أشقاء... من الطفولة إلى الشهرة

الشقيقان الباز... للإبداع وجوه كثيرة / 4

1 يناير 1970 06:23 م
|القاهرةـ - من مختار محمود|
أي أسرة في أي مكان... تجتاحها السعادة، عندما يحقق أحد أفرادها نجاحا، يجلب عليه الشهرة، ويضعه تحت الأضواء، نجما متوهجا، يشار إليه بالبنان في مجاله أو مجتمعه وحتى خارجه، وتتهافت على نشر أخباره الصحف والمجلات، ومن ثمَّ يكون مثار فخر لها واعتزازا ليس لأسرته أو مجتمعه الصغير وفقط، ولكن قد يكون لدولته وأمته.
ولكن تلك السعادة سوف تتضاعف... عندما ينجح شقيقان، ويتألقان في مجال عملهما، ويغدوان نجمين في سماء الشهرة والذيوع، وهناك نماذج عربية وغربية من هنا أو من هناك. حققت تلك المعادلة الصعبة، تغلبت على العقبات، وحفرت في الصخر، ووصلت إلى قمة النجومية، وذروة التوهج، حتى انها ظلت باقية في الذاكرة، بالرغم من مرور عقود عدة على رحيلها.
النماذج التي نرصدها لأشقاء أو إخوة مشاهير، تتوزع بين العلم والسياسة والرياضة، والفن، ويجسد كل نموذج منها نبراسا للتحدي والإصرار على النجاح والتميز، ولاسيما أن معظم تلك النماذج، ولدت في أجواء صعبة لا تعرف رفاهية العيش، ولا لذة الحياة، وهو ما دفعها في البداية إلى تحقيق المستحيل، ثم ضاعف سعادتها، عندما وصلت إلى ما وصلت إليه.
ونعرض في تلك الحلقات لأشهر الأشقاء والإخوة... الذين حققوا الشهرة سواء في مجال واحد، أو مجالين مختلفين، فهناك من تألق فنيا «الأخوان رحباني» و«الشقيقان الأطرش»، وهناك من توهج رياضيا مثل «التوأم حسن».
كما أن هناك أشقاء... شقَّ كل منهم طريقه في الحياة في مجال مختلف، ووصل إلى قمة النجاح والتألق «الشقيقان الباز مثال حي»، كما نرصد بدايات كل منهما، وكيف كانت دافعا لهما للإبحار ضد الصعاب والعقبات وتجاوزها، وتحقيق النجاح والشهرة والخلود في ذاكرة البشر، باعتبارهما دليلا حيا على الإصرار والتحدي.
وفي السطور حكايات... تعرفنا عليها... ومواقف توقفنا عندها... وصور نادرة تحكي مسيرة الأشقاء.

حقق الشقيقان المصريان الدكتور أسامة والدكتور فاروق الباز... شهرة واسعة ولكن في مجالين مختلفين تماما ، فالأول اختار السياسة وعمل بها وراح يتدرج في المناصب حتى أصبح وثيق الصلة بدوائر صنع القرار في بلاده.
أما الثاني استهواه البحث العلمي... فدرس العلوم الجيولوجية والفلكية حتى أصبح عالما في مجاله وحقق شهرة واسعة على المستوى الدولي، ويحظى كل منهما باحترام بالغ في الأوساط السياسية والعلمية لنبوغهما وتواضعهما.
سياسي داهية
ولد الدكتورأسامة الباز العام 1931، وتخرج في كلية الحقوق - جامعة القاهرة في العام 1952، وبعد شهور من تخرجه عين وكيلا للنيابة المصرية، وهو منصب كان يختص به المتميزون... ولهذا فإنه بعد فترة قصيرة سافر إلى أميركا حيث حصل على ماجستير في القانون من جامعة هارفارد.
وعن مشواره العملي وأهم المحطات في حياته كتب الكاتب الكبير صلاح منتصر قائلا: لم يجلس الباز إلى منصة القاضي، فقد ظهرت كفاءته التي مكنته من الانتقال إلى وزارة الخارجية التي ارتبط بها وترقى فيها إلى درجة وكيل أول الوزارة، إلا أنه لم يعمل يوما في سفارة، فقد التقطه وزير الخارجية في زمن الرئيس أنور السادات إسماعيل فهمي وعينه مديراً لمكتبه.
وعن هذا الطريق تعرف عليه أنور السادات واكتشف قدراته القانونية ومتابعته الأكاديمية للقضية الفلسطينية، ما جعل السادات يكلفه بكتابة عدد من التقارير والخطابات، وكان أهم ما قام به الباز كتابة الجزء القانوني في خطاب السادات إلى الكنيست يوم 20 نوفمبر 1977 بينما تولى موسى صبري كتابة الجزء الإنساني من الخطاب الذي يعد في مجمله من أهم خطب السادات.
لم يدخل أسامة الباز في أي صراع لأنه كان زاهدا بسيطا، يجلس إلى جانب قائد سيارته ويغير ملابسه التي لم يكن يهتم بأناقتها في مكتبه، ويمضي الساعات الطويلة في عمله، ولا يحب الأضواء والظهور، ودائما مستعد لكتابة أي مذكرة، فلم يشاهد إلا وهو يحمل مظروفا يضم كمية من الأوراق التي يكتب عليها بخط كبير جميل ينم عن أناقة أفكاره وسلاستها.
القضية الفلسطينية
أدرك أسامة الباز مبكرا منذ العام 1967 أن القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل سيكونان الموضوع الأول في الديبلوماسية المصرية، فكان أن تخصص في هذه القضية وأصبح وجوده إلى جانب الرئيس ضروريا للاستفادة من خبرته... خصوصا بعد أن تطورت الاحداث وجرت مفاوضات السادات مع مناحم بيجن والرئيس الاميركي كارتر في كامب ديفيد. ورغم المساعدين الكثيرين الذين كانوا حول السادات في كامب ديفيد فإن أسامة الباز كان الوحيد الذي يبوح له السادات ويطلب منه صياغة أفكاره، وبعدما أصبح الرئيس مبارك رئيسا للجمهورية، عينه مستشارا سياسيا له.
تولى «الباز» ملف القضية الفلسطينية وحضر جميع اجتماعات الرئيس التي تتناول هذه القضية وصاحب جميع القيادات الفلسطينية وتابع إجراء الاتصالات الخاصة التي يكلفه بها الرئيس، وكل ذلك في هدوء، وبعيدا عن الأضواء... ومنذ سنوات بدأ اسم الباز يظهر مقرونا - في كل مهمة يقوم بها في القضية الفلسطينية - باسم الوزير عمر سليمان رئيس المخابرات العامة، وهو إلى جانب قدراته المعروفة على العمل فإنه ينافس أسامة الباز في عدم الظهور والعمل بعيدا تماما عن الأضواء... وهكذا فإن اسم الباز راح يشحب حتى جاء وقت أصبح فيه الوزير عمر سليمان يتولى وحده ملف القضية الفلسطينية.
إغراءات مادية
في الدول الأجنبية تهافت الناشرون على رجل بحجم أسامة الباز، عاصر وشارك وصنع أحداثا مهمة ليكتب مذكراته وذكرياته عن الأحداث التي عاصرها، وأنا أعرف أن أسامة الباز - كما يقول صلاح منتصر - تعرض لإغراءات مادية كبيرة لتحقيق ذلك، ولكن مشكلة الباز أن الفلوس آخر شيء يفكر فيه، وهو يعتبر أن كل ما عرفه قد جاءه بحكم وظيفته ويجب أن يبقى سرا لا يبوح به.
أهم مواقفه السياسية
وأسامة الباز واحد من الشخصيات التي دار حولها انقسام في الشارع المصري، فهو في نظر بعض الأوساط من «الحرس القديم» الذي يرى بقاءه قريبا من السلطة مرهونا بعدم تغيير الأوضاع السائدة وأن أي إصلاح يجب خروجه من كنف وآليات ووسائل النظام نفسه، ومع أنه من الذين رفضوا فكرة تعديل الدستور أو بعض مواده ورأى تأجيلها، وصف تعديل المادة 76 بأنها الأبرز والأهم في مسيرة الإصلاح السياسي. وتوقع خطوات أكثر تطورا في هذا المجال في المرحلة المقبلة.
واعتبر مستشار الرئيس السابق أن إصلاح نظام اختيار رئيس الجمهورية سيؤدي إلى نقلة سياسية كبيرة في مصر لها تداعياتها وتأثيراتها في كافة الجوانب، وأكد أن خطوات التعديل تثبت جدية سياسات الإصلاح الديموقراطي في مصر.
وعلى خلاف بعض المسؤولين في النظام انتقد الباز الدعوات التي تطالب بتعطيل مسيرة الإصلاح السياسي لحين اكتمال برامج الإصلاح الاقتصادي، وأوضح أن عملية الإصلاح تتم على مسارات متوازية ووفقا لرؤية متكاملة.
ونفى الباز وجود أي ضغوط خارجية لتعديل الدستور، وقال إنها جاءت من رؤية خاصة ورغبة من الرئيس مبارك. وذهب الباز في أوائل مارس 2005 إلى أن قانون الطوارئ لا يمثل قيدا على ممارسة المواطن العادي لحقوقه السياسية، مشيرا إلى عدم وجود نية لإلغائه.
وأخيرا اختفى الدكتور أسامة الباز عن الأنظار في هدوء شديد بعد نحو 40 سنة في مطبخ الأحداث إلى جانب الرئيس، مفضلا الاسم الذي اختاره دائما وهو مدير مكتب الرئيس للشؤون السياسية.
ويعيش الدكتور أسامة الباز حاليا حياة هادئة، حيث يقطن بشارع دجلة بضاحية المعادي بالقاهرة، ويمتلك سيارة نيسان صيني متوسطة العمر، ويواظب على أداء الصلاة في مسجد كلية النصر بمنطقة ثكنات المعادي.
ووصفته صحيفة كوييرا إنترناشيونال الفرنسية يوما بأنه من أفضل السياسيين المصريين الذين استطاعوا التعامل مع ملف القضية الفلسطينية، كما نعتت الباز بأنه إنسان يمتلك من التواضع ما لا يمتلكه غالبية السياسيين.
عاشق الصحراء
أما شقيقه الدكتور فاروق الباز فقد ولد في الأول من يناير من العام 1938 ، شجَّعه الوالدان على التدرج في مراحل التعليم المختلفة، حيث كانا يؤمنان دائما بقدراته ونبوغه... كان والده أول من حصل على التعليم الأزهري في قريته... وكانت أمه رغم بساطتها عونا له في اتخاذ قراراته المصيرية؛ حيث كانت تمتلك ذكاء فطريا على حد وصف الدكتور فاروق نفسه.
حصل فاروق على شهادة البكالوريوس في الكيمياء و الجيولوجيا في عام 1958، وقام بتدريس مادة الجيولوجيا بجامعة أسيوط «صعيد مصر» حتى العام 1960، حينما حصل على منحة لاستكمال دراسته بالولايات المتحدة. نال شهادة الماجستير في الجيولوجيا عام 1961م من معهد علم المعادن بميسوري الأميركية.
وحصل على عضوية فخرية في إحدى الجمعيات المهمة (Sigma Xi) تقديرا لجهوده في رسالة الماجستير، نال شهادة الدكتوراه العام 1964 وتخصَّص في التكنولوجيا الاقتصادية... واستطاع خلال هذه الفترة زيارة المناجم المهمة، وجمع آلاف العيِّنات من بلاد العالم التي زارها.
كانت عيون فاروق متجهة دائما إلى مصر طوال فترة إقامته بأميركا. جمع عيِّناته وأبحاثه، عاد إلى بلاده، وكلُّه أمل في إنشاء معهد عال للجيولوجيا، إلا أن المفاجأة كانت في انتظاره... «عليك تسلم عمل كمدرس للكيمياء في المعهد العالي بالسويس»،
... واضطر إلى الذهاب لتسلم عمله في هذا المعهد الغامض؛ أملاً منه في أن يسمعه أحد بعد تسلم وظيفته الجديدة.
ولكنه تقابل هناك مع أحد زملائه الفيزيائيين، وكان حاصلا على الهندسة النووية من روسيا، واضطر إلى تدريس مادة الصوت والضوء، حيث نصحه بعدم استلام عمله حتى لا يفقد كل شيء... فتمكن الدكتور فاروق من سحب أوراقه بعد دقائق من تقديمها إلى إدارة المعهد.
«لم أتخيل يوما أن أهاجر بعيدا عن بلدي»... قالها الدكتور الباز وهو يحكي قصة هجرته؛ ففي ديسمبر من العام 1966، وبعد سنة من المعاناة، فر سرا إلى أميركا؛ خوفا من الظروف السياسية الشائكة التي كانت في مصر آنذاك. وهناك بدأ في رحلة شاقة للبحث عن عمل، ونظرا لوصوله بعد بدء العام الدراسي، فلم تقبله أي جامعة من الجامعات؛ فأخذ يبعث طلبات التحاق إلى شركات جاوزت المئة في عددها، إلى أن بعثت له «ناسا» التي كانت تطلب جيولوجيين متخصصين في القمر لموافقة وسط دهشة الدكتور فاروق، والعجيب أنه لم يكن يعلم شيئا عن جيولوجيا القمر.
ودخل ناسا وهو لا يعلم أنه سيكون له فيها شأن. وقد وفَّقه الله إلى أحد المؤتمرات الجيولوجية والتي تحدَّث فيها علماء القمر عن فوَّهاته ومنخفضاته وجباله. لم يفهم شيئا، وهو ما قيل طيلة ثلاثة أيام متواصلة.
وحينما سأل أحد الجالسين عن كتاب يجمع هذه التضاريس، أجابه قائلا: «لا حاجة لنا إلى أي كتاب فنحن نعرف كل شيء عنه»... حرَّكته الإجابة إلى البحث والمعرفة، ودخل المكتبة التي ضجَّت بالصور القمرية التي يعلوها التراب، وعكف على دراسة 4322 صورة طيلة «3» أشهر كاملة، وتوصل إلى معلومات متميزة.
إنجازاته العلمية
اكتشف الدكتور فاروق الباز أن هناك ما يقرب من 16 مكانا تصلح للهبوط فوق القمر، وفي المؤتمر الثاني الذي حضره. كان الباز يجلس إلى المنصَّة يعرض ما توصَّل إليه وسط تساؤل الحاضرين عن ماهيته، حتى ان العالِم الذي قال له من قبل نحن نعرف كل شيء عن القمر. قام وقال: «اكتشفت الآن أننا كنا لا نعرف شيئا عن القمر».
دخل الباز تاريخ ناسا، وأوكلت له مهمتان رئيسيتان في أول رحلة لهبوط الإنسان على سطح القمر الأولى، هي اختيار مواقع الهبوط على سطح القمر، والثانية، تدريب طاقم روَّاد الفضاء على وصف القمر بطريقة جيولوجية علمية، وجمع العيِّنات المطلوبة، وتصويره بالأجهزة الحديثة المصاحبة.
وفي العام 1986 انضم الباز إلى جامعة بوسطن - مركز الاستشعار عن بُعد باستخدام تكنولوجيا الفضاء في مجالات الجيولوجيا والجغرافيا، وقد طوَّر نظام الاستشعار عن بُعْد في اكتشاف بعض الآثار المصرية.
توجَّه الباز بعد ذلك إلى دراسة الصحراء... وخلال 25 عاما قضاها في هذا المجال حتى الآن، اهتم بتصوير المناطق الجافة خصوصا في صحراء شمال أفريقيا، وجمع معلوماته من خلال زياراته لكل الصحراء الأساسية حول العالم... كان أكثرها تميزًا زيارته للصحراء الشمالية الغربية في الصين، بعد تطبيع العلاقات مع أميركا عام 1979... وبسبب أبحاثه انتخب زميلا للمعهد الأميركي لتقدم العلوم « AAAS».
اختاره الرئيس المصري الراحل أنور السادات مستشارا علميا لحكومته بين العامين 1978 و1981، وكلَّفه بمهمة اختيار أماكن صحراوية تصلح لإقامة مشروعات عمرانية جديدة. وقد شرح بطريقة علمية دقيقة كيفية الاستفادة من الموارد الطبيعية لبلده مصر. دعا إلى أهمية دراسة المياه الجوفية، والتي يهدر منها الكثير في البحار والمحيطات دون استخدام، وطبَّق التكنولوجيا الفضائية لدراستها ودراسة مسارات البحيرات الناضبة.
شهادات وميداليات
حصل فاروق الباز - بحسب موقع أعلام وشخصيات مصرية على الشبكة العنكبوتية - على ما يقرب من 31 جائزة، منها: جائزة إنجاز أبوللو، الميدالية المميزة للعلوم، جائزة تدريب فريق العمل من ناسا، جائزة فريق علم القمريات، جائزة فريق العمل في مشروع أبوللو الأميركي السوفياتي، جائزة ميريت من الدرجة الأولى من الرئيس أنور السادات، جائزة الباب الذهبي من المعهد الدولي في بوسطن، الابن المميز من محافظة الدقهلية.
وقد سمِّيت مدرسته الابتدائية باسمه... وهو ضمن مجلس أمناء الجمعية الجيولوجية في أميركا، المركز المصري للدراسات الاقتصادية، مجلس العلاقات «المصرية - الأميركية».
وتبلغ أوراق الدكتور الباز العلمية نحو 540 ورقة علمية سواء قام بها وحيدا أو بمشاركة آخرين ويشرف على العديد من رسائل الدكتوراه.