون سلام من دون حق العودة إلى الدولة الفلسطينية لكل فلسطيني موجود على وجه الخليقة.
لو قرر الرئيس الفلسطيني، لا سمح الله، مقاطعة القمة الثلاثية في نيويورك، لكان حوّل المشكلة إلى مشكلة أميركية- فلسطينية. على إدارة أوباما أن تتحمل الآن مسؤولياتها وأن تقرر هل تريد بالفعل تحقيق السلام في الشرق الأوسط أم أن نياتها الحسنة تقتصر على الخطاب السياسي المنمق؟ كان «أبو مازن» حكيماً. اتخذ قراراً لا يتخذه عادة سوى من يتمتع بمزايا رجل الدولة الذي يقود الشارع ولا ينقاد له. من السهل إطلاق الشعارات الفارغة التي تصفق لها الجماهير. ولكن ماذا بعد إطلاق الشعارات؟ لقد أتقنت «حماس» فن إطلاق الشعارات. ماذا كانت النتيجة؟ النتيجة أن غزة محاصرة وأهلها يتعذّبون وصارت الحركة الإسلامية أسيرة شعاراتها... بل أسيرة الجندي الإسرائيلي الذي تحتجزه منذ ما يزيد على ثلاثة أعوام.
ما فعله «أبو مازن» أنه رفض أن يكون أسير الشعارات. المطلوب أكثر من أي وقت أن يكون الفلسطيني أسير المشروع الوطني الذي يؤمن زوال الاحتلال لا أن يفعل كل ما يستطيع لخدمة الاحتلال. كان حضور القمة الثلاثية، بغض النظر عن نتائجها، خطوة في الطريق الصحيح. كانت خطوة في طريق فضح الاحتلال وتأكيد أن مشكلة الأميركي مع الإسرائيلي وليست مع الفلسطيني! في النهاية ما البديل من مشاركة «أبو مازن» في القمة الثلاثية التي دعا إليها الرئيس الأميركي، هل البديل استجداء «حماس»، وهو ما تفعله الآن، أي اجتماع على أي مستوى كان مع مسؤول أوروبي من أي بلد كان؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن