خيرالله خيرالله / قدرة لبنان على الصمود

1 يناير 1970 05:06 م
لا شك أن الصيغة اللبنانية أقوى بكثير مما يعتقد. هذا ما أظهرته التجارب التي مر بها الوطن الصغير. وهذا ما كشفته قدرة لبنان على الصمود في مواجهة أشرس حرب استنزاف يتعرض لها بلد صغير منذ ما يزيد على أربعين عاماً، أي منذ توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969 من القرن الماضي. هذا الاتفاق الذي لم يجد من يقف في وجهه سوى لبناني واحد بعيد النظر اسمه العميد ريمون اده، رحمه الله.
ما يشهده لبنان اليوم، عبر العراقيل الهادفة إلى منع تشكيل الحكومة، استمرار لحرب الاستنزاف التي تستهدف إلغاء الوطن الصغير وتأكيد أنه غير قابل للحياة، وأن اللبنانيين لا يستطيعون حتى تشكيل حكومة من دون ضوء أخضر من دمشق وطهران حيث نظامان أمنيان فشلا في كل شيء باستثناء القدرة على ممارسة سياسة الابتزاز في كل الاتجاهات وعلى كل الصعد والمجالات. هناك، بين رجالات النظامين من يعتبر، في مجالسه الخاصة وفي اللقاءات مع كبار المسؤولين في المنطقة، أن الوضع اللبناني «هش» وهو قابل للانفجار في كل لحظة. هل هذا صحيح... أم مجرد تمنيات؟ من يقول هذا الكلام لا يعرف ما هو لبنان، ولا يعرف خصوصاً شيئاً عن المنطقة. كل ما يفعله هو التمسك بشعارات تبيَن أن لا علاقة لها بالواقع أو بالتاريخ. إذا كان لبنان كياناً مصطنعاً، ماذا عن سورية، إذا كان لبنان يعاني من مشاكل اقتصادية خلفتها أعوام طويلة من الحروب بين أهله وحروب الآخرين على أرضه، ما الذي يمنع سورية من معالجة مشاكلها الداخلية المستعصية التي هي أسوأ بكثير من مشاكل لبنان، وما الذي يمنع الاقتصاد الإيراني من التراجع على نحو مستمر، ما الذي يحول دون أن تكون إيران بلداً ديموقراطياً بالفعل بدل أن تكون في حال مخاض تعكس أزمة سياسية واجتماعية عميقة على كل المستويات وحتى داخل المؤسسة الحاكمة نفسها، لماذا يجد «الحرس الثوري» والجهاز الأمني أنهما مضطران إلى القيام بانقلاب من أجل إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية في بلد ذي حضارة قديمة وأصيلة، بلد مليء بالشخصيات السياسية من ذوي الكفاءات؟
يقاوم لبنان حالياً، بفضل أبنائه الشرفاء حقاً، إحدى أشرس الحملات في سياق حرب الاستنزاف المستمرة التي يمكن أن نعتبر أفضل تعبير عنها لعبة الهروب المستمر إلى الأمام التي يمارسها النظامان الإيراني والسوري. لماذا يمكن القول ان الحملة الراهنة على لبنان واللبنانيين من أشرس ما يتعرض له الوطن الصغير؟ الجواب بكل بساطة أن الهدف من الحملة تكريس لبنان «ساحة» تمارس فيها كل أنواع الجرائم من دون حسيب أو رقيب. على اللبنانيين أن يقبلوا بأنه لم يتغيّر شيء في بلدهم، وأن ليس أمامهم سوى الرضوخ للأمر الواقع، بما في ذلك تغطية حكومتهم للجرائم التي ارتكبت في حق العرب الشرفاء الذين رفضوا بكل بساطة أن يكونوا عملاء للخارج. ولذلك، توضع حالياً العراقيل في وجه تشكيل حكومة برئاسة زعيم الأكثرية النائب سعد الحريري نظراً إلى الحاجة إلى تغطية الجرائم. من الذي قتل رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما، من الذي قتل سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ووليد عيدو وبيار أمين الجميل وأنطوان غانم واللواء فرنسوا الحاج والرائد وسام عيد والنقيب سامر حنا، ما سبب محاولة اغتيال مروان حماده والياس المرّ والزميلة مي شدياق والرائد سمير شحادة؟ كل ما في الأمر أن ما يجمع بين كل الشهداء، شهداء ثورة الأرز، بمن فيهم الشهداء الأحياء، أنهم أحرار. اغتيل كمال جنبلاط في العام 1977 لأنه حر. صار وليد جنبلاط «مهضوماً»، حسب تعبير اللواء جميل السيّد المدير السابق للأمن العام، عندما بدر عنه ما يشير إلى أنه لم يعد حراً وأنه على استعداد لأن يأخذ في الاعتبار، في كل تصرفاته، أن سلاح «حزب الله» الإيراني موجه إلى صدور اللبنانيين وإلى صدور أبناء عشيرته على وجه الخصوص. كل الشخصيات اللبنانية التي اغتيلت، من بشير الجميل إلى رينيه معوض مروراً بالمفتي حسن خالد، إنما اغتيلت لأنها شخصيات حرة أكدت في يوم ما وفي مرحلة ما أنها تمتلك حرية قرارها وأنها ترفض أن تكون رهينة لأحد.
الحرية في صلب الصيغة اللبنانية. المطلوب اليوم أن يفهم اللبنانيون أنهم ليسوا أحراراً. لذلك يستخدم النظامان السوري والإيراني سلاح «حزب الله» في خلق توازنات سياسية جديدة تقوم على فكرة ضرب الحرية، أي ضرب الصيغة اللبنانية عن طريق السلاح. من يقبل بضرب الصيغة اللبنانية مثل النائب ميشال عون الذي لم يحصل على مقعد في مجلس النواب إلا بفضل الأصوات الأرمنية والشيعية وأصوات المجنسين في كسروان، مجرد أداة في لعبة أكبر منه لا يعرف شيئاً عنها، هذا إذا كان يعرف شيئاً غير الاستقواء بالسلاح الميليشيوي. أنه قاصر عن ذلك، نظراً إلى أنه لا يعرف معنى أن يكون الإنسان حراً. لا يمتلك النائب المحترم الذي لا همّ له سوى تهجير مسيحيي لبنان من وطنهم سوى القدرة على ممارسة لعبة تصب في خدمة الساعين إلى ضرب الصيغة اللبنانية. لذلك وقف في الماضي في وجه اتفاق «الطائف» ولذلك أمّن دخول السوريين إلى قصر بعبدا، أي إلى مقر رئاسة الجمهورية، ووزارة الدفاع اللبنانية للمرة الأولى منذ الاستقلال في العام 1943.
سينتصر لبنان. لن تكون هناك حكومة تقبل بتغطية الجرائم التي استهدفت الشرفاء حقاً. المعركة صعبة من دون شك. لكن الطريقة التي يتحدث بها أولئك الذين يهاجمون المحكمة الدولية تكشف كم أن المحور الإيراني- السوري ضعيف. هذا المحور يحلم بانتصار برلين الشرقية على برلين الغربية. حائط برلين انهار قبل عشرين عاماً في نوفمبر 1989. النظام السوري نسخة طبق الأصل عن النظام الألماني الشرقي. يستطيع أن ينتصر في سورية إذا أحسن التصرف مع السوريين وفهم حاجات سورية وحدود دورها، لكن انتصاره على لبنان من رابع المستحيلات... لا لشيء سوى لأن برلين الشرقية لا يمكن أن تنتصر على برلين الغربية كون ذلك يخالف منطق التاريخ والتطور الحضاري!


خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن