خيرالله خيرالله / هل يقول أوباما ما يجب أن يقوله؟

1 يناير 1970 05:06 م
مع انتهاء الجولة الأخيرة للمبعوث الرئاسي الأميركي جورج ميتشيل في الشرق الأوسط، يتبين أن هناك حسنات كثيرة للإدارة الأميركية الحالية. يمكن الحديث عن حسنات رغم ظهور الرئيس باراك أوباما، أقله لدى البعض، في مظهر من فقد القدرة على المبادرة ولم يمض بعد عام على دخوله البيت الأبيض. من بين هذه الحسنات اللجوء إلى لغة الحوار مع النظامين في سورية وإيران، والإصرار على الأخذ والرد من أجل التوصل إلى حلول عملية للمشاكل العالقة بين واشنطن من جهة وكل من دمشق وطهران من جهة أخرى. الحوار مستمر بين واشنطن وكل من دمشق وطهران رغم تعمد ميتشيل شطب العاصمة السورية من جولته الأخيرة.
هل تنجح إدارة أوباما حيث أخفقت إدارة بوش الابن التي لم تستطع في أي وقت تقدير عواقب اندفاعها العسكري في هذا الاتجاه أو ذاك، وتأثير ذلك بشكل إيجابي على نظامين مثل النظام الإيراني أو النظام السوري؟ طوال عهد بوش الابن الذي استمر ثمانية أعوام، كان النظامان في سورية وإيران على استعداد مستمر لاستغلال أي هفوة يرتكبها الأميركيون لتأكيد قدرتهما على لعب أدوار على الصعيد الإقليمي وأن لا مجال لتجاوزهما.
يتبين مع مرور الوقت أن الفارق الأول بين إدارة أوباما وإدارة سلفه تكمن في الأسلوب وليس في الجوهر. لم تضع الإدارة الحالية شروطاً محددة أمام دمشق وطهران طالبة تنفيذها ملوحة بالتجربة العراقية ومصير نظام صدّام حسين البعثي- العائلي على غرار ما حصل في ربيع العام 2003 بعيد الاجتياح الأميركي للعراق. وقتذاك، زار وزير الخارجية الأميركي كولن باول العاصمة السورية وطرح سلسلة من النقاط طالباً تنفيذها على طريقة القائد العسكري الذي يعطي أمراً إلى من هو دونه رتبة. لم يدرك بوش الابن والمحيطون به في تلك المرحلة أن حرب العراق ليست نزهة، وأنه إذا كان من منتصر في هذه الحرب، فان هذا المنتصر هو النظام الإيراني الذي دخل منذ فترة طويلة في تحالف استراتيجي مع النظام السوري وصل إلى حد تشكيل جبهة واحدة في مواجهة بغداد خلال حرب الخليج الأولى بين العامين 1980 و1988. كل ما فعله الأميركيون في العام 2003 أنهم خاضوا حرباً على النظام العراقي بالنيابة عن إيران التي كان لديها حساب قديم تريد تصفيته مع نظام صدّام حسين الذي نقل العراق من حرب إلى أخرى، ومن كارثة إلى كارثة أكبر منها غير مدرك في أي لحظة معنى موازين القوة ان على الصعيد الإقليمي أو على الصعيد الدولي.
لم تقدم إدارة أوباما على أي مغامرة عسكرية جديدة طوال العام الحالي وليس ما يشير إلى أنها ستقدم على مغامرة من أي نوع كان في غياب حدث مفاجئ في حجم عمل إرهابي كبير في الولايات المتحدة نفسها... أو افتعال إيران أزمة في منطقة الخليج أو اقترابها من انتاج قنبلة ذرية. والظاهر أن إدارة أوباما لن تلجأ سوى إلى السياسية أو ما يسمى «القوة الرخوة» المعتمدة على الديبلوماسية، والبحث في المشاكل العالقة والسعي إلى إيجاد حلول لها تأخذ في الاعتبار امتلاك القوة العظمى الوحيدة في العالم لوسائل ضغط متعددة ومتنوعة تمارس على سورية وإيران، وحتى على إسرائيل التي تحاول أن تؤكد كل يوم أنها قادرة على التحكم في القرار الأميركي في الشرق الأوسط. حتى الآن، أظهرت إدارة أوباما نضجاً وصبراً كبيرين لا حدود لهما في التعاطي مع ملفات الشرق الأوسط، بما في ذلك الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة والملف النووي الإيراني، والطموحات السورية التي لا حدود لها لنظام يهرب باستمرار إلى الخارج، إلى لبنان والعراق خصوصاً، بسبب عجزه عن التعاطي مع أزمته الداخلية العميقة.
ما يدعو إلى بعض التفاؤل، وان في حدود معينة، أن المسؤولين الأميركيين الذين يتعاطون في شؤون المنطقة يعرفون جيداً كيفية التعاطي مع النظام الإيراني. يعرفون على سبيل المثال أن الرد الذي أرسلته طهران إلى المجتمع الدولي والذي كان مفترضاً أن يتناول برنامجها النووي، على وجه الخصوص، تحدث عن كل مشاكل العالم مستثنياً البرنامج النووي الإيراني. ورغم ذلك، تمسكت واشنطن بالحوار نظراً إلى أن المطلوب التوصل إلى صفقة ما مع طهران في حال كانت جادة في ذلك. الأميركيون يعرفون تماماً أن الهدف الإيراني من الرد كسب الوقت ليس إلاّ، وأن السؤال في نهاية المطاف هل في الإمكان عقد صفقة تناول البرنامج النووي أم لا؟ في غياب مثل هذه الصفقة، لا مفر من عمل عسكري أو ما شابه ذلك... في يوم ما.
الحوار مستمر مع إيران، إلى أن تفقد واشنطن الأمل في عقد صفقة معها. المسألة مسألة أسابيع قليلة فقط. ولكن ماذا عن النظام السوري، هل يتغيّر أسلوب التعاطي الأميركي معه، خصوصاً بعد تفادي جورج ميتشيل زيارة دمشق؟ يظهر أن التغيير حصل بدليل تعمد مصدر أميركي رفيع المستوى القول لـ «الراي» في عددها الصادر في الخامس عشر من سبتمبر الجاري: «بعد مضي أشهر على الحوار معه (الرئيس بشار الأسد)، لم يعدل قيد أنملة في سلوكه ولم يقدم لنا شيئاً مما نطلبه. انه يسألنا دائماً ماذا يمكن أن نقدم له نحن تحت ضغط الابتزاز ووقوع حوادث في المنطقة... أميركا لن تخضع للابتزاز السوري».
لا شك أن هناك توجهاً أميركياً جديداً تجاه دمشق من دون أن يعني ذلك قطع الحوار معها بشكل مباشر أو عبر الوسطاء العرب والأتراك. هناك تغيير في الأسلوب. هل يقتصر التغيير على كيفية التعاطي مع النظام السوري أم يشمل ذلك إيران وإسرائيل؟ في كل الأحوال، هناك إدارة مختلفة في واشنطن. إدارة تعرف الشرق الأوسط جيداً بدليل وصفها الدقيق لتصرفات النظام السوري. السؤال هل تذهب بعيداً في تشريح الوضع في المنطقة ليشمل ذلك إسرائيل وإيران؟ ربما نحصل على جواب من الرئيس الأميركي نفسه في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في الرابع والعشرين من الشهر الجاري. هل يقول أوباما ما يفترض أن يقوله أي رئيس أميركي يعرف النذر القليل عن الشرق الأوسط، بكلام أوضح هل يقول ان هناك حلفاً غير مقدس بين مجموعة من الدول في المنطقة لا هم له سوى استمرار حال اللا حرب واللا سلم إلى ما لا نهاية؟ إسرائيل تستفيد من حال اللا حرب واللا سلم لخلق أمر واقع جديد يتمثل في تكريس احتلالها لقسم من الضفة الغربية. النظام الإيراني يعتبر أن استمرار الوضع الراهن يوفر له فرصة للتحدث باسم العرب والمزايدة عليهم والالتفاف على قضاياهم واختراق دولهم ومجتمعاتهم. أما النظام السوري فهو يعتبر اللا حرب واللا سلم أفضل مناخ لممارسة اللعبة الوحيدة التي يتقنها. انها لعبة تصدير الأمن إلى جيرانه. لبنان أفضل مثل على ذلك، يحاول النظام السوري أن يثبت يومياً أنه الضمانة الوحيدة للأمن في الوطن الصغير... من دونه لا حياة للبنان ولا حتى حكومة!


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن