خيرالله خيرالله / الاعتذار الطبيعي

1 يناير 1970 05:06 م
كان طبيعياً أن يعتذر سعد الدين رفيق الحريري عن عدم عرض الحكومة التي شكلها على مجلس النواب لنيل ثقته، علماً بأن الثقة في الحكومة، في أي حكومة تشكل استناداً إلى الدستور والتوازنات الطائفية، مضمونة نظراً إلى امتلاك رئيس الوزراء المكلف أكثرية مريحة في المجلس. ولكن ما العمل عندما تكون الكلمة في لبنان للسلاح غير الشرعي الذي يتلقى أوامره من الخارج؟ لم يكن أمام من حاز ثقة الشعب ونوابه خيار آخر غير الاعتذار بعدما رفض المحور الإيراني - السوري، عبر أدواته اللبنانية وأدوات الأدوات المعروفة، الحكومة سلفاً نظراً إلى إصراره على ضرب النظام في لبنان بهدف تغييره، وإحلال المثالثة السنية - الشيعية - المسيحية بدل المناصفة بين المسيحيين والمسلمين كما نص على ذلك «اتفاق الطائف».
ما حصل ويحصل في لبنان يحرج من دون شك الرئيس ميشال سليمان الذي لم يتردد في الأسابيع القليلة الماضية عن الإعلان صراحة عن أن هناك حاجة إلى حكومة، وأن الفراغ لا يفيد لبنان ولا اللبنانيين. ولكن، مرة أخرى، لابدّ من التساؤل ما الذي يمكن عمله عندما يكون هناك بين اللبنانيين من يعتبر أن ضرب الاستقرار في البلد هدف بحد ذاته، وأن الوطن الصغير ليس سوى «ساحة»، وأن القرار القاضي بتشكيل الحكومة يجب أن يتخذ في طهران ودمشق وليس في بيروت في ضوء التنسيق بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المكلف؟
من أطرف ما شهدته الأيام التي سبقت تقديم رئيس الوزراء المكلف اللائحة إلى رئيس الجمهورية، المحاولات السورية والإيرانية لاظهار أن الخلاف في لبنان هو بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المكلف. تولت وسائل إعلامية، أنشئت أصلاً لضرب الصيغة اللبنانية وكل ما يمكن أن يساعد في انتشار ثقافة الحياة في الوطن الصغير، في الترويج لخلافات داخل «تيار المستقبل»، و«حركة الرابع عشر من آذار» وبين رئيس الجمهورية والرئيس الحريري. تناست وسائل الإعلام الحاقدة على لبنان، وعلى كل ما هو ناجح فيه وعلى الناجحين في أي حقل من الحقول، أن المشكلة ليست بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المكلف. تكمن المشكلة بكل بساطة في وجود حزب مذهبي مسلح لا يقبل بالصيغة اللبنانية، يستخدم هذا الحزب حالياً سلاحه المذهبي وأداته المسيحية المفضلة، المسماة الجنرال ميشال عون، في فرض واقع جديد في البلد، يقوم هذا الواقع على فكرة أن لا أهمية للانتخابات النيابية ونتائجها، الكلمة الأخيرة للسلاح ولحامل السلاح وليست للناخب اللبناني.
ما فعله سعد الحريري ممارسة لفعل مقاومة حقيقي من أجل لبنان والمحافظة عليه ومنع نجاح الانقلاب الذي يستهدف الصيغة اللبنانية والمناصفة بين المسيحيين والمسلمين التي نص عليها «اتفاق الطائف». الأهم من ذلك كله أن الهدف من تقديم لائحة بأسماء أعضاء الحكومة استناداً إلى الدستور، يتمثل في تأكيد ضرورة الاحتكام إلى القانون بدل الاحتكام إلى السلاح. باختصار، أن المرجعية التي يفترض أن يعود إليها اللبنانيون كل يوم هي الكتاب، أي الدستور، على حد تعبير الرئيس الراحل فؤاد شهاب، الذي تأسست في عهده الإدارة اللبنانية الحديثة التي صمدت في مواجهة أهوال الحرب الأهلية، وحروب الآخرين على أرض لبنان منذ العام 1975 من القرن الماضي.
ما فعله سعد الدين رفيق الحريري يندرج في سياق تمكين اللبنانيين من البقاء في لبنان والعيش فيه في ظل دولة القانون، وليس دولة من يحمل السلاح المذهبي ومن يقيم جزراً أمنية ودورة اقتصادية خاصة به عادت على طائفته خصوصاً واللبنانيين عموماً بالويلات. من يملأ الفراغ الحكومي يجعل أرض لبنان جاذبة للبنانيين بدل أن تكون طاردة لأهلها نظراً إلى أن ملء الفراغ الحكومي يصب في خدمة حماية لبنان من الأخطار المحدقة به. على رأس الأخطار إثارة الغرائز المذهبية. فما لا يمكن الاستهانة به أن الاستمرار في منع الرئيس المكلف من تشكيل حكومة تحت تهديد السلاح يؤدي إلى احتقان مذهبي من النوع الذي لا يخدم أي طائفة من الطوائف. على العكس من ذلك أنه يكشف أن بين اللبنانيين من لا يقبل بالصيغة القائمة، وأنه يسعى إلى استكمال الانقلاب الذي بدأ بجريمة التمديد للرئيس اميل لحود، واستكمل باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وبسلسلة الجرائم والتفجيرات اللاحقة، وصولاً إلى افتعال حرب صيف 2006، واحتلال الوسط التجاري لبيروت وحرب مخيم نهر البارد... وغزوة بيروت والجبل في مايو من العام الماضي.
ليس أمام لبنان سوى المقاومة. المقاومة لا تكون بالتمسك بالسلاح المذهبي وإطلاق الشعارات الطنانة والتذرع بإسرائيل لتوجيه السلاح إلى صدور اللبنانيين. المقاومة تكون بالتمسك بالمؤسسات ودورها وتأكيد قدرة اللبنانيين على أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم وأنهم ليسوا في حاجة إلى وصاية. في النهاية ان تشكيل حكومة لبنانية متوازنة دليل على رفض اللبنانيين للفراغ من جهة وتصميمهم على استعادة عاصمتهم من جهة أخرى. استعادة العاصمة هو استعادة للقرار اللبناني المستقل الذي لا يقبل أن تكون بيروت مدينة ظغيرانية على المتوسط، نتيجة غزوة السابع من مايو 2008، وأن تشكل الحكومة اللبنانية في طهران. الحكومة اللبنانية تصنع في لبنان. بعد ذلك، يمكن لرئيس مجلس الوزراء أن يزور دمشق وحتى طهران وغير طهران.
كلمة أخيرة. من يخشى المحكمة الدولية لن تنقذه منها حكومة لبنانية تشكل في طهران أو دمشق... أو في العاصمتين معاً. كذلك، لن ينقذه منها الفراغ الحكومي في لبنان. ما ينقذ من المحكمة التوقف عن ممارسة لعبة الهروب إلى أمام عن طريق خلق أزمة نظام في لبنان. أزمة النظام الحقيقية والعميقة في سورية وإيران. لماذا لا تشكل حكومة وحدة وطنية في دمشق، ولماذا سقط هذا العدد الكبير من القتلى في صفوف المواطنين نتيجة الانتخابات الرئاسية «الديموقراطية» التي شهدتها إيران؟
عاجلاً أم آجلاً، سيشكل سعد الحريري حكومة. في انتظار عودته إلى مشاوراته الهدفة إلى تأكيد أن لبنان يحكم بالقانون وليس بالسلاح، فإن أكثر ما يخيف في الوضع اللبناني الطريقة التي يتصرف بها «حزب الله». الطفل اللبناني يعرف أن الحزب الإيراني يدير ميشال عون بالريموت كونترول. مثل هذا التصرف هو بمثابة الطريق الأقصر إلى إثارة الغرائز المذهبية، وإلى مزيد من التمسك لدى أهل السنة بسعد الدين رفيق الحريري وليس بغيره!


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن