علي سويدان / النداء الأخير!

1 يناير 1970 08:01 م
النداء الأخير... بالطبع لسنا في المطار ولكني أتحدث في مسألة الخلاف القائم على الساحة الفلسطينية فهي مسألة تهم الفلسطينيين في الدرجة الأولى ولابد أن تستوقف العرب في الدرجة الثانية، فلم يعد من المقبول أن يتخيَّل العرب استراتيجية ما لإدارة الصراع بينهم وبين اسرائيل مادام الصراع بين إسرائيل وبين الفلسطينيين قائما بشكل غير منطقي بسبب الخلافات الداخلية بين أطراف التجاذب الأكبر («فتح» و«حماس»)! لا أدري بأي فلسفة يمكننا أن ننظر إلى شكل الصراع العربي الإسرائيلي مادام أصحاب القضية أنفُسهم لم يقفوا بَعْدُ على أرض صلبة، ولعل توجُّه العرب في الأعوام السابقة إلى تشكيل اتحادات جزئية، أو منظمات صغيرة خارج الجامعة العربية لم تزد الشرر إلا ناراً، خاصة أن هذه المجالس أو المنظومات الاتحادية لم تثمر أي ثمار مفيدة! لذلك كان علينا نحن العرب ألا نتوجه بكثير من اللوم نحو الفلسطينيين لأننا كرَّسنا الفُرقة بيننا في وقت كان هذا الشعب المنكوب في الأراضي المحتلة في أمس الحاجة لوحدتنا نحن العرب! لكننا نسينا كثيراً من واجباتنا تجاه أنفسنا وتجاه أقرب الناس إلينا، وانشغلنا بقصد ومن غير قصد بمشكلات وقضايا جانبية مفتعلة لنورِّثَها لأبنائنا، وصنعنا منها تاريخاً مجيداً وسطَّرنا منها البطولات وكتبناها في الكتب المدرسية، فقتلنا الوقت ودفنّا الطاقات في استعراض البطولات على بعضنا، وللأسف ستبقى هذه المراهَقاتُ السياسية مسجَّلَةً في التاريخ لتكرِّس الشحناء بيننا، وليقرأ أحفادنا تاريخنا يوماً ما ويصيبهم الخجل من تفريطنا في أغلى ما كان يمكن أن نُورِّثه لهم؛ توترات في السودان، ومذابح في الصومال، وقلاقل في اليمن، وسجال سياسي ممل في لبنان، والعراق يُرثى لحاله، وشعوب معظمها تعيش تحت خط الفقر بينما تسبح بلاد العرب على مخزون من الثروات، ونعود لنفكر في مبادرات عربية للسلام! لقد تربى بيننا جيل عربي قوي وشجاع فقط على بني جلدته، لكنه أمام خصومه مؤدب وأليف جداً، فلن يستغرب جيل اليوم من ممارساتنا لأننا أطعمناه وبالملعقة كيفية التفريط في الحقوق، والاستهتار في السلوك، والحياة بلا مسؤولية!
فكرة إنشاء حكم ذاتي للفلسطينيين في بدايته كان القصد منه إيقاع الفتنة بين الأخوة الفلسطينيين ولكن الأمر لم تتوافر عناصره لوجود الشخص الذي يُجمع عليه أبناء فلسطين وهو ياسر عرفات، والذي قام بدوره بكسب الصف الفلسطيني بأطيافه الوطنية كلها، وكان بحزمه من جانب وبحكمته من جانب آخر يلعب دور المؤسس لمنظومة النضال الفلسطيني في أواخر القرن المنصرم، ومن يلاحظ فترة التسعينات يرى أن الموقف الفلسطيني كان أكثر جلداً وقوة على إسرائيل لأن الفصائل الفلسطينية المقاتلة لم تكن بعد قد أكلت طُعم الديموقراطية حتى وقعت في فخ الانتخابات التي أفرزت «حماس»، فتذوقتْ «حماسُ» طَعْمَ الجلوس على كراسي السياسة فوقعت في حفرة الحصار، وكرَّسَ ذلك استخدام أطراف عدة السلاح في الداخل، للأسف نحن نظن أن السلطة تشريف بينما هي تكليف! أما قبل هذه الفترة وبالتحديد في التسعينيات استطاعت هذه الفصائل بجديَّتها أن تضرب العمق الإسرائيلي فأربكت الموقف السياسي لإسرائيل من جهة، وأعطت السياسة الفلسطينية فُسحة وأرضاً قوية للتفاوض بشكل أكثر فاعلية، ويمكننا ملاحظة ذلك في الرجوع إلى ردود فعل الكنيست الإسرائيلي وحكوماته المتعاقبة تجاه الأحدات في تلك الفترة، لا يمكن أبداً الوصول إلى الحقوق والحصول عليها بالقوة المجردة أو بالعنف والتعنت باسم الدين تارة، وباسم الدفاع عن الوطن تارة أخرى من دون البحث عن أوراق سياسية رابحة تزعج اسرائيل من طرف الفلسطينيين للوقوف على خارطة حقيقية للطريق، فهل يمكننا سواء في الساحة الفلسطينية أو في عموم الساحة العربية التحرُّك بجرأة فنُسلِّمَ زمام السياسة لمن هو قادر على إدارتها مع تسليم السلاح لمن لا يضر أهله وجيرانه؟
إن إدارة الدول والتخطيط لسياساتها الخارجية والداخلية لا يمكن أن نجعلها في يد أشخاص متهورين أو مغرمين بالمغامرة، ولا يُقبل عقل أن يتسلَّم السلاح من يجرُّ الأوطان إلى الدمار بحجة تمسُّكه بالدين أو بحماية الأرض! فالسياسة لعبة تحتاج لإنسان ماهر يجيد الحصول على المكاسب بأقل التكاليف، فمسألة التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين غير منفصلة عن سلاح المقاومة؛ لقد كان ياسر عرفات يغمز لرجال المقاومة «فتح» فيقْبل منهم ضرب إسرائيل وحين يقابل قادةَ إسرائيل كان يبتسم لهم! لذلك لم تكن إسرائيل يوماً ما راضية على عرفات كما هي راضية الآن كُلَّ الرضى على الجميع ما دام السلاح موجَّه للداخل! علينا ألا نفصل بين جزئيات السيادة وعناصر الوحدة ويكفينا جراح الماضي... ولا أريد أن يكون هذا هو النداء الأخير قبل فوات الأوان!


علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]