أشقاء... من الطفولة إلى الشهرة

الأخوان تقلا... أسّسا «الأهرام» / 6

1 يناير 1970 05:44 ص
|القاهرةـ - من مختار محمود|
أي أسرة في أي مكان... تجتاحها السعادة، عندما يحقق أحد أفرادها نجاحا، يجلب عليه الشهرة، ويضعه تحت الأضواء، نجما متوهجا، يشار إليه بالبنان في مجاله أو مجتمعه وحتى خارجه، وتتهافت على نشر أخباره الصحف والمجلات، ومن ثمَّ يكون مثار فخر لها واعتزازا ليس لأسرته أو مجتمعه الصغير وفقط، ولكن قد يكون لدولته وأمته.
ولكن تلك السعادة سوف تتضاعف... عندما ينجح شقيقان، ويتألقان في مجال عملهما، ويغدوان نجمين في سماء الشهرة والذيوع، وهناك نماذج عربية وغربية من هنا أو من هناك. حققت تلك المعادلة الصعبة، تغلبت على العقبات، وحفرت في الصخر، ووصلت إلى قمة النجومية، وذروة التوهج، حتى انها ظلت باقية في الذاكرة، بالرغم من مرور عقود عدة على رحيلها.
النماذج التي نرصدها لأشقاء أو إخوة مشاهير، تتوزع بين العلم والسياسة والرياضة، والفن، ويجسد كل نموذج منها نبراسا للتحدي والإصرار على النجاح والتميز، ولاسيما أن معظم تلك النماذج، ولدت في أجواء صعبة لا تعرف رفاهية العيش، ولا لذة الحياة، وهو ما دفعها في البداية إلى تحقيق المستحيل، ثم ضاعف سعادتها، عندما وصلت إلى ما وصلت إليه.
ونعرض في تلك الحلقات لأشهر الأشقاء والإخوة... الذين حققوا الشهرة سواء في مجال واحد، أو مجالين مختلفين، فهناك من تألق فنيا «الأخوان رحباني» و«الشقيقان الأطرش»، وهناك من توهج رياضيا مثل «التوأم حسن».
كما أن هناك أشقاء... شقَّ كل منهم طريقه في الحياة في مجال مختلف، ووصل إلى قمة النجاح والتألق «الشقيقان الباز مثال حي»، كما نرصد بدايات كل منهما، وكيف كانت دافعا لهما للإبحار ضد الصعاب والعقبات وتجاوزها، وتحقيق النجاح والشهرة والخلود في ذاكرة البشر، باعتبارهما دليلا حيا على الإصرار والتحدي.
وفي السطور حكايات... تعرفنا عليها... ومواقف توقفنا عندها... وصور نادرة تحكي مسيرة الأشقاء.

في مستهل العام 1875... وصل إلى ميناء الاسكندرية شاب لبناني لم يتجاوز عمره السادسة والعشرين... ولم يكن أحد يتوقع أن يؤسس هذا الشاب الصغير ومعه شقيقه الذي لحقه بعد عامين أكبر مؤسسة صحافية في مصر والشرق الأوسط.
كان الشقيقان هما «سليم وبشارة خليل تقلا»... وكانت الصحيفة هي «الأهرام» ... وكانت الإسكندرية في ذلك الوقت تعج بالأوروبيين والشوام، كما كانت أحد المراكز التجارية المهمة على البحر المتوسط.
كان المشروع الذي يشغل الشقيقين منذ أن وصلا مصر هو إنشاء مطبعة وجريدة ... بالرغم من أن الصحافة في ذلك الوقت لم تكن مهنة تجتذب أحدا إليها ... ونجحا في إنشاء المطبعة في شارع البورصة المتفرع من ميدان القناصل «المنشية حاليا» وبدأت في طبع المطبوعات التجارية والأدبية.
التماس وتصريح
وبعد 7 أشهر تقدم سليم تقلا إلى الحكومة المصرية بالتماس يطلب فيه التصريح بإصدار جريدة اسمها «الأهرام» وكان الالتماس يوضح النهج الذي ستتبعه الجريدة وجاء في الالتماس الذي كتبه سليم تقلا بخط يده «إن الجريدة الملتمس إنشاؤها في مدينة الإسكندرية تحتوي على التلغرافات، والمواد التجارية والعلمية، والزراعية، والمحلية والطب والرياضيات والأشياء التاريخية والأفكار والقصص الأدبية، وما شاكل ذلك من الأشياء الجائز طبعها، من دون أن أتعرض للدخول مطلقاً في الأمور السياسية».
وبعد أخذ ورد ووساطة من هنا وهناك - حسب موقع صحيفة الأهرام - وافق المسؤولون في مصر على السماح للأخوين تقلا باصدار جريدتهما وكتب وزير الخارجية إلى «وليّ النعم» خطابا يطلب فيه الموافقة على إصدار الجريدة، بتاريخ 27 ديسمبر 1875 غير أن العدد الأول لم يصدر إلا في 5 أغسطس 1876.
4 صفحات فقط
صدرت الجريدة أسبوعية في 4 صفحات كل يوم سبت - بحسب سمير مرقص في مجلة الإعلام والاتصال - واختص سليم تقلا بتحرير المقالات المختلفة وإدارة الجريدة من الناحية الأدبية، بينما اختص بشارة بالترجمة عن الصحف الأجنبية، والاتصال بالقنصليات والبيوت المسؤولة لجمع الأخبار بإلاضافة إلى إدارة الجريدة والإشراف على عمليات الطبع والتوزيع في مختلف أنحاء المملكة.
مع صدور العدد الأول لـ «الأهرام» استقبلها الجمهور استقبالاً لا بأس به وعلى الرغم من تعهد الأخوين «تقلا» بعدم اشتغال ««الأهرام»» بالسياسة إلا أن الجريدة تناولت بالنقد بعض تصرفات الخديوي إسماعيل، فأصدر قرارا بإيقافها، وكان هذا التعطيل شكلياً إذ أصدر الأخوان في الحال جريدة أخرى بدلا منها وهي جريدة «الوقت»... وبعد خلع إسماعيل وتولي توفيق عاودت «الأهرام» الصدور من جديد.
في عددها الأول كما يقول مصطفى عاشور في موقع «إسلام أون لاين»: دعت الجريدة أصحاب الأقلام البليغة أن يزينوا من وقت لآخر الجريدة بما يسطرونه من بديع الكتابة والحكم والفوائد التي يتلذذ باقتنائها كل ذي ذوق سليم .... ولم يمض وقت طويل حتى اجتذبت صفحات «الأهرام» كُتابا من ذوي الرأي كتبوا على صفحاتها، ومنهم الإمام محمد عبده الذي كان حينئذ أحد مجاوري الأزهر، وكتب في البدايات عن «التمدن البشري».
صدى الأهرام
اختارت «الأهرام» يوم السبت لصدورها الأسبوعي، لكن صعوبة وصول الجريدة إلى الشام في وقت مبكر نسبيا -نظرا لبعض الأمور الملاحية- جعلها تصدر يوم الجمعة في بعض الأحيان، وبعد مرور نحو شهرين على صدور «الأهرام» أصدر الأخوان «تقلا» جريدة يومية تسمى «صدى «الأهرام» في10 أكتوبر 1876، وهي تعد أول جريدة يومية تصدر في مصر.
وكانت «الأهرام» الأسبوعية بدأت بـ 4 صفحات، يبلغ طول الصفحة 43 سم، وعرضها 30 سم، واستخدمت في بدايتها خطا كبيرا في الكتابة، ثم تحولت إلى خط أصغر. لتتمكن من نشر أكبر قدر من الموضوعات، وركز الأخوان تقلا اهتمامهما على الأخبار الخارجية. إذ عاصرت الجريدة في تلك الفترة الحرب التركية- الروسية، وكانت ميالة في تغطيتها للدولة العثمانية.
أفسحت «الأهرام» الأسبوعية صفحاتها لمقالات الإمام محمد عبده الإصلاحية، ومقالات «جمال الدين الأفغاني»، و«جمعية الأحباء» التي ترأسها «يعقوب صنوع»، والتي طالبت بالعناية بالتربية والتعليم.
فنون صحافة جديدة
استحدثت «الأهرام» في تلك الفترة المبكرة العام 1879... بعض الفنون الصحافية التي لم تكن تعرفها الصحافة المصرية، ومنها «الحديث الصحافي» مع كبار السياسيين ورجال الفكر، وكان من أبرز تلك الأحاديث الحوار الذي أجراه «بشارة تقلا» مع الخديوي إسماعيل، وهو ما غير النظرة للصحافة التي كان ينظر إليها على أنها «حرفة دنيئة»!. كما قام بشارة بأول «رحلة صحافية» يقوم بها مندوب للأهرام، في العام 1880، وكانت إلى بلاد الشام.
أولت «الأهرام» في بداية نشأتها اهتمامها الأكبر إلى الأحداث الخارجية، وكان اهتمامها بالأحداث المحلية قليلا، ولعل ذلك يرجع إلى طبيعة الترخيص الذي حصلت عليه لصدورها، وهو ما جعلها ترسل وكلاء لها في 12 مدينة بالشام، في حين لم يتعد مندوبوها في مصر 6 فقط، وبالرغم من ذلك أدرك سليم وبشارة تقلا أنه لا بد من ضخ الدماء المصرية في الجريدة حتى تستطيع الاستمرار والبقاء والمنافسة مع الجرائد المصرية الأخرى، والتي بدأ يتوالى صدورها في ذلك الوقت.
كانت «الأهرام» منذ صدورها الأسبوعي تهتم بالأخبار الرصينة، وتمتنع عن التوافه، وكان سليم تقلا يرى في الصحافة رسالة ووظيفة تأبى على حاملها أن يزل في لفظ أو يخطئ في تعبير؛ لذلك كان يأنف الطعن في الأشخاص والهيئات، ويتحرى الدقة فيما ينشر.
أسلوب مبتكر
وكان أسلوب «الأهرام» مع سليم وبشارة أكثر سلاسة ووضوحا من الصحف المعاصرة لها إذ استطاع الأخوان «وكانا من ذوي الثقافة الفرنسية - ويمتلكان حظا وافرا من الثقافة والبيان العربي أن يشقا للأهرام وللصحافة المصرية والعربية أسلوبا جديدا في الكتابة الصحافية، يبتعد عن السجع وأساليب الكتابة الإنشائية التقليدية، واعتمدا على اللغة الرصينة السهلة التي تلائم طبيعة الصحافة السيارة التي تخاطب القراء على اختلاف ثقافاتهم.
خصومة سياسية
واجهت «الأهرام»... في بواكير هذه المرحلة من حياتها خصومة مع القصر، عندما كتبت مقالها «ظلم الفلاح» الذي انتقدت فيه تصرفات الخديوي إسماعيل المالية، فتم توقيف بشارة تقلا، ثم أفرج عنه في مايو 1879 بعد تدخل القنصل الفرنسي، وكان لذلك أثره فيما بعد... إذ انتهجت سياسة تمسك بالعصا من المنتصف وتعطي المعلومة وتتجنب الرأي إلى حد كبير.
ويعد العدد 152 من «الأهرام»... عددا فريدا في تاريخه. فللمرة الأولى تخرج وفي صفحتها صورة كبيرة للخديوي الجديد «توفيق»، وهو أمر لم يتكرر إلا بعد عامين. إذ كان هناك اعتقاد بأن نشر الصور يخرج الجريدة عن وقارها!
توقف عن الصدور
توقفت «الأهرام» الأسبوعية عن الصدور يوم الخميس «28 من محرم 1298هـ - 30 من ديسمبر العام 1880» أي بعد (232) أسبوعا من صدورها، احتجبت خلالها مرتين إحداهما بسبب مقال «ظلم الفلاح» الذي تسبب في مشكلة كبيرة بين القصر الملكي والأخوين تقلا.
الإصدار اليومي
وفي يوم الاثنين صدرت «الأهرام» اليومية في الإسكندرية في «1 من صفر 1298هـ - 3 من يناير 1881م»، وحمل هذا العدد رقم (1003). وذهب المؤرخ المصري الراحل الدكتور «يونان لبيب رزق» في كتابه «الأهرام ديوان الحياة المعاصرة» إلى أن هذا الرقم هو تسلسل لجريدة «الأهرام» الأسبوعية، وجريدة «صدى الأهرام» وجريدة «الوقت» التي أصدرها الأخوان تقلا.
انتقلت «الأهرام» إلى القاهرة في شارع مظلوم «وسط القاهرة» في نوفمبر العام 1899، وعرف عنها تأييدها للنفوذ الفرنسي الثقافي والاقتصادي في مصر، ولم يكن ذلك ناجما عن ميلها الشديد إلى فرنسا فقط بقدر ما هو ناجم عن كراهيتها للاحتلال الإنكليزي، برغم انتقاداتها الشديدة للثورة العرابية وزعيمها أحمد عرابي.
انتقال إلى القاهرة
بدأت «الأهرام» في مهاجمة الاحتلال الإنكليزي - يناير 1884م - ووقفت ضد سياسة إخلاء السودان من الجيش المصري، وتعطلت شهرا عن الصدور بسبب هذا الموقف، وناصرت الزعيم المصري مصطفى كامل، وفتحت صفحاتها لنشر مقالاته.
كما حاربت الإنكليز في خططهم في قناة السويس والتعليم، وكان لها أثر كبير في رفض أعضاء «مجلس شورى القوانين» لميزانية الدولة في 1893م، ونادت في «ثورة 1919» بأنها صحيفة مصرية للمصريين، وفتحت صفحاتها للكتابة الوطنية. واعتبر البعض أن الفترة التي عاصرت ثورة 1919 كانت - استثنائية - في حياة «الأهرام»؛ لأنها كانت لسان «حزب الوفد المصري»، إلا أنها كانت تنطلق من موقف وطني قومي وليس حزبيا.
شبكة مراسلين
بعد الحرب العالمية الأولى وفي فترة ما بين الحربين زادت «الأهرام» من عدد صفحاتها، وتوسعت في معالجة جميع الموضوعات، وأنشأت لأول مرة شبكة من المراسلين لها في أنحاء مختلفة من العالم، وسبقت جميع الصحف باستعمالها ماكينات طباعة متقدمة العام 1920،كما أفسحت صفحاتها للشعراء، فذاع صيتهم... فنشرت معظم إنتاج «خليل مطران» و«أحمد شوقي»، وسمت ديوانه «بالشوقيات». ولقبت حافظ إبراهيم بـ «شاعر النيل»، و«خليل مطران» بـ «شاعر القطرين».
تعاقب على رئاسة تحرير «الأهرام» عدد من الرواد الكتاب والأدباء، بعد وفاة كل من سليم وبشارة تقلا ... منهم خليل مطران، وداود بركات الذي ظل محررا ورئيسا لتحريرها 35 عاما، وكان يعد مرجعا لكل حادث في مصر منذ احتلالها، وجبرائيل تقلا الذي نقل «الأهرام» نقلة كبيرة، واستخدم أرباح «الأهرام» في تدعيم وجودها الصحافي بشراء أحدث المطابع، وقام بتجديد الصحافة شكلا وموضوعا وطباعة، والذي قيل عنه: «كانت «الأهرام» تسبق الصحف الأخرى بعشر سنوات، وكان تقلا باشا يسبق «الأهرام» نفسها بمئة عام على الأقل.
ووصف الدكتور طه حسين «الأهرام» يوما بأنها «ديوان الحياة المعاصرة»، وأضاف: «الأهرام» ليست صحيفة امتد بها العمر حتى شاخت ووصلت من الحياة إلى أرذل العمر، ولكن مرور الزمن كان يزيدها أصالة.
قصة تأسيس
هذه هي قصة تأسيس «الأهرام» التي أسسها الأخوان سليم وبشارة تقلا، والأول ولد في العام 1849 في قرية كفر شيما اللبنانية... وحين بلغ 12 عاما بعث به والده إلى بيروت لتلقي العلم في المدرسة الوطنية على يد المعلم الشهير في ذلك الوقت بطرس البستاني ... عمل مدرسا للغة العربية وآدابها في المدرسة البطريركية ... ألف كتابا في الصرف والنحو بعنوان « مدخل الطلاب... وكان سببا في بلوغ سليم مكانة علمية مميزة بين أقرانه ... حين بلغ عمره 26 عاما هاجر إلى مصر بعد أن وصله نبأ النهضة التي يسعى الخديوي إسماعيل لتحقيقها في وادي النيل .
واشتهر بحسه الوطني ، ودفاعه عن الفئات الكادحة في المجتمع المصري وهو ما عرّضه لمشاكل عديدة مع السلطة في عهد إسماعيل ... عمل سليم مدرساً للغة العربية قبل تأسيسه للأهرام ... ويعتبر واحدا من جيل الرواد في مجال الصحافة المصرية، والعربية على الإطلاق وتوفي سليم تقلا في العام 1822.
أما «بشارة تقلا» فولد في لبنان في الثاني والعشرين من أغسطس العام 1852، ثم اتجه إلى مصر، وأسس مع أخيه سليم «الأهرام»، كانت له مواقف سياسية عرضته للسجن في عهد الخديوي «إسماعيل» ... وكان من أشد المعادين لسياسة القصر الملكي تجاه الشعب المصري وهو ما أكسبه شهرة عريضة بين الناس.
انفرد بشارة بإدارة «الأهرام» بعد وفاة شقيقه سليم العام 1902 ... فكان صاحب الفضل في وضع أغلب التقاليد التي سارت عليها الجريدة بعد ذلك, والتي حولتها من طابع الملكية الفردية الذي ساد أغلب الصحف الصادرة في ذلك العصر, إلى الطابع المؤسسي الذي تميزت به حتى يومنا هذا والذي منحها عمرا مديدا.
غير أنه في15 يونيو سنة1901 وافت بشارة تقلا المنية تاركا زوجته وابنه الصغير جبرائيل الذي كان قد تجاوز العاشرة من عمره, فتحملت الزوجة أعباء إدارة الجريدة وتربية الابن. ساعدها في ذلك عدد من الكتاب والمحررين الممتازين الذين كان لهم الفضل في مسيرة «الأهرام» من أمثال داود بركات الذي ترأس تحرير «الأهرام» منذ 1899 وحتى رحيله سنة 1933 وخليل مطران ويوسف بستاني وشبلي شميل وآخرين.
ومرت عقود على رحيل الأخوين تقلا، إلا أن اسميهما لايزالان يزينان الصفحة الأولى من الصحيفة الأكبر والأهم في الشرق الأوسط، ولن ينساهما التاريخ يوما.