علي سويدان / مدفع... فقط للإفطار!

1 يناير 1970 06:14 م
تقول بعض أخبار التاريخ ان ثقافة إطلاق مدفع الإفطار في شهر رمضان تعود لأيام خلتْ في مصر حين اشترى السلطان (محمد علي الكبير) مدافع للدولة وصادف تجربتُها وقتَ غروب الشمس، ولأن (الناس على دين ملوكهم) فقد ظنّوا أن السلطان قد استحدث طريقة جديدة لإعلان الإفطار، وطلبوا بعد ذلك الاستمرار في ضرب المدفع عند الإفطار ووقت السحور، وبالفعل استمرت هذه العادة ولم تتوقف إلاّ في فترات الحروب العالمية!
رائع جداً أن تكون للشعوب ثقافات خاصة بها وتنقلها لبلاد أخرى، ومن الأروع أيضاً أن تكون للأمة هيبة أمام أجيالها وأمام الأمم الأخرى، ولكن من المؤسف أن تتحوَّل هذه الهيبة إلى فلكلور لنتصور إلى جانبه ونستخدمه فقط في غير مكانه الأصلي، ربما إذا عُرف السببُ بَطُلَ العجبُ، لا أدري لِمَ المدافع والراجمات في بلاد العرب، وهل لدينا أعداء لا قدَّر الله!
نحن ننسى أنفسنا لدرجة لا يستطيع العقل أن يفسر سلوكنا، لقد انحرفت بنا السفينة إلى بحر مجهول، ومازلنا نفكر في السباحة عكس التيار، فحينما نمتلك السلاح إما نتركه حتى يفسد في المخازن أو نوجِّهُهُ إلى صدورنا، وحين تكثر الأموال بين أيدينا نستثمرها في الخارج، وحين نشعر بنزعة دينية نُحرِّم الموسيقا ونخاف من (جوزة الطيب)! لا أدري أيّ فلسفة فكرية تتحكم في عقولنا نحن العرب؟ ما أخشاه إنْ انحرف بعضُ شبابنا وراحوا يشمّون البنزين أن نمنع بيعَه أو نُوقِفَ استخراج النفط من الأرض. لعلنا نفكر في حلول لنمط تفكيرنا لا أن تكون وسائلنا التربوية وإجراءاتُنا المدنية قائمة على فكرة المنع والحرمان، فالممنوع مرغوب؛ فلو اقترب الطفل من النار هل نمنع استخدام النار في البيت، أم نفتح حواراً مُبسَّطاً مع الطفل لنوصل له الفكرة بلطف وحنوّ ونُبيِّن له خطورة اللعب بالنار؟ لا أريد أن أذهب بعيداً وأقول ان العرب اليوم بحاجة ماسة لإعادة بناء عقولهم، حتى ولو كان ذلك صحيحاً فلن يكون بعملية جراحية، بل لن يكون ذلك الإصلاح الفكري لعقول العرب إلا بتقويم سلوكي وتصحيح لما نُضمر في قلوبنا لتصبح دوافعنا أقرب للخير، أعتقد أنَّ شعباً مثل اليابان خرج من تحت الرماد في (هيروشيما وناجازاكي) لم يصل لما وصل إليه من تقدم مدني وصناعة اكتسح بها العالم بديموقراطية مصطنعة، أو بتديُّن بالملابس والكلام، أو بمزاجلات لا نهاية لها، صحيح أن العرب بارعون بالكلام منذ سوق عكاظ في الجاهلية ونحن أمة الفصاحة لكن على الأقل كان العرب في سوق عكاظ يخرجون بما هو مفيد في نهاية المطاف وما تركوا لنا من فرائد الحكمة تضاهي ثراث العالم كله أكبر دليل على ذلك، ولكن ماذا سنترك نحن لأبنائنا؟ ممارساتنا اليومية تصوِّر للعالم حقيقة نوايانا وتعطي صورة واضحة عن عقولنا، التجربة تقول انه حين يصل أكثرنا إلى الحُكم يخرج منا مَنْ يقول انه (سيرمي اليهود في البحر) فإذا به يُدخل الأمة بحرب خاسرة تُؤخرنا عشرات الأعوام! أو يخرج آخر ليقول انه (سيحرق نصف إسرائيل) فيحرق نفسه وجيرانه! إن الجرح الذي يجب علينا معالجته أننا نفكر ونخطط للأمة ولمستقبلها بأعمارنا نحن الأفراد وننتظر النتائج لنراها بسرعة قبل أن نرحل عن الدنيا لنصبح أبطالاً! فإذا تأخَّر ظهور هذه النتائج زِدْنا من سرعتنا واستعجالنا الثمرة فوقعنا بأخطاء وندم، ونسينا أن التخطيط للأمة ومستقبل أجيالنا يُنْظرُ إليه بعمر الأجيال لا بعمر الأفراد، وبسياسة حكيمة تقدر الأمور وتتبنى فلسفة تقوم على التوازن وإنشاء بيئة تستقطب الآخر، وتصنع المصالح وتستثمرها، ولكن أخشى ألا نورِّثُ لأبنائنا سوى مدفع... فقط للإفطار!


علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]