كم أنت عظيم يا لبنان، وكم تحملتَ الصعاب وواجهت المصاعب، لا أدري لو أن وطناً آخر بمقوماتك البسيطة واجه تلك التحديات لاستسلم في منتصف الطريق، لكن إرادة حرة ولدت بالفطرة في أبنائك، وقوة وجودة نلمسها ويراها العالم في نتاجك بالصناعة والزراعة والفن والأدب وغير ذلك، ما جعل المؤامرة عليك كبيرة، وأعين الحسّاد عليك أكثر، ولست بهذه الكلمات ألتمس العذر للبنانيين في أكْلِ أيّ طُعم قادهم في فترة سابقة إلى حرب أهلية! ولست في هذه العبارات أُبَرِّرُ للسياسيين في لبنان أن تقودهم منافساتهم وزجالاتهم التي لا نهاية لها إلى نسيان حاجات الناس ومتطلبات البناء والتقدم، إن مطلباً مُلِحَّاً يدعو الجميع في لبنان إلى القيام بخطوة لا بديل عنها من أجل لبنان ومن أجل اللبنانيين فحسب لا من أجل أحد آخر؛ التفاتنا للوراء واجترار التاريخ بأحداثه المؤلمة للأسف لا نقوم به دائماً من أجل أخذ العبر، بل صرنا نعود إلى التاريخ من أجل الانتقام أو ردِّ الاعتبار! كلنا يعلم أن الوجود السوري في لبنان إنما كان بناء على طلب عربي لوقف شلال الدم آنذاك، ولم يكن غزواً للبنان، ومع أن أمن لبنان هو أمن لسورية أيضاً فقد كان الأمر أكثر إلحاحاً لتواجد سوريٍّ لوقف الفوضى التي أودت بأرواح الكثيرين، إذا الوجود السوري في لبنان في حينه لم يكن وجوداً من خلف الأستار، ولم يكن وجوداً بالتحكم عن بعد، بل كان وجوداً واضحاً وبقرار عربي، وبعد أن خرج السوريون من لبنان، ومع أول انتخابات برلمانية لبنانية أعربت الأوساط السياسية اللبنانية والعربية بل كثير من الأوساط السياسية في العالم عن شكرها لسورية لحياديتها تجاه تلك الانتخابات، إذا آن لنا أن نستثنيَ سورية من دورها في الساحة اللبنانية، بعد ذلك اللبنانيون ليسوا بحاجة ليكون منهم فئات تعود مرجعياتها إلى خارج لبنان. فلم المماطلة إذا حتى الآن في تشكيل الحكومة، وما أسباب تلك المماطلة؟ لقد توصل الرئيس المكلّف سعد الحريري لتشكيلته في فترة قصيرة منذ تكليفه ومع ذلك لم يعلن عنها لأسباب كانت وقتها سرية، لكن وكما يقول إخواننا في مصر «يا خبر اليوم بفلوس بُكره ببلاش»، وبالفعل شاع الخبر الذي أصبح اليوم «ببلاش» وانتشر في الأوساط السياسية في لبنان أن مصر لا ترغب أن يكون الحريري رئيساً للحكومة بل تفضل أن يكون فؤاد السنيورة هو الرئيس، ولا أحد يدري ما مصلحة مصر في ذلك! المشكلة أن كل تيار في لبنان يغني أغانيه بألحان مستوردة لذلك وجد الرئيس المكلف الحريري نفسه مضطراً للاعتذار عن تشكيل الحكومة لسببين؛ السبب الأول الوقت الذي صار لا يحتمله ليس الشارع اللبناني بل القانون اللبناني في الاستمرار بالمماطلة، لذلك بعد اعتذاره كُلف من جديد فحصل على وقت جديد، والسبب الثاني لإعطاء فرصة لحلفاء الحريري لترجمة مكونات السَّلَطة المصرية الجديدة، والغريب أن كل دولة في المنطقة لها طبق خيري في لبنان، يا جماعة اتركوا لبنان في حاله، ألا يكفي صموده أمام عدوان اسرائيل من فترة لفترة، فبدلاً من أن نساعده نزيد عليه الأحمال! كل الدنيا تسمع وتعرف تاريخ الفراعنة في مصر، وشاهدنا أيضاً للمصريين القدماء آثارا في الأردن، لكن لم يسجِّل التاريخ آثاراً للمصريين في لبنان، طبعاً هذا الكلام كله محاولة لفهم الدور المصري في لبنان، ولم أستطع فهمه حتى الآن تماماً كما لم أفهم الدور المصري المتكرر دون جدوى بين الفصائل الفلسطينية. أنا لا أقلل من الدور المصري في مواجهة المشكلات العربية والوصول إلى حلول فيها، لكنني أدعو إلى الوضوح أثناء ممارسة أي دور وعدم الغموض كما حصل أثناء العدوان على غزة! إن اللبنانيين اليوم هم في أمس الحاجة إلى نبذ الرجوع إلى الخارج، والالتفات بصدق نحو الوطن من الداخل بالحفاظ على عناصر القوة لوحدة وطنية يكون لبنان فيها هو أول أولويات السياسيين، أفضل بكثير من الهتاف نحو الخارج، فإذا كانت دعوة مكة المكرمة التي جمعت «فتح» و«حماس» عند الكعبة للمصالحة لم تُجْدِ تلك المصالحة بينهما، لأن عناصر الوفاق في الداخل. وكذلك اللبنانيون لن يجدي الصلح لا في مكة، ولا الدوحة، ولا حتى في الفاتيكان! لأن عناصر الوفاق في لبنان وتحت ظلِّ الأرز، وليس مستورداً لا من إيران ولا من مصر، وأنا على قناعة أن أي تدخل مصري في الشأن اللبناني لا يقبله أبداً الرئيس مبارك، ويا لبنان عيدكم... (مبارك)!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي
[email protected]