أماكن / الجامع العتيق
1 يناير 1970
05:04 ص
| جمال الغيطاني |
مصر العتيقة، مصر القديمة، الفسطاط، ماري جرجس، أسماء عديدة يطلقها المصريون على هذا المكان الاستثنائي الذي تتجاور فيه الأزمنة ولا تتوالى، تتجسد المعاني من خلال الحجارة، النقش، الكتابة فوق الواجهات، حول الجدران، في بقايا صفحات من جلد أو ورق انحنى فوقها خطاط يوما ما من الأيام المندثرة، أودعها مهاراته وقدراته، ثم مضى، لا نعرف اسمه، لا نعرف صفاته، لكن يمكن أن نستشعر أنفاسه التي تركت بعضا من ظلالها.
المصريون يطلقون على عاصمة بلادهم اسم القطر كله، مصر تعني مصر الوطن، تعني أيضا العاصمة، يقول ابن الصعيد أو السكندري أو السويسي أو الدمياطي أو أي انسان يمت الى مكان آخر عند اشارته الى العاصمة أو شروعه في السفر اليها، أنا ذاهب الى مصر، سأنزل مصر، يتركز الوطن كله في العاصمة، منذ أن كانت منفى زمن الدولة القديمة قبل خمسة آلاف عام، هناك على البر الغربي للنيل، لايزال موقعها قائما، تعرف الآن بميت رهينة، ثم أصبح حصن بابليون مقرا للحكم الروماني حتى دخول جيش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص الى مصر سنة ستمئة وأربعين ميلادية.
لماذا يسمي المصريون هذه المنطقة مصر العتيقة؟
لماذا يخصونها بالقدم؟
ربما لتجاوز الأزمنة التي نشير اليها.
حتى وقت قريب يمكن أن نعتبرها منطقة هامشية، نائية، بعيدة بالرغم من قربها، عندما كنت طفلا في القاهرة القديمة، كان اسم مصر القديمة أو ماري جرجس يعني البعد السحيق، والغموض. كثير من الأماكن قريب منا في المتناول... لكننا لا نقربه لأننا نجهله، لأنه مغلق تقريبا، مغلق على تاريخه، على زمنه، الناس فيه يكتفون به، والقادمون اليه عابرون، زائرون فقط لا يمكثون.
عندما وصل عمرو بن العاص الى مركز البلاد بعد فتحه الاسكندرية، قصد هذا المكان، صحيح أن الاسكندرية مدينة مهمة، كانت عاصمة البلاد زمن البطالمة خلفاء الاسكندر الأكبر، قبل استيلاء الرومان على البلاد، وتحولت مصر الى عاصمة للولاية التابعة لروما، اتخذ الرومان عاصمتهم قرب المركز القديم، منف، مكان أملته الضرورة لتوسطه، يقع عند نهاية مجرى النهر الآتي من الجنوب، وقرب انقسامه الى فرعين مكونا الدلتا، بين الوجهين القبلي والبحري.
كان نهر النيل يجري هنا، مكان الطريق الذي يطل عليه الآن مسجد عمرو بن العاص، والكنيسة المعلقة، وكنيسة أبوسرجة حيث أوت العائلة المقدسة اليها عند مجيئها مصر، تحرك المجرى غربا، كان حصن بابليون بأبراجه الاثنى عشر يطل على النهر مباشرة، كان مركز الحكم الروماني.
هنا، حط القائد العربي رحاله، نصب فسطاطه، لم يكن اختياره صدفة. انما مقصودا لاعلان الوجود الجديد في المركز، لتحقيق الحضور المعنوي، السياسي، الديني. بعد الحضور بالجيش والسلاح، من الطبيعي اذن أن يكون أول بناء يخطط في المكان له دلالة مقدسة، وبعدها تجنى الدلالات كافة، هكذا ظهر جامع عمرو بن العاص أول جامع في أفريقيا، أول جامع في مصر.
لم يكن عمرو بن العاص غريبا عن مصر، تردد عليها قبل نزول الرسالة على النبي «عليه الصلاة والسلام»، زار الاسكندرية، ويقال انه كان يشهد مباراة للكرة في ملعب روماني، عندما سقطت الكرة في حجره، عندئذ تنبأ له أحد الجالسين بالقرب من أنه سيتولى حكم مصر، ربما بدت النبوءة غريبة لعمرو بن العاص أو لمن قدر له أن يصغي اليها، لم تكن هناك أي اشارة بادية أو خفية، كيف أصغى الى ما قيل له.
هو عمرو بن العاص، المجرب، المحنك، من أجلاء قريش، أسلم بعد صلح الحديبية، ثم هاجر من مكة الى المدينة، وثق الرسول عليه الصلاة والسلام» به، أسند اليه امرة الجيش في غزوة ذات السلاسل بالرغم من وجود أبو بكر وعمر بن الخطاب، ثم تولى قيادة الجيش في زمن أبي بكر وعمر لفتح الشام، ثم أتم فتح مصر عام عشرين من الهجرة، توفي ليلة عيد الفطر سنة ثلاثة وأربعين هجرية - ستمئة وثلاثة وستين ميلادية، ودفن بالقرافة الكبرى، المعروفة الآن بقرافة سيدي عقبة بن عامر.
لأنه الجامع الأول، يعرف حتى الآن بالجامع العتيق، بتاج الجوامع، كلما جئت اليه أتطلع الى مدخله، جدرانه، أعمدته، أتجول حوله وداخله، البناء كله حديث بعد أعمال الانشاء التي تمت مؤخرا، لكن، من أين يأتيني هذا الاحساس بالقدم؟ من أين هذا الشعور الذي يتأكد عندي بالعتاقة رغم حداثة البنيان؟ من أين تنبع تلك المهابة عند اقترابنا منه رغم الطلاء الحديث، وأعمال البناء التي لم ينته بعضها بعد؟
لم يتبق من الجامع الأصلي الذي اختطه عمرو بن العاص الا المكان، من أين اذن مصدر العتاقة الذي نشعر به من خلال المكان؟
عندما أنشئ المسجد، كان المرجع الوحيد الماثل في الذاكرة مسجد الرسول «عليه الصلاة والسلام» بالمدينة المنورة، كان البناء تجسيدا لحنين عمرو وصحبه الى الرسول وصحبه، ظل المسجد على مساحته، بشكله الأول، الأعمدة من جذوع النخيل، السقف المغطى حتى عام ثلاثة وخمسين هجرية ستمئة واثنين وسبعين ميلادية، أضاف سلمة بن مخلد الأنصاري أمير مصر من قبل معاوية بن أبي سفيان أول زيادة اليه، زخرف جدرانه وسقوفه، وأنشأ أربع مآذن في أركانه، وأمر بفرشه بالحصر بدلا من الحصباء، هكذا بدأت الزيادات، وبدأت الاضافات المعمارية، بعضها من مضمون البلد الذي كان البنيان همه الأول وأحد أهم عناصر حضارته.
بلغ الجامع ذروته في المساحة والجمال في زمن الدولة الفاطمية، في سنة أربعمئة وتسعة وثلاثين زار مصر الرحالة الفارسي ناصر خسرو «ألف وثمانية وأربعين» توجه اليه، وصفه بأنه قائم على أربعمئة عمود من الرخام، الجدار الذي عليه المحراب مغطى كله بألواح من الرخام الأبيض التي كتبت عليها آيات من القرآن الكريم بخط جميل، تحيط بالمسجد الأسواق من جهاته الأربع وعليها تفتح أبوابه.
يصف ناصر خسرو الثريا الضخمة، الثمينة التي أهداها الحاكم بأمر الله الى المسجد ثم يقول: «وكان يوقد في ليالي المواسم أكثر من سبعمائة قنديل، وكان المسجد يفرش بعشر طبقات من الحصير الملون بعضها فوق بعض، ويضاء كل ليلة بأكثر من مئة قنديل، وهو مكان اجتماع سكان المدينة الكبيرة، ولا يقل من فيه في أي وقت عن خمسة آلاف من طلاب العلم والغرباء والكتاب الذين يحررون الصكوك».
عندما احترقت الفسطاط عام خمسمائة وأربعة وستين هجرية عام ألف ومائة وثمانية وستين ميلادية، أحرقها الوزير شاور خشية أن يستولي عليها الصليبيون، استمرت النيران مشتعلة بها أربعة وخمسين يوماً، لاتزال آثارها باقية، تخربت مبانيها، وبالطبع تأثر جامع عمرو، الى أن بدأ صلاح الدين الأيوبي أعمال الإصلاح به، وتوالت حتى كان آخرها في عصر الأمير مراد بك سنة ألف ومائتين واثنتي عشرة هجرية «ألف وسبعمائة وسبعة وتسعين ميلادية» أقدم جزء في الجامع الآن يمت للزمن العثماني، الى العمارة التي أجراها الأمير مراد بك، اهتمت أسرة محمد علي باشا بإصلاحه، وأخيراً جرت عملية ترميم شاملة له، مساحة المسجد الآن تقترب كثيرا مما كان عليه في العصر الفاطمي، ومن المستحب عند الناس صلاة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك في مسجد عمرو.
وبالرغم من حداثة البنيان، فثمة شيء خفي في الجامع، في عمارته، في فراغه، يدرك الروح، يمسها، وهذا ما قربني اليه خلال السنوات الأخيرة، لا أدري ما هو لكنه بالتأكيد مكون من عناصر شتى، بعضها وافد من القرون الأربعة عشر المنقضية علي تأسيس الجامع، وبعضها بتأثير أنفاس العابرين، بالتأكيد ثمة شيء يبقى منهم، شيء خفي لا يبين، بدءا من عمرو بن العاص الذي أسسه، مروراً بالأئمة الذين درّسوا، والرحالة الزائرين الذين وفدوا، والساعين من كل فج عميق الى الجامع العتيق.
في الليل تتعلق بعرس بالسماء، روحي مدثرة بآثار من الذين سبقوا، أنتبه فجأة الى قرب السماء، الى صفائها، لكم تبدو السماء قريبة من الأرض، لكم أشعر بدنوها، كأن ايوانات المسجد الأربعة اطار لهذا الجزء من السماء، كأنها تجديد للوجهة التي ينبغي أن يتجه صوبها قلبي، لعل هذا يفسر ما أجده من راحة عميقة تلزمني كلما جئت الى هذا المكان الذي توثقت صلتي به خلال الشهور الأخيرة.