أحمد زكي ... «جاك نيكلسون» العرب
محمد وطني: إنسان من طراز خاص / 25
1 يناير 1970
06:53 م
| القاهرة - من أحمد نصير |
ساحر في أدائه لشخصياته... مرعب في تقمصه لأدواره... إطلالته على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة وحتى على خشبة المسرح مختلفة إلى حد التميز ومتميزة إلى حد التفرد، استحق عن جدارة أن يستحوذ على نصف دستة ألقاب - أو أكثر- لا ينازعه فيها أحد.
فهو «العبقري»... رئيس جمهورية التمثيل... الامبراطور، المريض بالفن... زعيم مدرسة فن التقمص... وجاك نيكلسون العرب.
هكذا قالوا عن النجم الأسمر الراحل أحمد زكي الذي رحل عن عالمنا قبل 4 سنوات وعدة أشهر لكنه بقي خالدا في ذاكرة «الفن السابع» بأفلامه المتفردة.
هذا «الفتى الأسمر»... الذي عانى اليتم والحرمان والانكسار منذ ولادته في مدينة الزقازيق «عاصمة محافظة الشرقية»ـ على بعد نحو 85 كيلو مترا شمال شرق العاصمة المصرية - جاء إلى القاهرة «هوليوود الشرق» ليقلب الموازين في عالم السينما، ويصبح بالرغم من سمرة وجهه التي تشبه طمي النيل فتى الشاشة الذي تفوق على نجومها السابقين والمعاصرين له حتى ان نجم هوليوود روبرت دي نيرو والفنان عمر الشريف... أكدا أنه لولا حاجز اللغة لأصبح «ابن الزقازيق» نجما عالميا لا نظير له.
عندما تشاهد أعمال «أحمد زكي» على الشاشة فأنت ترى نجما فوق العادة... ملامحه منحوتة من أرض مصر... يتكلم ويعبّر فتشعر أنك أمام بطل شعبي وليس ممثلا يعشق الفن إلى حد الجنون، حتى انهم قالوا عنه «صاحب مدرسة الفن المنحوت»، وقالوا: إنها مدرسة من إبداعه... وربما لهذا أحبه الجمهور واعتبره بطله الأول الذي يحرص على مشاهدة أفلامه.
أسرار ومواقف وحكايات مثيرة كثيرة في حياة أحمد زكي... سنتعرف عليها في 30 حلقة، عبر «الراي»... نقترب من شهادات عدد من الذين اقتربوا منه وآراء النقاد وزملاء المشوار لنعرف النجم الأسمر عن قرب، ونعرف ما كان بداخله وكيف استطاع الوصول إلى هذه المكانة، وكيف استحوذ على قلوب عشاق السينما والمسرح والتلفزيون، وكيف أحبه كل من عمل معه، وكل من تعامل معه... فابقوا معنا... حلقة بعد أخرى.
لا تنتهي الحكايات عن أحمد زكي... فلايزال في ذاكرة أصدقائه والمقربين منه قصص ومواقف تؤكد أصالة هذا الفنان، ومعدنه المميز، وأنه كان أيضا إنسانا من طراز خاص، يتعامل مع الحياة ببساطة، ومن دون تعقيد، ولا يعرف لغة الاستعلاء والغرور بل إنه لا يعترف بها أصلا.
هنا نتعرف على أسرار وكواليس مواقف عديدة في حياة النجم الأسمر... من عدد ممن كانوا قريبين منه أدلوا بها في أكثر من حوار صحافي:
يقول سكرتير النجم الراحل محمد وطني: عندما دخل أحمد زكي المستشفى أثناء مرضه كان هناك الممرض الذي يخدمه فقال لي: ابعثه يعمل عمرة، وفعلا أدى العمرة على حساب الأستاذ أحمد.
أحمد... والمتسول
وفي إحدى المرات كنا ذاهبين للمخرج علي بدرخان، وكان ذلك في الشتاء حوالى الساعة الواحدة في ميدان الدقي، وكان الجو ممطرا ودائما كان مع الأستاذ أحمد حقيبة بها الفلوس والنظارة، وكنت أحملها له، فوجد رجلا عجوزا يتسول تحت المطر فقال لي: أعط له شيئا يا وطني، فأعطيته.
فقال لي: لا تكن بخيلا وأعطه نقودا كثيرة.
وقال للرجل: أبوس إيدك اذهب لبيتك، ولم يعرف الرجل من هذا.
ويواصل وطني ذكرياته مع أحمد زكي قائلا: ذهبنا إلى علي بدرخان، وعندما عدنا قال لي قف بالسيارة على جنب، فأتى إلينا الرجل نفسه من غير أن ينتبه إلينا وطلب أن نعطيه شيئا، فقال له: مش قلت لك اذهب لبيتك، فجرى الرجل.
ويضيف: وعندما كنا في دبي في السوق الحرة كان أحمد زكي غاوي شراء كاميرات، وكان ذلك أثناء تصوير فيلم «السادات»، وجاءت زوجة شابة ومعها زوجها، وكانت تريد أن تسلم على الأستاذ أحمد وزوجها كان رافضا لكنها صممت وسلم عليها أحمد زكي، ولكن من دون اهتمام.
فقال لها زوجها: عاجبك انت أحرجتينا، وتشاجر معها وانتظرت إلى أن اشترى الأستاذ أحمد الكاميرات وقلت له ما حدث مع هذه السيدة وعندما حكيت له قال «يادي السادات» لأنه كان يتقمص الشخصية، ويتحدث بها، وذهب إلى السيدة فوجدها في إحدى الكافتيريات وقال لها: أنا آسف، فنظرت إلى زوجها نظرة انتصار.
البيه البواب
ويتذكر محمد وطني موقفا آخر له مع أحمد زكي قائلا: عندما كان يصور فيلم «البيه البواب» في إحدى العمارات بالزمالك، وكان يجلس أمام العمارة، ولم يبدأ التصوير بعد، وعندما دخل أحد السكان العمارة قام الأستاذ أحمد وهو متقمص لدور البواب فقال الرجل: هو كل يوم بواب جديد؟
ويستطرد: وفي إحدى المرات ذهبت إليه في الفندق الذي كان يقيم فيه، فوجدت أحد العاملين، وعندما سألته هل نظفت غرفة الأستاذ؟ فقال لي: إنه نائم بملابسه فدخلت إليه وقلت له: لا تنم بملابسك، فقال: أنت لا تفهم شيئا فأنا أعمل «ضد الحكومة»، وأريد البدلة غير نظيفة فأنام بها.
وكنت ذات مرة أجلس معه وأبحث في قنوات التلفزيون فقال لي: ارجع ثانية، ووجد شيرين عبدالوهاب تغني «آه يا ليل» فقال: هذا صوت مصر القادم، فقلت له: لماذا؟.
فقال: لأن بها رائحة الحارة في صوتها، وكان أول من تنبأ لشيرين بالنجومية. وهذا إحساس الفنان، كما قال عن الفنان ياسر جلال إنه قماشة جديدة ولكن تم توظيفه غلط، وكان ينوي أن يأخذه معه في أحد أفلامه.
وقال لمحمد هنيدي: أنت القادم، فأنت ممثل كوميدي صعب تكرارك، ولكريم عبدالعزيز أيضا في فيلم «اضحك الصورة تطلع حلوة» قال له: أنت الإستايل بتاعك قليل في السينما، لقد كان عنده حاسة استشعار تجعلك تخاف، فوصلت به الحال لدرجة الخوف.
واقعة غريبة
ويحكي سكرتير أحمد زكي عن واقعة غريبة في مرضه الأخير قائلا: في آخر أيامه دخلت عليه غرفته في المستشفى، وكانت حالته تعبانة. فقال لي: يا وطني أنا تعبتك معايا، لكن لي عندك يوم آخر. تقف تأخذ العزاء مع هيثم، فبكيت وعندها غضبت الفنانة رغدة، وكان عندها حق وقالت: لا ينفع أن تدخل على مريض وتبكي، وفي اليوم التالي ذهبت إلى المقابر.
وبعدها ذهبت إلى المستشفى فقالت رغدة: إياك أن تبكي، والغريب أنني عندما دخلت عليه أول كلمة قالها لي: ذهبت للقبر يا وطني؟ فبكيت ثانية، وسألت نفسي: كيف عرف؟ لقد كان لديه استشعار غريب، وكان دائما يقول لي: لا تنتقي... خد القفص كله الحلو والوحش شيله على بعضه وكان يقصد نفسه، لأنه كان عصبيا، وعندما كنت أقول له حاول أن تخفف من عصبيتك كان يقول لي: أنا لم أجد أحمد زكي، فأنا من بواب أدخل على رئيس جمهورية التمثيل، ثم وزير وخفير وكلها شخصيات تعيش معي... لم أجد أحمد زكي.
سر حياته
أما الماكيير المعروف محمد عشوب، الذي كان وراء ملامح العديد من شخصيات أحمد زكي السينمائية. فقد كشف عن جانب من حياة النجم الأسمر الخاصة. يقول: السر الذي كان في حياة أحمد زكي وأُقسم عليه، أنه أحب هالة فؤاد بجنون إلى أن مات، وكان دائما يأتي بسيرتها معي أنا والدكتور حسن البنا طبيبه الخاص وهي أيضا لم تحب أحدا غيره، وكانت أمنية حياته أن يرجع إليها من أجل هيثم ابنهما الوحيد، وهذه كانت عقدة أحمد زكي.
ويروي عشوب أحد المواقف المأسوية في حياة هالة فؤاد قائلا: أتذكر أن هالة اتصلت بي ذات يوم وقالت لي: لو زعلان مني سامحني، وكانت عصبية على شريف، المساعد الخاص بي، فقالت: لو شريف زعلان مني يسامحني فأنا غدا سأذهب إلى المستشفى لعمل تحاليل، وذهبت إليها في المستشفى فوجدتها هي وأخاها هشام فقال لها والدها: ماتخافيش سأموت قبلك، فردت عليه «بعيد الشر يا بابا، ربنا يجعل يومي قبل يومك»، وبعدها خرجت من الغرفة لأجد أحمد فؤاد يضرب رأسه في الحائط وهشام يبكي وعرفت أن هالة عندها سرطان في الدم، وحالتها متأخرة.
وعندما رأتني سألت عن والدها، وعندما رأته قالت له: هل كنت تبكي؟
فأجابها بالنفي، وأن نتائج التحاليل ستظهر غدا، وأخذتني معهم، وتناولنا العشاء معاً، وخرج أحمد فؤاد يبكي فقلت له: أرجوك لا تجعلها تشعر بشيء.
ولم أستطع أن أخبر أحمد زكي، لكن كان لابد أن يعرف فقلت له: تعال اعزمني على العشاء في فندق ميناهاوس، وقلت له بعد العشاء: على فكرة هناك خبر مش لطيف. فقال: خيرا؟ فأخبرته بما حدث لهالة، فألقى الترابيزة على الأرض، وردد: ليه بتقولي وليه مقولتليش، وكان في حال انعدام وزن.
وقلت له: هي لم تعرف، فطلب والدها أحمد فؤاد وكانت أول مكالمة بينهما منذ فترة طويلة، ونسي الناس الموجودين في الفندق ورمى التلفون أرضا وهو في حالة هيستيريا وجرى وجريت وراءه وركب سيارته وقادها بطريقة جنونية ونصحته بألا يذهب إليها لأنها سيدة متزوجة ويجب أن يرتب لهذا اللقاء، وقتها كان يصور فيلم «سواق الهانم»، فأوقف التصوير «3» أيام، وأكمل بعدها التصوير، وحالته النفسية سيئة، وكان لا يتحدث مع أحد.
ويواصل صديق أحمد زكي وماكييره محمد عشوب كلامه: في آخر يوم تصوير في فيلم «سواق الهانم»، وجدت المنتج محمد السبكي يقول لي: هالة فؤاد ماتت، ولا تقولوا لأحمد زكي.
وخفنا من جنون أحمد، لأنه كان من الممكن أن يرمي نفسه من فوق السطح، ولكن دخلت ممثلة اسمها «ليلى صابونجي» وقالت له: البقية في حياتك، فصرخ، وقاومناه بالعافية وقال: عاوز أروح لها، وذهبنا إلى المستشفى، وأخذ يصرخ ويقول: سبتيني لمين يا هالة.
فأخذته الحاجة سهير رمزي. والحاجة ياسمين الخيام، وقالتا له: هالة ليست زوجتك. احترم زوجها ومشاعر الناس. ودخل غرفة الطبيب، وأصيب بالإغماء وجلسنا ربع ساعة لإفاقته.
صاحب... صاحبه
وتحكي الفنانة مها أبوعوف عن ذكريات تصوير فيلم «أنا لا أكذب ولكني أتجمل» مع أحمد زكي فتقول: عندما كان أحمد زكي يقع في مشكلة يكلمني لأنه لا يعرف أن يحل مشكلة بمفرده، وأتذكر في تصوير فيلم «أنا لا أكذب ولكني أتجمل» تشاجرت مع شخص في التصوير، وكنت سأترك المكان لكن أحمد زكي جرى ورائي، وأتى بالرجل واعتذر لي.
وكان يخاف جدا على أصدقائه - وكان دائما واخد باله منهم - ويترك مشاكله وينساها لو كان أحد أصدقائه لديه مشكلة. لقد كان صاحب صاحبه، وإنسانا لا يعوض.